شريط الأخبار

يا أبا مازن الضفة ... الضفة ..أ.د. إياد البرغوثي

06:31 - 26 حزيران / ديسمبر 2008

كان قرار المحكمة الإسرائيلية بإخلاء بيت الرجبي في الخليل من محتليه المستوطنين بمثابة الشرارة التي أعلن فيها عن بدء المرحلة الأكثر حسما في الدور الذي أنيط بالحركة الاستيطانية اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.

 

بعد صدور ذلك القرار هاجم المستوطنون السكان الفلسطينيين في الخليل، وحرقوا بيوتهم، واعتدوا على ممتلكاتهم، وفي بعض الأحيان هددوا حياتهم بإطلاق النار المباشر.

 

إن النظر إلى نشاط المستوطنين هذا على انه حادث منعزل هو مسالة برأيي في منتهى السذاجة. فلم يحدث ذلك في الخليل فقط حيث البيت الذي حكمت المحكمة بإخلائه لصالح أصحابه الفلسطينيين، بل قطع المستوطنون الطرق في كافة أنحاء الضفة الغربية، واعتدوا على المواطنين في كافة المناطق خاصة في منطقة نابلس، واستمر ذلك الوضع لأيام، بمعنى أن رد فعل المستوطنين لم يكن أنيا ولا عفويا على حادثة منعزلة.

 

على اثر ذلك اشتكت السلطة الفلسطينية لمجلس الأمن الذي أدان الأحداث شفويا، وأشاد بجهود القوات الإسرائيلية والفلسطينية في التعامل مع المستوطنين، ومن ناحيته أشاد مندوب فلسطين بالقرار معتبرا إياه خطوة الاتجاه الصحيح.

 

اخطر ما في هذا القرار هو انه قد يشكل مقدمة لقرارات لاحقة تشكل فيها الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية طرفا في مقابل طرف آخر، هو المستوطنون هذه المرة، وقد يكون أي احد في المرات القادمة.

 

تجري حركة المستوطنين هذه في ظل أوضاع إسرائيلية وفلسطينية وعالمية تجعل منها حركة في غاية الخطورة، فالهدف الإسرائيلي من الاستيطان تطور في أهدافه خلال الأربعين سنة الماضية.

 

فلقد ابتدأ الاستيطان لإغراض أمنية؛ حيث تتعامل الإستراتجية الإسرائيلية مع الاستيطان على انه رأس الحربة فيما يسمونه الدفاع عن إسرائيل من خطر الوسط العربي الذي تعيش فيه.

 

ثم تطور ليصبح هدفه الأساسي الاستيلاء على الأرض تحقيقا للهدف الصهيوني الأساسي في احتلال الأراضي العربية وتطهيرها من سكانها بهدف إحلال اليهود مكانهم.

 

والآن بالحركة الأخيرة التي قام بها المستوطنون في الخليل جنوبا حتى شمال الضفة انتقل المستوطنون إلى هدفهم الثالث والأخير، والذي يمثل ذروة الأهداف التي قامت من اجلها حركة الاستيطان الصهيوني وهو طرد الفلسطينيين وتهجيرهم خارج الأراضي الفلسطينية ما أمكن، أو تجميعهم في كانتونات متفرقة يمكن السيطرة عليها بسهولة، حيث تنتهي الإمكانية العملية لخلق أي كيان فلسطيني مستقلا.

 

يمكننا القول أن حركة المستوطنين الأخيرة والمستمرة، وردود الفعل الإسرائيلية والفلسطينية والأممية ممثلة بمجلس الأمن على تلك الحركة، إنما تمثل الجزء الأخير والأوضح في عملية طرد الفلسطينيين خارج وطنهم بالأساس، وتشتيتهم، وإنهاء المشروع الوطني الفلسطيني برمته، إن تلك الحركة هي البدء بالنكبة الفلسطينية الثانية.

 

باعتقادي إن السيناريو الذي جرى عام 1948 فيما يتعلق بالجزء الذي احتلته وقامت عليه إسرائيل من فلسطين التاريخية يجري تكراره في الضفة الغربية.

 

ففي عام 1948 قامت القوات الصهيونية المنضوية تحت تنظيمات مختلفة بطرد معظم السكان الفلسطينيين من مدنهم وقراهم وتدمير معظمها.

 

أما الجزء الذي بقي من السكان في داخل المنطقة التي أصبحت تسمى إسرائيل فيما بعد فقد جرى دفع معظمه باتجاه مدينة الناصرة التي تقرر أن تكون المدينة العربية الوحيدة داخل إسرائيل في حين تم تهويد المدن الأخرى مثل حيفا ويافا وعكا وبئر السبع وغيرها من المدن.

 

هذا ما يجري عمله في الضفة الغربية الآن وان كان بهدوء اكبر وبنفس أطوال، حيث أن إسرائيل ليست في عجلة من أمرها. إن الحواجز التي يقيمها الإسرائيليون والتي تجعل التنقل بين مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية في منتهى الصعوبة، إضافة إلى القمع الكبير والشدة التي يعامل فيها الإسرائيليون سكان شمال الضفة (نابلس، جنين) وجنوبها (الخليل)، والضغط الاقتصادي على سكان هذه المناطق، وتحركات المستوطنين داخل هذه المدن بوضوح في الخليل، او ما يجري من حين لأخر فيما يتعلق بقبر يوسف في نابلس. كل ذلك يشير إلى رغبة الإسرائيليين في إخراج السكان الفلسطينيين من تلك المناطق.

 

وإذا ما أضفنا إلى ما يقوم به الإسرائيليون، حكومة ومستوطنين، ما تقوم به السلطة الفلسطينية من جعل رام الله عاصمة الأمر الواقع، وتمركز الدوائر الرسمية والوظائف بمختلف أشكالها بها، وانتقال عشرات الآلاف من مختلف مناطق الضفة الغربية الأخرى إليها جعل سكانها يتضاعف من عشرين ألفا قبل مجيء السلطة إلى أكثر من مئتي ألف الآن، كل ذلك سيجعل منها، أي رام الله "ناصرة" الضفة، أي المدينة الفلسطينية الوحيدة في الضفة، أو"مكبا" للزائدين عن الحاجة الإسرائيلية ولم تسنح الظروف لإرسالهم إلى الخارج كليا.

 

أما المدن الأخرى كالخليل ونابلس فيسعى الإسرائيليون إلى جعلها مدن مختلطة في أحسن الاحوال، كحيفا وعكا، بأغلبية يهودية وأقلية فلسطينية، هذا إضافة إلى ما يجري في القدس من تهويد مستمر، والحجة في ذلك انه إذا لم يكن هناك مبرر للحديث عن الحق التاريخي لليهود في القدس والخليل ونابلس، فكيف سيكون مبررا تواجدهم في حيفا ويافا حيث لا تاريخ لليهود هناك.

 

إن السياسة المتبعة للسلطة والتي تمركز في رام الله كافة مقومات العمل تصب عمليا في السيناريو الإسرائيلي الذي سيجعلها، وعمليا جعلها، مكانا لاستقبال مئات الآلاف الفلسطينيين من المناطق الأخرى لتخلو تلك المناطق للمستوطنين الذين باشروا في القيام بمهماتهم الأخيرة مؤخرا، وهي عملية الترانسفير التي لن يقبل المستوطنون بأقل منها. فالذي يجري إسرائيليا وفلسطينيا رسميا الآن (ليس بالضرورة بالاتفاق)، هو جعل رام الله منطقة جذب للفلسطينيين من المناطق الأخرى في الضفة، فلسطينيا من حيث وجود الأعمال والدوائر الرسمية وإسرائيليا من حيث جعل رام الله منطقة VIP لسكانها امتيازات أو على الأقل ليست عليها التبعات التي تفرض على المناطق الأخرى.

 

والذي يجري فلسطينيا أيضا ويصب في نفس الاتجاه، استمرار الانقسام بين الضفة وغزة، واستمرار حصار غزة إسرائيليا وعربيا وعالميا.

 

وتركيز الإعلام والانظار إلى ما يجري في غزة سهَل للإسرائيليين تنفيذ سياستهم الهادفة إلى ابتلاع الضفة وتفريغها من الفلسطينيين.

 

ليكن واضحا انه عندما تحاصر غزة تسلب الضفة، وعندما "يغدق" على الضفة "تُضرب" غزة. إن ما يجري في غزة هذه الأيام من حصار وتجويع واعتداء عسكري على أهميته، وعلى الرغم من كونه يمثل انتهاكا صارخا لأبسط قواعد حقوق الإنسان، إلا أنني اجزم أن الهدف الإسرائيلي هو الضفة وليس غزة. إن غزة هي الطعم الذي يشد أنظار الفلسطينيين والعرب والعالم من اجل أن تبتلع إسرائيل الضفة بأكبر قدر ممكن.

 

أما عالميا وبالتحديد أمريكيا فان الاعتقاد السائد إن الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة باراك اوباما ستكون أمام امتحان صعب ومستمر لإثبات أنها إدارة "بيضاء" تحافظ على المصالح الامريكيا التي تبرز أوضح تجلياتها من خلال الاستجابة للرغبات الإسرائيلية.

 

أننا أمام إدارة ليس أمامها - وهي مسكونة بعقدة النقص- إلا أن تثبت دائما أنها مع إسرائيل لتثبت أنها أمريكية حقيقية. إن الإدارة الجديدة ستكون الأقل قدرة على مقاومة رغبات إسرائيل في تاريخ أمريكيا.

 

وإذا ما أخذنا في الاعتبار أيضا الموقف الأوروبي الأخير الذي رفع درجة العلاقة بين التحاد الأوروبي وإسرائيل وكأنها ليست هي التي تحاصر غزة، وليست هي التي تشجع الاستيطان، وليست هي التي تحتل الأراضي الفلسطينية، وكذلك ليست هي التي قال عنها أغلبية الاوروبين أنها أكثر دولة مصدرا لعدم الاستقرار في العالم.

 

 

 

هذا الوضع سيسهل على إسرائيل القيام بأعمال عنيفة ضد الفلسطينيين سواء على شكل استمرار الحصار على غزة أو حتى شن عدوان عسكري عليها، أو على شكل القيام مباشرة أو من خلال المستوطنين بأعمال عنيفة ضد الفلسطينيين في الضفة تؤدي إلى تهجير جزء كبير منهم خارج الوطن وحصر الجزء الآخر في عاصمتهم البديلة "رام الله" او في كانتوناتهم المتبقية.

 

من المفترض أن السياسة الإسرائيلية، التي تستخدم أسلوب المناورة في التمويه على الهدف الحقيقي لها، باتت معروفة لدى الفلسطينيين، فالإسرائيليون سواء في الأمور العسكرية أو السياسية يظهرون اهتمامهم بأمر لكن اهتمامهم الحقيقي يكون في مكان آخر. وفي حالتنا هذه، هم يلفتون الأنظار إلى غزة من حيث إغلاق المعابر وفتحها والتركيز الإعلامي عليها وأحيانا القيام بعمليات عسكرية فيها لكن هدفهم الأساسي غير المعلن، لكن الواضح وضوح الشمس هو الاستيلاء على الضفة الغربية.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما المطلوب من السلطة الفلسطينية، وخاصة من الرئيس أبو مازن شخصيا، وكذلك من النخب الفلسطينية وبخاصة الأحزاب والحركات السياسية؟ وأريد أن اجتهد في الإجابة على هذه السؤال، مدركا صعوبته وواعيا للحدود التي يعمل بها هؤلاء، واقترح الآتي:

 

•الكف عن التعامل مع رام الله على أنها العاصمة الفلسطينية. فالعاصمة الفلسطينية (وحتى تحرر القدس) يجب أن تكون مرنة وديناميكية وغير مركزة، تنتقل من مكان لأخر حسب الحاجة، وحسب التهديد الاستيطاني الإسرائيلي، وتتخذ دوائرها الرسمية من كافة المدن وحتى القرى المهددة بالاستيطان في الضفة أماكن لها، وذلك حتى يتم تخفيف التركيز على رام الله والحد من الهجرة إليها. بإمكان الرئيس أبو مازن استقبال ضيوفه في الخليل وفي نابلس بل وحتى في الظاهرية أو بورين التي قصفها مستوطنو يتسهار بصاروخ "عبثي" وبإمكان رئيس الوزراء أن ينقل وزارة المالية إلى جنين او قلقيلية، أو حتى دير الغصون أو أية قرية في الضفة. هذا سيجعل تلك الأماكن أماكن جذب للسكان، أو على الأقل يحد من الهجرة منها.

 

•وضع قوانين وتشريعات وسياسات لتنمية كافة المناطق في الضفة (وغزة حيث امكن) وكذلك قوانين للحد من التدفق العشوائي وغير المدروس فلسطينيا (والمدروس إسرائيليا) إلى رام الله. ذلك التدفق الذي كما قلنا سوف يسهل على إسرائيل تطبيق سياستها في جعل رام الله الجيب الفلسطيني المدني الوحيد في الضفة.

 

•على السلطة الفلسطينية وحماس وكافة الأحزاب والحركات والنخب الفلسطينية إدراك أهمية إنهاء الانقسام الفلسطيني لما في ذلك من خطر على المشروع الوطني الفلسطيني برمته. فالانقسام يفتح الطريق أمام الإسرائيليين على مصرعيه لتحقيق أهدافهم في التخلص من الهم الديمغرافي الفلسطيني والسيطرة على الأرض الفلسطينية. إن نتيجة الانقسام لن تكون دولتين لشعب كما تروج النكتة الإسرائيلية بل لا دولة ولا شعب.

 

•هناك ضرورة لإعادة دراسة للسياسة الفلسطينية المتبعة تجاه الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الأوروبي.

 

ومع إدراكنا التام للدور الذي تقوم به هذه الدول فيما يتعلق بالدعم الاقتصادي للسلطة الفلسطينية، إلا أنها سياسيا انتقلت من دعم إسرائيل كدولة إلى دعمها كاحتلال، بالتالي باتت تؤيدها في كل السياسات التي تتخذها كسلطة احتلال وقد يصل ذلك في يوم ما إلى تأييد سياسة الترانسفير الاستيطانية للفلسطينيين.

 

إن قرار مجلس الأمن الأخير الذي أشاد بقوات الاحتلال، وقرار الاتحاد الأوروبي رفع مستوى العلاقات مع إسرائيل دون أدنى توازن باتجاه الفلسطينيين قد يكون مؤشرا على ذلك.

 

لم يعد يكفي للسياسة الفلسطينية أن تشيد بالايجابي في كل خطوة أوروبية لان مجموع السلبي اخذ يطف بوضوح على كل الايجابيات، بل آن الأوان لتكون هناك سياسة فلسطينية (وعربية أيضا) تجاه مجمل هذه المواقف.

 

في انتخابات الليكود الأخيرة لمرشحي الحزب للانتخابات الإسرائيلية القادمة فاز الأكثر تطرفا.

 

هؤلاء الذين من المتوقع أن يشكلوا الحكومة الإسرائيلية القادمة هم حلفاء الحركة الاستيطانية الإسرائيلية، بل هم زعماؤها. وهم الأكثر إيمانا بنقاء الدولة الإسرائيلية كدولة لليهود.

 

وهؤلاء معا، اليمين المتطرف الحاكم والمستوطنين هم الذين سيكونون أكثر وضوحا في استيلائهم على الضفة الغربية وفي طردهم للفلسطينيين.

 

كل ذلك يتطلب وقفة سريعة من السلطة الفلسطينية، وإلا فان الوقت الذي سنتحدث فيه عن النكبة الفلسطينية الثانية، وعن الاستيلاء الكامل على الضفة ليس ببعيد ... فيا سيادة الرئيس... الضفة... الضفة.

 

 

انشر عبر