شريط الأخبار

تحولات عميقة في بنية النظام العربي../ د.حسن نافعة*

12:24 - 08 تشرين أول / يناير 2009

* كاتب مصري وأمين عام منتدى الفكر العربي 

 

يربط الدارسون بين نشأة النظام الرسمي العربي وتأسيس جامعة الدول العربية عام 1945. غير أنه ما كان لهذه الخطوة أن تتم لولا توافر عاملين ساعدا على تأمين حد أدنى من الصدقية المطلوبة لضمان نجاحها في ذلك التوقيت بالذات.

 

العامل الأول: وجود حكومة مصرية تملك رؤية واضحة وإرادة مكنتاها من انتهاز فرص أتاحتها تحولات مهمة طرأت على النظامين الدولي والإقليمي عقب اندلاع الحرب العالمية الثانية. العامل الثاني: تطور الصراع على الساحة الفلسطينية على نحو أسهم في زيادة مخاوف دول عربية عدة من خطر قيام دولة يهودية مستقلة على حدودها. ولأن بريطانيا كانت غارقة حتى أذنيها في أوحال الحرب العالمية الثانية وتخشى من تحالف دول وحركات سياسية عربية مع ألمانيا فقد وجدت نفسها مضطرة عام 1943 للإعلان عن استعدادها لتأييد أي خطوة وحدوية يمكن أن تتفق عليها الدول العربية.

 

وكان يمكن لإعلان كهذا أن يمر من دون أن يترك أثراً لولا إدراك الحكومة المصرية, والتي كان يقودها في ذلك الوقت حزب الوفد برئاسة مصطفى النحاس, بأنه يتيح فرصة يتعين اقتناصها لاستطلاع رأي الدول العربية حول أنسب الصيغ التي تراها ممكنة لعمل عربي مؤسسي مشترك. وأسفرت المشاورات الثنائية والاجتماعية التي أجرتها لهذا الغرض عن تأسيس جامعة تضم الدول العربية شبه المستقلة والتي لم يتجاوز عددها في ذلك الوقت سبع دول.

 

ورغم قيام الإطار المؤسسي الذي تم التوافق عليه وفق صيغة الحد الأدنى، ما جعل الجامعة العربية تبدو أقرب ما تكون إلى منتدى للتنسيق بين سياسات دول مستقلة منه إلى مشروع وحدة فيديرالية أو كونفيديرالية مثلما كان يطمح البعض، إلا أن عوامل معينة أسهمت في تضخيم الآمال المعلقة على هذه الصيغة منها: 1- تحمس الدولة الأكبر والأكثر ثقلاً في ذلك الوقت، وهي مصر، لقيادة وتوجيه المنظمة الوليدة 2- وجود قضية مركزية توحد حولها العرب، وهي القضية الفلسطينية.

 

لذا لم يكن غريبا أن يتضمن ميثاق الجامعة العربية ملحقا خاصا عن فلسطين، تعهدت الدول العربية بموجبه بمساعدة الشعب الفلسطيني وتمكينه من الحصول على استقلاله السياسي الكامل، كما لم يكن غريبا أن يتم اختيار القاهرة مقراً دائما للجامعة وأن يقودها أمين عام مصري عروبي هو عبدالرحمن عزام باشا.

 

في سياق كهذا كان من الطبيعي أن ترتبط فعالية الجامعة العربية بمدى استمرار اهتمام الدولة القائد (مصر) بقضية العرب المركزية (فلسطين)! ولأن صدقية هذا الاهتمام أصبحت محل شك بعد قرار الرئيس السادات زيارة القدس ثم قيامه بإبرام معاهدة سلام منفردة مع إسرائيل، فقد كان من الطبيعي أن تضعف العلاقة الارتباطية بين مصر والجامعة.

 

لذا يمكن القول إن نقل مقر الجامعة من القاهرة إلى تونس كان هو البداية الحقيقية لموت جامعة الدول العربية إكلينيكياً بالتوازي مع انكماش دور مصر الإقليمي. صحيح أن الجامعة العربية ظلت باقية على قيد الحياة ثم عادت مرة أخرى إلى مقرها الدائم في القاهرة بعد عشر سنوات من الغياب، لكن روحها لم تعد معها وإن بقيت منذ ذلك التاريخ في حال موت سريري من دون أن تتمكن من اتخاذ ما تتطلبه المواقف من قرارات لمعالجة القضايا العربية الملحة بعيدا من التأثير الأميركي والإسرائيلي.

 

يعتقد البعض أنه لم يكن للجامعة العربية في أي وقت من الأوقات أي تأثير حقيقي على الواقع العربي، بما في ذلك على القضية الفلسطينية نفسها، حتى عندما كانت مصر تمارس قيادتها الفعلية للنظام العربي. غير أنه ليس لوجهة النظر هذه ما يبررها، فقد مارست الجامعة العربية في الواقع أدوارا شديدة الأهمية والتأثير على مسار القضية الفلسطينية منذ نشأتها، بصرف النظر عن تقييمنا السلبي أو الإيجابي لهذه الأدوار.

 

ويكفي أن نذكّر هنا بالحقائق التالية: 1- أن أول قمة عربية، والتي عقدت في أنشاص عام 1946 أي بعد عام واحد من إنشاء الجامعة، خصصت مداولاتها بالكامل لمناقشة تطور الأوضاع في فلسطين ومهدت لمشاركة عربية جماعية في حرب 1948. 2- أن القمم العربية المنتظمة التي جرت محاولة لعقدها دورياً اعتباراً من عام 1964 وضعت خططاً للتصدي للمحاولات الإسرائيلية الرامية لتحويل مجرى نهر الأردن 3- أن الدعم الذي تقرر في قمة الخرطوم هو الذي مكّن دول المواجهة العربية من الصمود بعد هزيمة 1967 وساهم, من ثم في صنع نصر تشرين الأول (أكتوبر) عام 1973 والذي كان آخر مناسبة تجلى فيها التضامن العربي على أعلى وأرقى صوره.

 

ولا جدال في أن خروج مصر من معادلة الصراع مع إسرائيل أربك كل الموازين العربية ومهد الطريق لانخراط العراق في حرب طويلة الأمد مع إيران ثم لغزو الكويت الذي أدى بدوره إلى خروج دول مجلس التعاون الخليجي فعليا من الصراع مع إسرائيل، حتى ولو لم تبرم اتفاق سلام معها، ومهد ذلك الطريق لغزو أميركي للعراق أفضى في نهاية المطاف ليس فقط إلى خروج العراق بدوره من الصراع مع إسرائيل وإنما إلى تدمير هذا البلد العربي الكبير وخروجه من التاريخ.

 

وهكذا ظل مسلسل انفراط العقد العربي مستمرا إلى أن وصلنا إلى المشهد الراهن، والذي يبدو فيه النظام العربي الرسمي شريكا في حصار ظالم فُرض على غزة وأفسح الطريق لآلة القتل الإسرائيلية على النحو الذي نراه الآن!

 

لكن دعونا الآن نفحص الوجه الآخر لصورة النظام العربي في تلك المواجهة المستمرة والمحتومة مع إسرائيل كي يصبح بوسعنا رصد وجهة هذا النظام في المرحلة المقبلة. فقبل أن تبدأ «عملية السلام» التي أعقبت حرب أكتوبر، ووصلت ذروتها بإبرام مصر لمعاهدة سلام منفردة مع إسرائيل ثم تبعتها منظمة التحرير الفلسطينية والأردن، كان النظام الرسمي العربي خاض أربع حروب في 1948 و1956 و 1967 و 1973، إضافة إلى حرب استنزاف بين عامي 1967 و 69، جاءت نتائجها إجمالا لصالح إسرائيل. ولأن هذه «العملية»، والتي بدأتها أطراف عربية رسمية بصورة عشوائية وغير منظمة، لم تضع حدا للحروب في المنطقة ولم تصنع سلاما حقيقيا في الوقت نفسه، فقد كان من الطبيعي أن ينتقل الصراع المسلح إلى جبهات أخرى، خصوصاً على الجبهتين اللبنانية والفلسطينية، وأن يدار بوسائل أخرى غير الحرب النظامية، هي مزيج من حرب العصابات والمقاومة الشعبية.

 

المذهل في الأمر أن نتائج المواجهة كانت راحت تميل بشكل واضح، وعلى عكس ما كان يتوقع أكثر المراقبين تفاؤلا، لغير صالح إسرائيل. فقد استطاع «حزب الله» أن يحقق انتصارين كبيرين، حين نجح في تحرير الجنوب اللبناني عام 2000 وفرض على إسرائيل الانسحاب منه من دون قيد أو شرط لأول مرة في تاريخ الصراع ثم حين صمد لمدة 33 يوما كاملة في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية عام 2006.

 

ومن المؤكد أن انتصار عام 2000 شجع ياسر عرفات على الصمود سياسيا في كامب ديفيد، وثبت في الوقت نفسه من عزيمة الفصائل الفلسطينية المسلحة داخل الأرض المحتلة. صحيح أن عرفات دفع حياته ثمنا لهذا الصمود ولم تشفع له كل التنازلات التي سبق له أن قدمها لإسرائيل إظهارا لحسن النية! إلا أن صموده ورفضه التوقيع على إملاءات إسرائيلية فتحا الطريق من جديد أمام استمرار الكفاح المسلح. وها هي فصائل المقاومة الفلسطينية المسلحة بقيادة «حماس» تنجح، رغم الحصار والتجويع، في الصمود في وجه آلة القتل الإسرائيلية على نحو فاق أكثر التوقعات جنوحا. المثير للتأمل هنا أن المقاومة المسلحة، والتي حققت إنجازات كبيرة في مواجهة إسرائيل، لم تستطع أن تنمو وتترعرع إلا في ظل انهيار سلطة الدولة المركزية!

 

وأيا كان الأمر فمن الواضح أن تحولات النظام العربي على مدى السنوات الطوال الماضية لم تقصر على فشل النظام الرسمي في تحقيق إنجازات تذكر سواء على صعيد التسوية السياسية أو على صعيد المواجهة العسكرية مع إسرائيل، وعلى نجاح المقاومة الشعبية في تحقيق إنجازات عسكرية يعتد بها في المقابل. فإلى جانب ذلك توجد عوامل آخرى لا تقل أهمية منها:

 

1- تراجع دور ونفوذ دول القلب في النظام الرسمي العربي مقابل صعود الدور الذي تلعبه بعض الدول الهامشية فيه! 2- انكماش الدور الاقليمي للدول العربية الرئيسية مقابل تزايد الدور الإقليمي لدول الجوار الجغرافي، خصوصا إسرائيل وإيران وتركيا وحتى إثيوبيا!.

 

غير أن أخطر وأهم تحولات النظام العربي، في تقديري، هي تلك التي لم تتم بعد ولا تزال في طور التكوين وأعتقد أنها ستخرج إن آجلا أو عاجلا من رحم العدوان الوحشي الراهن على غزة. فإسرائيل لم ترتكب فقط خطأ استراتيجيا قاتلا يصل إلى حد الخطيئة، بإقدامها على شن هذه الحرب البربرية على غزة، وإنما سعت عن عمد لتوريط النظام الرسمي العربي.

 

فمن الواضح أن الشعوب العربية لم تقتنع على الإطلاق بأن تشدد «حماس» هو السبب في اندلاع الأزمة، وترى في سلوك إسرائيل الوحشي والإجرامي أكبر دليل على استحالة العيش في سلام مع دولة من هذا النوع في المنطقة، كما ترى في إصرارها على احتكار السلاح النووي أكبر دليل على أنها لا تستهدف ردع الفلسطينيين وحدهم وإنما ردع كل من يتجرأ على أن يقول لها أو للولايات المتحدة «لا».

 

ولأن إسرائيل هي التي تسببت الآن في وضع الجميع في مأزق لا فكاك منه، فالأرجح أن تخرج «حماس» والمقاومة المسلحة من هذا العدوان أقوى وأصلب عودا. فإعادة احتلال القطاع من شأنها أن تضع الجيش الإسرائيلي في مرمى نيران المقاومة بالأسلحة الصغيرة حتى لو توقفت الصواريخ، واختطاف القيادات السياسية لـ «حماس»، في عمل هوليوودي قد تلجأ إليه إسرائيل، لن يؤدي إلى إسقاط حكومة «حماس» حتى ولو كان اسماعيل هنية نفسه من بين المختطفين، وأي محاولة لتمكين قيادات «فتح» وأجهزتها الأمنية من العودة إلى قطاع غزة على أسنّة الرماح الإسرائيلية لتولي المهمات الأمنية لن يكتب لها النجاح والأرجح أن تنهي ما تبقى للسلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية من هيبة أو كرامة.

 

الأهم من ذلك كله أن الفجوة بين الأنظمة الرسمية والشعوب ستتسع كثيرا وعلى نحو غير مسبوق في سياق هذه الأزمة، وربما لا يكون في وسع تلك الأنظمة أن تستعيد بعضا من هيبتها وكرامتها إلا بعد مرور فترة طويلة من الزمن لا يعلم إلا الله ما الذي يمكن أن يحدث للمنطقة خلالها.

 

أدرك أن في مطابخ صنع القرار في العالم العربي «خبراء» كثيرين يزينون لحكامهم بعض ما يفعلون وسيحدثونهم كثيرا عن قصر ذاكرة الشعوب التي سرعان ما ستنسى ما حدث، وربما يذكرونهم بما جرى ويجري للبنان منذ حرب صيف 2006 وبقدرتهم على أن يحصلوا بالسياسة وبمساعدة حلفائهم على بعض ما عجز سلاحهم عن تحقيقه. غير أنني أرى فارقا كبيرا بين حالتي لبنان وغزة، ولذلك أعتقد أن ما يجري الآن في غزة هو بمثابة إرهاصات كبيرة لتغييرات كبيرة وربما هائلة في الطريق، وأظن أنه لن يمضي وقت طويل قبل أن يحس الجميع بهبوب رياحها الساخنة!

"الحياة" 

انشر عبر