شريط الأخبار

الدخول ام الخروج / معاريف

12:59 - 09 حزيران / يناير 2009

بقلم: بن كاسبيت

        (المضمون: صورة لوجهات نظر الساسة الاسرائيليين الكبار بالنظر الى الحرب: لفني تريد الاكتفاء بالردع الذي تم احرازه، وباراك يريد قطف الثمار وانهاء العملية، وحاييم رامون يريد اتمام العملية حتى اسقاط حماس وفي النهاية ايهود اولمرت هو الذي سيحسم الامر - المصدر).

        ان ما يحرق ايهود اولمرت هو الخيبة في لبنان. لو كان علم فقط في الوقت الصحيح مبلغ قرب حزب الله من الانكسار. ان الاستخبارات لم تقدم هذه البضاعة، واولمرت مع الدولة كلها انكسر قبل. تبين بعد ذلك ان كل شيء كان سيختلف بعد بضعة ايام من الضغط العسكري الحقيقي. كان نصر الله سيخرج من الحرب على بطنه، وكان الردع الاسرائيلي سيعاد بناؤه، ولا سيما بازاء ايران، ومواجهة حماس اكثر سهولة. لا يغفر اولمرت لنفسه ذلك. وهو يشعر الان انه يمكن الاصلاح. فلم يعد الامر متاخرا جدا. فحماس في وضع اصعب كثيرا مما كان فيه حزب الله. والجيش الاسرائيلي اقوى. والمهمة سهلة نسبيا. وما تزال اسرائيل مترددة. تقف مكانها حائرة.

        تدخل هذا الطبيخ اعتبارات من كل جهة. فالعالم يضغط، والاعلام يعود الى نفسه وقد بدأ يعوق، والجنود في الميدان ويجب اتخاذ قرار. في القريب يفترض ان يصوغ اولمرت وايهود باراك وتسيبي لفني قرارا وان يأتوا به الى المجلس الامني المصغر. ينبغي انهاء ذلك الان، وليس مهما كيف، او استغلال نافذة الفرصة والمضي قدما ربما حتى النهاية، بعبارة اخرى اما الدخول واما الخروج. انذاك في نهاية حرب لبنان وجد من دعوا اولمرت بقولهم "خذ واهرب". سمع ذلك ونفذه. واليوم يتندم. لا يريد ان يأخذ ويهرب يريد الانتصار.

        ليس اولمرت وحده خطب خطبة نارية في جلسة المجلس الامني المصغر ذاك الذي اجيزت فيه العملية. فقد تحدث ايضا حاييم رامون الذي امتنع من التصويت. وتحدث كثيرا. ان ما اثار غضبه اهداف العملية. "أتغيير الواقع الامني جنوبي البلاد؟"، نخر رامون باحتقار. "أمن اجل هذا تدخلون غزة؟"، سأل وزراء المجلس الامني المصغر، يمكن فعل هذا بعملية جوية. من اجل ماذا الدخول؟ أمن اجل تعريض حياة الجنود للخطر؟ هل القاعدة افضل من حماس؟ لماذا يجب علينا قبول دولة حماس قرب مدخل عسقلان؟ أي دولة في العالم كانت تقبل هذا؟ ان العالم كله ولا سيما العالم العربي يجلس وينتظر منا ان نطير حماس من هنا. ان عيون العالم كلها ناظرة الى هنا. تخيلوا انه في نهاية هذه العملية كل الجيش الاسرائيلي الكبير، وسلاح الجو وتجنيد الاحتياط، يخرج وتبقى دولة حماس هنالك كأنه لم يوجد شيء. وخالد مشعل سعيد وهنية يخرج من الوكر ويخطب خطبة نصر الهي. ستكون اسرائيل مرة اخرى محل السخرية والاستهزاء. اتعلمون ماذا سيفعل ذلك بأبي مازن؟ وأي رسالة سيرسلها الى ايران؟.

        توجد عندنا ها هنا فرصة، قال، قد لا تتكرر لتوجيه ضربة ساحقة لمحور الشر الذي يحدق بنا. ان نقف مسيرة نصرهم. انهم على قناعة بأن امريكا واسرائيل والعالم العربي المعتدل قوات مهزومة متقهقرة، وان يخطون الى القدس وبعد ذلك قدما. اذا توجد هنا هنا فرصة لضرب هذا. السنا نستطيع؟ قولوا لي في وجهي، الا نستطيع؟ الا يستطيع الجيش الاسرائيلي ان يهزم حماس؟ انها منظمة قذرة، في اسفل الهرم، وهم يستغلون صدماتنا النفسية ليسخروا منا في وجوهنا. هذا فظيع. ولا يتصور. وفي النهاية سنضطر الى فعل هذا. ربما بهذه العملية. فلماذا نسير سيرا ملتويا؟ لماذا نتدهور الى هذا الوضع بدل ان نعلنه مقدما وان نسير فيه برأس مرفوع وبصراحة كما كانت ستفعل كل دولة؟ اننا اذا بلغنا هذا خطوة بعد خطوة، بتدحرج، وبلا خيار سيبدو ذلك سيئا. كما بدت حرب لبنان.

        قال رامون انكم اذا اتيتم ساركوزي وتحدثتم عن انكم تبحثون عن "تسوية" فسيطلب ساركوزي من الفور وقف اطلاق النار ويحاول صوغ اتفاقات. لكنكم اذا قلتم له ان اسرائيل لن تقبل موقعا متقدما لايران على جدارها، فسيكون كل النظر الى ذلك مختلفا. قولوا لي من اجل ماذا يوجد جنود فرنسيون في افغانستان؟ من اجل الا تسيطر طالبان على الدولة وتعطي ملجأ وملاذا للقاعدة، صحيح؟ كذلك براك اوباما ان القاعدة هي اكبر خطر على سلام العالم. فلماذا نمكن حماس من ان تسيطر ها هنا على غزة وتعطي ملاذا للجهاد العالمي ولايران ولمحور الشر كله؟ ما الفرق؟ لا يمكن تصريف معركة سياسية عندما لا يوجد لك هدف محدد ومعلل.

        يخاف الجميع ها هنا من فينوغراد، قال رامون، هيبة فينوغراد على الجميع. لكن الصدامات النفسية ليست سياسة. وكذلك الامر بالعملية "الذي صاغه المجلس الامني المصغر قبل العملية" ليس سياسة. لا يوجد شيء كهذا، كالأمر بالعملية الذي نصوغه ها هنا في اي مكان في العالم. يجب ان يكون قرار الحكومة واضحا وشجاعا وصائبا وحقيقيا. يضاف الى قرارات كهذه شعر او فكر لأنها ذات حجم تاريخي. ولا يتحدث عن "تغيير واقع امني".

* * *

        يوافق ايهود اولمرت في المبدأ على اكثر اقوال حاييم رامون. ان رئيس الحكومة، في هذه القضية، هو الشخص الأهدأ، مع أقل شيء تمكن خسارته (بالرغم من انه يؤمل ان تؤجل الانتخابات شيء ما)، من جهته لا تكاد توجد تسريبات. في احاديث حميمة جدا يتحدث في ان باراك محكم جدا الى حد انه لا يفهم هو نفسه ماذا يريد وان لفني دوارة مع الريح. يعلم اولمرت ان رامون على حق، لكنه يؤيد طريقة اخرى. فمن اجل ماذا يصرح ويتحدث مقدما؟ لقد اعلن اولمرت وقال مقدما وخرج ويداه على رأسه. يعتقد اولمرت انه افضل التوصل الى هذا بطيئا، خطوة بعد خطوة. فهو يريد البدء بالصغير والخروج مع الكبير.

        حلمه الابعد هو الاتيان بجلعاد شليت. فهو لم يكف عن الجهود في هذا المجال للحظة. يؤمل اولمرت ان يمكن في وقت ما سحب بضع ورقات لعب، وان يضاف اليها بضع مئات من الاسرى الجدد واعادة جلعاد الى البيت. يعلم اولمرت ان وزير دفاعه يريد ان يقف. فقد اراد ان يقف منذ زمن. اذا هو يدحرجه الى هناك بلطف، باحكام يميزه. لا يريد اولمرت الوصول الى هناك بغير براك.

        وماذا عن تسيبي لفني؟ في المبدأ تعلم هي ايضا حاييم رامون على حق، لكنها تعتقد ان الردع الاسرائيلي تم احرازه. فهذا مكتوب في التقارير الاستخبارية الموضوعة على منضدتها. وهي ترى ان الوضع معقد جدا. فاذا نجحت العملية سيكسب باراك. واذا فشلت العملية ستخسر هي. بالنظر الى هذا الوضع، سلوكها رسمي. يجب عليها ان تتحدث طول الوقت يمينا وان تنظر بقلق يسارا. يقول عدد من مستشاريها ان كل يوم قتال يسقط منها نصف نائب يزيده الى باراك. اذا تتحدث لفني عن خروج مع ردع وذلك كاف. بغير حديث الى حماس وبغير تكبيرها. ماذا سيحدث مع صاروخ القسام القادم الذي سيطلق في وقت ما بعد بضعة اسابيع؟ ستكون طلعة جوية من اربع وستين طائرة وموجة اخرى من قصف غزة. هذا ما سيكون. وهي فكرة لا ينقصها المنطق.

        على نحو عام جميع النشرات والتحليلات المتصلة بمواقف جميع اللاعبين في هذا الملعب الحساس موضوعة في مخاطرة. لا يوجد شيء في الحقيقة كما يكتب في العناوين. اكثر شيء تعقيدا كما هي الحال دائما هو وضع باراك. فمن جهة انقذته هذه الحرب. ومن جهة ثانية كل يوم تطول معه يمكن ان يدفنه. فباراك الذي خسر ثقته بنفسه في السنين الاخيرة يريد ان ينهي هذا.

        الجيش الاسرائيلي ايضا بالمناسبة، متردد حائر وموقفه ليس موحدا ويتبدل احيانا ايضا. رئيس هيئة الاركان جابي اشكنازي هو عامل كبح في هذه الازمة، يسعده دائما ان يقف لحظة وان يفكر ويمتنع من الاخطاء. فهيبة فينوغراد تغشاه هو ايضا وبقدر كبير. بل ان قائد المنطقة الجنوبية الذي يقود العملية ويخطط لها منذ سنتين، لا يسعى دائما قدما. استشاط اولمرت ذات مرة غضبا في احدى الجلسات على فينوغراد. قال رئيس الحكومة سأقول ذات مرة رأيي في فينوغراد هذه، ولا يذكرن لي احد انني اعمل تحت هيبة فينوغراد.

        شخص عاموس جلعاد امس الى القاهرة في جهد لاستيضاح ماذا تستطيع اسرائيل ان تحصل عليه الان في الحقيقة. وجد في القيادة السياسية من استغربوا. لماذا شخص جلعاد وحده؟ اين شالوم ترجمان واهرون ابارموفيتش او مسؤولون كبار اخرون؟ ان جلعاد، مع سيده باراك ورطونا في التهدئة السابقة، تلك التي اتت بالصواريخ على جديرا واسدود. ويسألون اي تقرير سيقدم جلعاد عندما يعود من القاهرة. ويجيبون: ما يريد. وباراك سيغرب هذا ايضا. من العجيب ان اولمرت لم يصر على ارسال شخص ما من قبله ايضا.

        باع باراك هذا الاسبوع، كل من اراد ان يسمع مبلغ كون التهدئة ناجحة. اجل دخلت صواريخ بعيدة المدى، لكن اسرائيل حصلت على الشرعية. ويسأل السؤال، الشرعية لفعل ماذا؟ اذا كانت توجد شرعية فلماذا نهرب الان؟ ما الذي نخافه؟ واذا لم تكون توجد شرعية فلماذا كانت تهدئة؟ ان التهدئة المقبلة التي يسعى باراك اليها ستأتي بالصواريخ على تل ابيب. هذا واضح تماما. ما تزال ايران تنفق مالا جما على صناعة المرسلات بتوسط البدو في سيناء. "حتى لو لم اكن بدويا"، قال هذا الاسبوع عنصر في القيادة السياسية الاسرائيلية "كنت سأهر الصواريخ الى غزة. فايران تدفع اجرا خياليا لمن يدخلها الى الداخل. يحتمل ان ايران تعلم انها في حرب مع اسرائيل، حرب سيخرج منها طرف واحد فقط منتصرا وهي تتصرف بحسب ذلك".

* * *

        يحاول باراك ولفني، اللذان يتشاجران في طريقهما الى لجنة التحقيق القادمة، تثبيت انفسهما. لقد ادركا انهما لن يجدا خيرا من هذا ايضا. منذ الانباء المنشورة في الاسبوع الماضي عن الحرب بينهما تحسن الجو. من جهة ثانية لم تعد الحال كما كانت. في وزارة الدفاع يتهمون الان وزارة الخارجية بأنه لو كان المسار السياسي يعمل كالعسكري لاصبحنا منذ وقت قد خلفنا الحرب وراء ظهورنا. وفي وزارة الخارجية يسخرون من ذلك. حصلتم على الوقت الذي اردتموه بل اكثر، يقولون لرجال الدفاع. ما الذي تريدون ان نخرج به من هذه القصة؟ امع اتفاق مع حماس، يكون اكبر انجازا تاريخي لهذه المنظمة منذ تأسيسها ويمنحها اعترافا دوليا وشرعية كاسحة؟

        ترفض لفني من جهتها المشاركة في المفاوضة التي يجريها باراك مع المصريين، في قصد الى التوقيع مع حماس. وتقول انا لست في هذه اللعبة، لن اوقع على شيء مع حماس، لا اعتقد ان هدفنا من هذه العملية كان الاتيان بتهدئة اخرى. رأينا ما الذي جلبته علينا التهدئة الاولى. وباراك من جهته ما يزال يدفع الى هناك بكل قوته. لم يتعلم درسا من لبنان عندما خرج وترك حزب الله ليصبح غولا، ولا من غزة ايضا، عندما مضى الى تهدئة حصل في اثرها على صواريخ على اسدود، في هذه الاثناء.

        يعارض الموساد والشاباك التهدئة كما يريدها باراك. وجابي اشكنازي حائر. في سويداء قلبه ليس متحمسا لاستمرار العملية البرية. فهو يخاف حدوث خلل. وأعمق في خفايا قلبه يعلم انه لا حل اخر. تعتقد لفني ان ذروة هذه العملية اصبحت وراءنا، وقد كانت اول من امس ويجب الان الوقوف. تمت اعادة بناء الردع، وفهم المبدأ. حتى المرة المقبلة.

* * *

        يستحق الجيش الاسرائيلي كلمة مستقلة. صحيح انه جيش جديد، ومختلف، وهاديء ومتواضع ومدرب وناجع. من جهة ثانية خوف التنفيذ فظيع. القيادة العليا مترددة. يفكر الجميع في لجان التحقيق، وفي المصابين، وفيما سيقول الاعلام. قبل العملية وجدت في الجيش الاسرائيلي رتب، لا سيما في القيادة الجنوبية وفي الذراع البرية ايضا هددت في حلقات مغلقة بالشغب اذا كفت اسرائيل جماحها وتخلت مرة اخرى. ووجد في الجيش الاسرائيلي ضباط غير صغار هددوا بفتح افواههم. لم يحدث هذا. من جهة ثانية دخل الجيش الاسرائيلي غزة كمن يتخبطه الشيطان من المس. يمشي على البيض. هذا جيد من جهة ما لكنه خطر ايضا. فعندما يمشى على البيض لا يكون وصول.

        في النهاية، في هذه الاثناء على الاقل، سيصل كل شيء ويوضع على منضدة ايهود اولمرت. سواء احببنا ام لا، فهو رئيس الحكومة الان. اولمرت خائب الامل. ينظر في تقديرات باراك ولفني، وينظر في تردد الجيش، ويستمع الى المحللين، ويصغي الى الاعلام ويعلم ان المسؤولية واقعة عليه وان الثمن سيقدم اليه. يقول انه يجب على الدولة ذات السيادة ان تعلم كيف تحارب عن سيادتها وعن امنها.

        محاربة الارهاب من هذا النوع هي شيء معقد. يوجد ها هنا طراز متميز من منظمة الاخوان المسلمين، يسيطر على الدولة مع تزويد بوسائل قتالية كبيرة وبلا حدود. اذا ترددت اسرائيل او خافت، فسيعلم العالم العربي كله، وسيعلم جميع الشهداء الذين يتكونون بازاءنا، ان اسرائيل قابلة للمس، وغير مصممة ولا مستعدة للمحاربة عن وجودها. بعد زمن غير طويل قد تبلغ ايران القدرة الذرية، وانذاك ايضا سنسلب هذه المظلة. يقول اولمرت في احاديث مغلقة انه يجب على اسرائيل ان تعلم كيف تدافع عن نفسها وعن مواطنيها. اذا ضيقنا في كل مرة على انفسنا، وعذبنا انفسنا، واستعددنا للجان التحقيق ولم تم العمل فان نهايتنا ستكون مرة.

        يسأل اولمرت لماذا يشعر الجميع بالضغط واهداف العملية تحرز في وقت اقصر مما اعتقدنا، والخسائر اقل مما قدرنا، وكل شيء يتقدم كالعادة. فلماذا يبكون ولماذا يولولون؟ هو الذي ضاءل في بدء العملية الانجاز المطلوب الى حده الادنى، يرفعه الان رويدا رويدا الى ان يبلغ الحد الاعلى الممكن.

        قد تنتهي حرب غزة في نهاية هذا الاسبوع وقد تدخل الاسبوع القادم بقوة. حتى المرة المقبلة.

انشر عبر