شريط الأخبار

يا غزة كم حسابات تصفى باسمك ..د. علي محمد فخرو

12:34 - 08 كانون أول / يناير 2009


لا تختبر معادن البشر إلاُ إبُّان المحن والأهوال. ومحنة غزُّة اليوم وما يصاحبها من الأهوال التي يعيشها شعبها الجائع المريض المنهك هي بامتياز واحدة من تلك المناسبات. ونحن نشير إلى معادن الذين ينبرون للكتابة أو التحدث عن هذا الخطب الجلل. ذلك أن مجموعة من هؤلاء تستعمل المحرقة الغزاوية، كمناسبة لتصفية حسابات لها مع هذه الجهة أو تلك.

خذ مثلاً أولئك الذين يوجٍّهون اللوم إلى حركة حماس لأنها لم تمدٍّد هدنة التهدئة وذلك بعد أن جرَّبتها مضطرة لمدة ستة شهور دون أن تؤدي تلك التجربة لا إلى إيقاف الاغتيال الصهيوني اليومي لكوادرها ولا إلى رفع الحصار الصهيوني والعربي، حتى ولو جزئياً، عن شعب غزة. وظل هذا الشعب يعاني من الجوع والمرض وشحٍّّّّّّّّّّّّّ كل مستلزمات الحياة في حدٍّها الأدنى ومن البقاء معتقلاً ومعزولاً عن محيطه الفلسطيني والعربي والعالمي. وهكذا دفعت حماس، وهي المحاصرة والمحاربة من أكثر من جهة، والمسدودة أمامها كل الطرق، إلى استعمال السلاح الوحيد البدائي الذي لديها من أجل تحريك وزحزحة وضع شعبها المأساوي. اليوم لا يرى هؤلاء الكتاب والمتحذلقون إلاُ اختلافاتهم الفكرية والسياسية مع نهج حماس، وإلاُ عدم رضاهم عن تحالفاتها، ويتغاضون بصورة تثير الاستغراب عن المذبحة الإجرامية التي وجدت حماس نفسها في معمعتها طيلة سنة ونصف السنة ودون أدنى أمل لأي إنفراج لها. فأيٌ عقل هذا الذي يجزئ القضايا بهذا الشكل المحزن وذلك باسم النقد الموضوعي؟ لماذا لا يحاول هؤلاء الناقدون ممارسة القول المأثور من أنك قبل أن تنتقد أحداً البس حذاءه واكتشف كم كان الحذاء ضيقاً ومؤلماً؟ عند ذاك سيكتشف هؤلاء كم كان حذاء حماس ضيق وموجعاً، كم كان لا يسمح بالمشي خطوة واحدة، وأن خلعه كان سيكون على حساب كرامة وحقوق شعب غزة، وبشرط ركوعها ساجدة مستجدية.

خذ مثالاً آخر عن الذين وجهوا سهام نقدهم لايران وبشماتة طالبوا رئيسها بأن يدخل الصراع حول غزة ويرسل صواريخه لتدك تل أبيب. ولماذا هذا الطلب من قبلهم؟ لأن الرئيس اتخذ مواقف سياسية وعقيدية مناهضة للكيان الصهيوني ولأنه قال بأن هذا الكيان يجب أن يزول. ولكن قبل كل شي، أليس مثل هذا الموقف الفكري والسياسي موجودا عند الكثير منا؟ ألسنا نقول بأن الكيان الصهيوني وجد على حساب شعب مشرد، احتلُّت أرضه، وبالتالي فان المنطق الإنساني العادل هو أن يتعايش العرب المسلمون والمسيحيون مع اليهود في دولة واحدة تستوعب الجميع وتنهي الحلم الاستعماري الميثولوجي الصهيوني الذي يرفضه حتى بعض اليهود؟ ثم حتى في الواقع السياسي، هل كان الرئيس الإيراني يهدد باستعمال الصواريخ الإيرانية اذا تجرأ الكيان الصهيوني وحليفته أمريكا بمهاجمة إيران، أم أنه كان يتنطح لاختطاف موضوع الصٍّراع العربي ـ الإسرائيلي في يد العرب ليصبح ملكاً لايران؟ ما الهدف من إقحام إيران بهذه الصورة الفجة في قضية جزئية من القضية الفلسطينية؟ هل يقصد من ذلك تشويه مساعداتها التسليحية للمقاومة في لبنان وفي فلسطين؟ هل يقصد إعطاء الإنطباع بأن دخول حماس في محاولة كسر الحصار الصهيوني لغزة كان قراراً إيرانياً؟ ألسنا بهذه الطريقة نردٍّّّّّد الإدعاءات الأمريكية والصهيونية وننزل تراجيديا حصار غزة وتجويعها من قمم المآسي البشرية إلى حضيض الصٍّراعات بين الأنظمة؟

ليس الهدف من كل ذلك هو الدخول في خلاف مع هذا الكاتب أو ذاك المتحدث وليس في ذهني اسم أحد من هؤلاء. إنني أتحدث عن ظاهرة لا أستطيع، مع كثيرين غيري، أن أفهمها. إذ مامن حادث كبير وعزيز على الملايين من شعوبنا العربية إلاُ ويستعمل كمناسبة لتصفية الحسابات الإيديولوجية والسياسية وتوجيه نصائح الحب والخوف على المصلحة لهذه الجهة أو تلك. لكن قديماً قيل: إن أفضل وأجمل رسائل الحب إلى الرجل تكتبها إمرأة وهي تخونه، والعكس صحيح. ولقد أختلط الأمر علينا فما عدنا نستطيع التعرف على رسائل الحب التي لا تخفي الخيانة ولا على رسائل النقد التي لا تخفي تصفية الحساب. ويا أهالي غزة ويا أيها المقاومون العارضون أرواحكم فداءً لهذه الأمة أعانكم الله.

 

 

انشر عبر