شريط الأخبار

الخطة والواقع / هآرتس

12:58 - 09 تموز / يناير 2009

بقلم: ألوف بن

(المضمون: القاسم المشترك بين كل المواقف الاسرائيلية الداخلية والاقتراحات الخارجية بوقف النار هو التسليم بحكم حماس في غزة – المصدر).

قائمة الاهداف لـ "رصاص مصهور"، التي أملاها المجلس الوزاري السياسي – الامني على الجيش الاسرائيلي عشية الحملة، صيغت بضبط للنفس ودون حماسة. جرى الحديث هناك عن وقف نار الصواريخ والارهاب، تقليص تعاظم حماس، استمرار المحادثات مع رئيس السلطة محمود عباس (ابو مازن)، المس بحكم حماس في غزة، الامتناع عن أزمة انسانية في القطاع، وتحسين فرص تحرير جلعاد شليت. وبمبادرة وزير الدفاع ايهود باراك، اضافوا الى القائمة ايضا تغيير الواقع الامني في الجنوب.

إذن كيف حصل ان في ختام الاسبوع الثاني من الحملة، تقف اسرائيل على شفا اجتياح واسع لغزة وتهدد بانهيار حماس واحتلال طويل للقطاع؟ هل مرة اخرى عرضوا على الحكومة والجمهور اهدافا محدودة، مثل "40كم" ارئيل شارون في حرب لبنان الاولى في الوقت الذي قصدوا فيه "صنوبر كبير": وعدوا بعملية رد لوقف الصواريخ بينما في الواقع يريدون الامساك بزعماء حماس ونقلهم الى سجن هداريم، او الى المقابر مثلما حاولوا في صيف 1982 تشويش حقيقة أن الجيش الاسرائيلي احتل بيروت؟ هل يمكن أن نبدأ بكتابة سيناريو "فالس مع بشار 2"، فيما يكون الفيلم الاول الاصلي مرشح للاوسكار؟

من يعرف ايهود اولمرت يعرف  ان رئيس الوزراء لن يسقط بسبب انعدام الغطاء القانوني. قرار المجلس الوزاري في 24 كانون الاول يسمح بتوسيع الحملة حتى خندق رئيس وزراء حماس اسماعيل هنية. اولمرت لم يقل هذا صراحة، ولكن وزراء انصتوا اليه في المجلس الوزاري اول أمس، يؤمنون بانه يريد السير حتى النهاية – حتى انهيار حماس، حسب اقتراح حاييم رامون. الخروج من الحرب مع انتصار كبير. وزير الدفاع ايهود باراك ووزيرة الخارجية تسيبي لفني رفيقا اولمرت في "الثلاثية"، يبثان رسالة معاكسة: يريدان الاعلان الان عن النصر والخروج، باراك مع اتفاق، لفني في خطوة من طرف واحد. للبروتوكول، اولمرت يؤيد نهج باراك، ويفضل ان يحقق الان اتفاقا ينهي القتال ويضمن هدوءا طويلا ومنعا للتعاظم.

حرب اعصاب مع مبارك

القرار اذا كانت اسرائيل ستحتل غزة موضوع  في هذه اللحظة في يد رجل واحد: الرئيس المصري حسني مبارك. في سن 80، بعد 27 سنة من الحكم، اعادت الحرب مبارك الى موقع القيادة الاقليمية، الذي سحب من يده قليلا في السنوات  قليلا. لا السعوديين، لا السوريين ولا حتى الامريكيين، يمكنهم ان يقيموا "آلية الانهاء" التي تؤدي الى هدوء في الجنوب وتوقف قتل الفلسطينيين في غزة. فقط المصريين. هذه هي دقائق الهالة لمبارك.

مصر، لم تصل صدفة الى موقع القوة هذا. فقد ناورت جيدا في خطواتها بين اسرائيل وحماس. تهريب السلاح عبر سيناء الى غزة، والذي لم تحبطه مصر، اضعف اسرائيل وخلق تهديدا على بئر السبع والغديرا. وعندما انحلت التهدئة، المح المصريون بانهم غاضبون من حماس وتعانقوا علنا مع اسرائيل. والان يعرفون في غزة ايضا بان مبارك وحده يمكنه أن ينقذ حماس من الانهيار.

اولمرت طرح احباط التهريب ومنع تعاظم حماس في رأس اهداف اسرائيل في الحملة. لم يختبىء خلف صيغ دبلوماسية غامضة، وقال صراحة بان السلاح يصل الى غزة من سيناء. في ترجمة بسيطة، اولمرت يدير الان حرب اعصاب مع مبارك. التهديات باحتلال غزة ترمي للتأثير على تغيير الموقف المصري، الذي حتى "رصاص مصهور" كانت لا مبالية تجاه المطالب الاسرائيلية بتشديد الرقابة على الحدود في رفح. وحتى تأخير المساعدات الامريكية لم يمنعهم من مواصلة الادعاء بان السلاح يهرب عبر البحر وليس من اراضيهم.

اسرائيل تقترح على مصر صفقة الى جانبها تهديد: اذا عملتم على احباط التهريبات، سنواصل الحرص على تلبية الغذاء والوقود في غزة. اذا رفضتم، فسجتاح القطاع بكل القوة، وانتم ستجدون 100 او 200 الف لاجيء فلسطيني سيفرون من دباباتنا ويقتحمون الحدود الى سيناء. اسرائيل ستفك ارتباطها، تغلق المعابر، وغزة مع ازماتها ستسقط عليكم. حتى يوم امس، مبارك لم يتراجع، ولم يوافق على الاعتراف بمسؤولية مصر على تهريب السلاح، او أن ترابط في اراضيها قوة دولية تشرف على الجيش المصري. اذا ما تمسك بمواقفه فان "الكرة" ستعود الى اولمرت.

الخطر هو انه اذا لم تغلق مصر الحدود في وجه تهريب السلاح، وتهديد الصواريخ من غزة يصل الى العمق الاسرائيلي – لنقل صواريخ فجر الايرانية التي ستصل حتى تل أبيب – سيكون في اسرائيل من سيقترح الغاء اتفاق السلام مع مصر. مثل هذا الوضع يعطي لايران ولحماس قوة هائلة وقدرة على ضغضعة المحور الاكثر اهمية للاستقرار والاعتدال في المنطقة. اسرائيل من جانبها تخاطر بفقدان مصلحة استراتيجية اولى في مستواها بسبب مشكلة تكتيكية. وعليه، محظور المبالغة في الضغوط على مصر، ولكن محظور ايضا تحويلهم الى الابطال الاشرار للمواجهة في غزة.

يتعين على رئيس الوزراء ان يقرر في اليومين القريبين اذا كان سيلقي بفرق الاحتياط الى غزة ويخاطر بخسائر فادحة أم يلطف مواقفه من المصريين. ليس لديه الكثير من الوقت للانتظار: لا يمكن الاحتفاظ بالاحتياط مجندين بصفر فعل. إما ان يحاربوا أو يسرحوا. كما أن الكاتيوشا من لبنان امس، وخطر الجبهة الثانية، تضغط على اسرائيل لان تقرر بسرعة.

تعيش غزة الحرة

        اذا ما نفضنا التفاصيل عن الاقتراحات المختلفة لوقف النار، نكتشف قاسما مشتركا بينها جميعا: تخليد حكم حماس في غزة. الخروج من طرف واحد الذي تطرحه لفني، والتهدئة المحسنة التي يطرحها باراك، ووقف التهريبات الذي يطرحه اولمرت، واقتراحات مبارك وساركوزي واردوغان، كلها تفترض ان حماس ستواصل التحكم في غزة وتحرص هناك على التعليم والمجاري. على الاقل اذا لم يغري اولمرت السير في سبيل "الانهيار".

        معنى الامر هو أن حماس دفعت ثمنا ببضع مئات من القتلى، مقابل ضمان سيادتها في غزة. وبالتصرف السليم، ستتمتع حماس ايضا بمعابر مفتوحة وقوة دولية تحافظ على حدود القطاع وشواطئه من اجتياح اسرائيلي، تحت غطاء منع التهريب. اذا ما نجح هذا، فسيعتاد العالم على ان في غزة نشأت دولة فلسطينية، تعيش في تعايش متوتر مع اسرائيل.

        حملة "رصاص مصهور" ستكون حرب الاستقلال لحماس، التي سيكون بوسعها أن تعلن في نهايتها "تعيش غزة الحرة" وبفرنسية ساركوزي سيسمع هذا على نحو افضل بكثير: "فيفا لا غازه" .

انشر عبر