شريط الأخبار

غزة... مأزق الأمة العربية ..رضوان السيد

12:12 - 04 تموز / يناير 2009

ـ الاتحاد الإماراتية 4/1/2009

تتجه أحداث غزة المأساوية للمزيد من القتل والدمار، وزعماء "حكومة الحرب" الإسرائيلية يجتمعون كل يوم أو يومين، ويتبارون في الإنذار والتصعيد. ويبلغ من سخرية تسيبي ليفني السوداء -هي التي افتتحت الهجوم بالقول إنّ سيطرة "حماس" على غزة ما عادت مقبولة- أن تزعُم الآن أنّ الحرب الإسرائيلية على "حماس"، تخدم الفلسطينيين لأنها تُزيلُ العقبات أمام التسوية وإقامة الدولة، وتخدم العرب المعتدلين لأنها تكافحُ التنظيمات المسلَّحة التي تريد السيطرة على الإسلام ونشر الفوضى في الدول العربية! وكما في مثل هذه الحالات، لا يتجه الخطابُ الإعلامي والسياسي العربي في الفضائيات، إلى المراجعة وفهم ما يجري عندنا ومن حولنا؛ بل يظلُّ الأَمْرُ متركّزاً حول إحراج مصر ونظامها السياسي، واعتباره مسؤولاً عما يجري بغزة! وكعب أخيل -إذا صحَّ التعبير- في نظر الهائجين بمناسبة غزة، هو "معبر رفح"، وكيف لا يكونُ مفتوحاً، ليس لحاجات البشر الإنسانية وحسْب، بل ولدخول السلاح أيضاً! ولا تُفيدُ المُجادلة في هذا الشأن، من مثل القول إنه حتى لو كان معبر رفح مفتوحاً على مصراعيه، فستكونُ له نتيجتان: دخول الغذاء والدواء باتجاه غزّة، وخروج عشرات ألوف الناس الحيارى باتّجاه مصر! وهذا لا يؤثّر في شدّة القصف الإسرائيلي، ولا يُوقِفُ الهجوم، ويفتح مشكلةً جديدةً تتوخّاها إسرائيل بين المصريين والفلسطينيين. فالحلُّ الآني لمأساة غزة يتمثّل في وقْف الهجوم الإسرائيلي عليها، وتقديم المساعدات الإنسانية لسكّانها؛ أمّا الحلُّ الدائم فدونه عقباتٌ أهمُّها: إزالةُ الانقسام الفلسطيني، وإعادة توحيد الضفة والقطاع، وإعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني بما يؤدي بعد وحدة الفلسطينيين إلى توحُّد العرب من ورائهم.

وَلْنَعُدْ إلى جوهر المشكلة، قبل اندلاع الصراع الأخير. فقد كانت هناك ثلاث قضايا: الانقسام الفلسطيني من جهة، وقد اتخذ شكلين: الصراع على السلطة بين "فتح" و"حماس"، وانتماء الطرفين، أحدهما للمحيط العربي والدولي، والآخَر لإيران وتحالفاتها في المنطقة. أما المشكلةُ الأُخرى فتتمثّل في الصراع المتعدد الأشكال بين الأنظمة والإسلاميين، ودعم الإسلاميين لحركة "حماس"، ودعم الأنظمة بدرجةٍ أو بأُخرى للسلطة الفلسطينية. والمشكلة الثالثة: التوتُّرُ بين العرب الكبار وعلى رأسهم مصر والسعودية من جهة، والنظام السوري من جهةٍ أُخرى، وفي الوقت الذي اندفعتْ فيه سوريا باتجاه تركيا وفرنسا (مدعومةً من دولة قطر) باتّجاه التفاوُض مع إسرائيل لاستعادة الجولان.

وعلى مشارف ولاية الرئيس الأميركي المنتَخَب باراك أوباما، وفي أسابيع الفراغ والانتظار، تفجّرت المشكلات الثلات سالفة الذكر، بالصورة التي نشهدُها: فـ"حماسُ" والتنظيماتُ المتحالفةُ معها بغزّة، ومن ورائها الإسلاميون في مصر والأُردن، أعلنت مع نهاية فترة التهدئة (التي تفاوضتْ عليها مصر معهم ومع إسرائيل قبل ستة أشهُر)، أنها لا تريد تجديدها أو تمديدها لأنّ الإسرائيليين ما أسقطوا الحصار عن غزة، ولا التزموا التزاماً كاملاً بالتهدئة من قبل. وقد بدأت "حماس" فعلا بإطلاق الصواريخ. وسارع الإسرائيليون (الذين كان شهران قد انقضيا عليهم وهم يقولون بالتسوية الشاملة، ولا ينسون حتّى ذكْر مبادرة السلام العربية!) إلى التهديد بالهجوم على غزة إن لم تتوقف الصواريخ. وبدأَ الهجومُ الإسرائيلي بالفعل قبل أُسبوع، وبرزت خلالَهُ ظاهرتان رئيسيتان: سقوط أكثر من أربعمائة قتيل، وأكثر من ألفَي جريح بغزّة، وانصباب السُخْط الإعلامي لـ"حماس" وأنصارها، ومن الفضائية المعروفة، على مصر ونظامِها بحجة إقفال معبر رَفَح كما سبق القول. وبغضّ النظر عن أسباب مصر للفتح الجزئي وليس الكامل لمعبر رَفَح؛ فهذا ليس له علاقةٌ لا بإنهاء "حماس" للتهدئة، ولا بالهجوم الإسرائيلي على غزّة. وبالنظر للقدُرات المتواضعة عسكرياً والتي أظهرتْها "حماس" حتى الآن؛ فلا شكَّ أنها وهي التي تعرفُ قُدُراتِها أكثر من الجميع، في الهجوم والدفاع- ما كانت لتقومَ بهذه المُغامرة لولا الدفع الإيراني. وبالنظر للحملة الإعلامية الإيرانية على مصر والتي بدأتْ قبل شهرين؛ فإنّ لتحرُّش "حماس" بإسرائيل ثلاثة أهداف إيرانية: إظهار عجز النظام العربي عن حماية الفلسطينيين، وإظهار عبثية المسار السلمي الذي يسيرون فيه من جهة- ومنع سوريا من الاستمرار في التفاوُض مع إسرائيل؛ وبخاصةٍ بعد أن أعلن الرئيس الأسد عن إمكان البدء بالتفاوُض المُباشِر- وأخيراً إبراز إيران لنفسِها كلاعب قوي على الساحة الشرق أَوسطيّة، وتُريدُ استخدامَ هذه الأوراق عندما يبدأُ التفاوُضُ مع إدارة أُوباما في ربيع عام 2009.

تحرُّش "حماس" بإسرائيل له ثلاثة أهداف إيرانية: إظهار عجز النظام العربي، وإظهار عبثية المسار السلمي، وأخيراً إبراز إيران نفسها كلاعب قوي!

وقُد كنتُ أرى حتى الآن (السبت/3/يناير/2009) أنه إذا كانت هذه هي الأهدافُ الإيرانية من وراء الضحايا في غزّة ؛ فإنّها قد تحقّقت، وساعدتْها في ذلك الوحشيةُ الإسرائيليةُ ضدَّ المدنيين هناك. فقد بدا المصريون مرتبكين، وبدا العربُ ساخطين، لكنهم لا يدرون ماذا يفعلون لإيقاف الضربات. وقد لجأوا لمجلس الأمن الذي لن ينعقدَ لاتخاذ قرار قبل يوم 5 أو 6 يناير الجاري. أما الجمهور العربي، وبخاصةٍ الشرائحُ الإسلاميةُ منه، فهي شديدة السُخْط على الأنظمة العربية، وبخاصةٍ على النظام المصري، ودائماً بحجة معبر رَفَح. ويُضافُ لذلك أنّ الرئيسين التركي والسوري قد أعلنا عن إيقاف التفاوُض بالواسطة مع إسرائيل. بل إنّ الرئيس السوري قال للسيناتور الأميركي الصهيوني "سبكْتَر"، إنه يدعم "حماس"، ويدعو مصر لفتح المعابر مع غزّة! وهكذا فقد بلغ من هَول تضامُن النظام السوري مع النضال الفلسطيني، أنه عاد لخطاب المقاومة الذي كان قد بلغ به الذروة في حرب عام 2006، وبلغ به القاع في مطلع عام 2008! وكما سبق القول فإنه بحسَب هذا التقدير، عادت إيران للإمساك بأوراق مهمة؛ في المرة الماضية عبر تحرش "حزب الله" بإسرائيل، وفي هذه المرة من خلال الضحايا الفلسطينيين بغزّة. وبذلك فقد استبعدْتُ أن تُوسِّع إيران الجبهة الآن من خلال زَجِّ "حزب الله" في المعركة عن طريق الصواريخ ضد إسرائيل ،وربّما تفعلُ ذلك إذا عادت سوريا للحديث عن التفاوُض عندما يأتي إليها الرئيس الفرنسي بعد أُسبوع!

لكنني سمعْتُ عشية الجمعة(2 يناير 2009) وزير الخارجية الإيراني متكي يقول في مؤتمرٍ صحفي إنه إذا قامت إسرائيل بهجوم برّي على غزّة؛ فذلك سيكونُ نهايتَها، أي نهاية إسرائيل! هل بالهجوم الإيراني المباشر، أم بهجوم "حزب الله"؟ هذا ما لم يَقُلْهُ متّكي. ونحن نعلمُ أنه منذ يوم الخميس 1 يناير 2009 أوقف الدوليون التهديدات الإسرائيلية بالهجوم البرّي الذي لم يحدثْ بالفعل يوم الجمعة، كما كان الإسرائيليون يُهدّدون! إنما الآن: كيف ينبغي فهم التهديد الإيراني؟ هل هو للاستهلاك الإعلامي، مَضياًّ مع عادات الأسابيع الماضية، للاستمرار في الإمساك برؤوس وقلوب الجمهور العربي؟ أم أنّ الصهاينة المهتمين أيضاً هذه المرة باستدراج "حزب الله" لضربه، كما استدرجهم عام 2006، سوف يستغلون هذا التهويل فيتقدمون باتجاه غزّة، تحدّياً لإيران و"حزب بالله"، وتكون النتيجة امتداد الحرب باتجاه لبنان هذه المرة أيضاً، أو إلى ما هو أَوسع في الساحة الإقليمية؟

لقد ظهرت "حماس" متحرّشةً بالفعل. لكنّ صواريخها الكليلة لا تقتضي هذه المذبحة من جانب إسرائيل، تماماً كما فعلت في حرب لبنان عام 2006، وعام 1996، وعام 1999... إلخ. والذي يريد التسوية بالفعل، لا يرتكبُ هذه الجرائم على مشارفها. وإذا كانت إيران قد أظهرت انعداماً في المسؤولية، واستغراقاً في الديماغوجيات الثورانية التي عُرف بها عهد الرئيس نجاد؛ فإنّ النظامَ العربيَّ قد أظهر أنه غير مهيأٍ لتحمُّل أعباء التسوية وتكاليفها، فضلاً بالطبع عن أعباء الحرب. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

 

 


انشر عبر