شريط الأخبار

أين الوزير وأين الأمن .. يديعوت

03:01 - 26 حزيران / ديسمبر 2008

بقلم: ناحوم برنيع

يأس فظيع في الخارج، قلت لرئيس بلدية سديروت الجديد دافيد بوسكيلا. الالاف سيغادرون المدينة في الصيف وفقا للاجواء السائدة في الشارع.

بوسكيلا ارسل نحوي نظرة حزينة ومن ثم نظر الى النافذة، نحو مواقف سقوط صواريخ القسام، ونحو الاماكن التي ستسقط عليها الصواريخ لاحقا، هو بحث عن جواب ملائم بحيث لا يكون متباكيا، بروحية روح الدعابة السوداء التي هيمنت على الاحاديث الدائرة في المدينة. عندما لا تكون هناك حكومة ولا جيش ولا جدوى ، تصبح الدعابة اخر سلاح مضاد لصواريخ القسام.

"رئيس الشباك يقول ان بئر السبع في مدى الصواريخ"  قال بوسكيلا. "سديروت ايضا وكذلك كريات جات ونتيفوت وعسقلان. الى اين يرحل المواطنون الى كل هذه الاماكن. كلما ازداد مدى الصواريخ كلما اصبح سديروت اكثر جاذبية".

ماذا تقول عن باراك سألته؟

"قلت لباراك انت وزير الدفاع وقد كنت رئيسا لهيئة الاركان ورئيسا لشعبة الاستخبارات الرئيسية، فما الذي حدث لك؟".

حقا ما الذي يحدث لباراك؟ سألت بوسكيلا.

"هذه متلازمة تقرير فينوغراد"، قال بوسكيلا. "ليس هناك قائد عسكري يخرج  للمعركة وهو راض. ديمقراطية تضرب نفسها. هناك انتقادات اكثر من اللزوم. باراك مقبل على انتخابات بعد شهرين، وكل جندي سيقتل في غزة سيسجل على اسمه. حتى ان قام بعملية ناجحة، فالمجد قد يكفيه لاسبوعين بالكاد. بعد ذلك سيقومون باحصاء عدد الضحايا له".

يبدو لي ان بوسكيلا يتساهل جدا مع باراك. ما حدث له اكثر عمقا واكثر اثارة للقلق من تاثير تقرير فينوغراد الذي يبعث على الشلل. هو ورط اسرائيل في تهدئة مزيفة مسمومة، وبدلا من ان يعترف بخطأه ويبلور علاقاتنا مع غزة من جديد، ها هو يواصل الالتواء حول نفسه.

هو يعبر عن احباطاته من خلال الظهور المفرط امام وسائل الاعلام. كان لدينا سياسيون اكثر من الظهور، خصوصا في فترة الانتخابات. نتنياهو فعل ذلك في فترات معينة، تسيبي لفني تفعل ذلك في الاسابيع الاخيرة لم يدمن اي احد على مكبرات الصوت مثل باراك. يستخدم مقدرات الجيش ومروحياته وجنوده من اجل دعايته الانتخابية، ويقوم بجمع رؤساء السلطات المحلية في منطقة غلاف غزة من اجل لقاءات عدمية بينما يصرخ في الاخرين متهما اياهم بالثرثرة.

عندما يكثرون من الحديث يقعون في الاخطاء والحماقات. باراك قال في جلسة كتلة العمل البرلمانية في هذا الاسبوع "من شاهد الحروب بعينيه فقط هو الذي يستطيع (ان يقول ما الذي يتوجب فعله في غزة)". التجربة التاريخية، هنا وفي الدول الاخرى ايضا تشير الى عدم وجود تميز في مثل هذه القرارات لمن بنى سيرته في الجيش. من يعتقد ان العقل موجود كله في الرتب، اكثر ملائمة لطغمة الجنوب امريكية، وليس للديمقراطية في اسرائيل.

شاهدت في هذا الاسبوع في برنامج "بلاد رائعة" وشعرت بالاسف. ليس بسبب ظهوره هناك بالذات، وانما بسبب الزيف. عندما ظهر اوباما، او ماكين، او فايلين في برنامج " ستردي نايت" جلس طاقم من مؤلفي الدعابات المحترفين وأعد لهم مفاجئات ماحقة. باراك الجديد لا يمتلك وقتا للاستعداد لانه يسارع للمقابلة التالية. الامر الوحيد الذي يريده هو الانقضاض على مكبر الصوت.

الاحكام المفرط ليس ميزة دائما في ادارة الدولة. في بعض الاحيان تكون هناك حاجة للبساطة والتلقائية والعفوية الاساسية. لا يكفي ان تقول امام وسائل الاعلام ان الوضع لا يطاق لانه يستوجب القيام بخطوة ما، بل يتوجب ايضا ان تكون مؤمنا بذلك. ليس امن مواطني الجنوب وحدهم هو الموضوع على الطاولة، بل قدرة الردع الاسرائيلية. اولمرت وباراك واشكنازي يراقبون منذ عامين التطورات في غزة وكأنهم من الامم المتحدة. ان ضبطنا انفسنا، فربما يقوم المصريون بترتيب نوع من الهدوء لنا. وربما يجلب عاموس جلعاد وعدا سريا ما. هم خائفون من الفشل الى حد بعيد. وماذا سيقول مبارك وعبد الله وماذا سيقول اوباما. وفي هذه الاثناء يزداد مدى الصواريخ، وما يبدو مهمة بسيطة نسبيا، رخيصة الثمن آخذ في التعقيد.

هناك في جهاز الامن من يقترح وضع سجناء حماس في خيام في غلاف غزة، كدرع بشري لحماية السكان المدنيين. هذه الفكرة الفظيعة لم تمر حتى عند صدام حسين. وهناك افكار اخرى كلها محكمة، ومركبة، وعقيمة.

ببساطة، قال لي عضو الكنيست اسرائيل حسون في هذا الاسبوع، نائب رئيس الشباك سابقا، كان من الواجب تدمير مكاتب حماس المائة والثلاثين في غزة، وتحمل ردهم والاستمرار. ليس من المؤكد ان كان هذا هو الحل الملائم، ولكن في ظل حاجة العجز المطبقة التي تعاني منها الحكومة، يصعب عدم تذكر اشخاص من امثال رابين او شارون، عرفوا كيف يقررون من البطون.

حكاية بسيطة

في صبيحة احد الايام من هذا الاسبوع سافرت للحلاقة في سديروت. اين يمكن ان اقص شعري، سألت ساسون سارة، صاحب بقالة. انا استطيع ان اعرفك على حلاق راق، قال لي. لقد كان محقا.

يسمون هذا الحلاق شوبان. لا، هو ليس من اقارب الملحن.  اسمه الحقيقي هو شمعون بوسكيلا ولكنهم اطلقو عليه هذا اللقب منذ طفولته في سديروت، هو لا يذكر السبب، ولكنه اصبح شوبان منذ ذلك الحين.

صالونه يقع في المركز التجاري القديم، وعلى واجهته صورة كبيرة لفتاة قام تصميم برج على راسها على صورة صاروخ القسام، اسود الجسم ، ابيض الجناحين. الفتاة على جهة، والقسام على جهة اخرى: البرج الذي قام بتصميمه ما زال موجودا عنده.

الصالون مليء بالزبائن. شوبان رجل جميل الوجه بدرجة كبيرة، يقوم بتصفيف شعر فتاة ذات شعر طويل وهي بدروها تقوم بقراءة كتاب موجود بين يديها. مساعده يقوم بحلاقة رأس صبي يصر على ان تكون لديه صلعة من الجهة الامامية، وان يبقى شعره طويلا من الخلف. كل شيء يسير كالمعتاد في المكان وكأن صواريخ القسام ليست موجودة.

كيف تسير الامور، سالت شوبان وهو منغمس في قص شعر الفتاة.

"هذا يعتمد" قال لي. "عندما تكون هناك صواريخ قسام ياتي الجميع في الصباح. اما في المساء فتموت الحياة هنا. وعندما لا تكون هناك صواريخ قسام يأتيني الناس في المساء بعد انتهاء العمل".

هل توقف الزبائن عن الحضور اليك؟

"المحليون يواصلون القدوم كالمعتاد"، قال لي. "اما الزبائن الذين يأتون من كل ارجاء البلاد خصيصا لي فقد قل عددهم. انا أعرف الجميع في سديروت. ذات صباح دخل الي زبون وقد ادركت مباشرة انه ليس من المنطقة. اوقف سيارة المرسيدس امام الصالون وطلب مني ان احلق له شعره. من اين انت؟ سألته. انا من قيسارية. رد علي واردف: انا اعمل في المجوهرات، نهضت في الصباح وقلت لنفسي سأقضي صبيحة هذا اليوم في سديروت ولكن كما افعل في كل يوم. وهذا ما فعلته بالضبط: ملأت سيارتي بالوقود وغسلتها وجئت لأقص شعري. وبينما كنا نتبادل اطراف الحديث اتصلت زوجته وسألته اين انت. انا عند الحلاق في قيسارية. قال لها".

بالامس سقط صاروخ قسام واحد من 60، في باحة في مواجهة بلدية سديروت من خلف المركز التجاري القديم. لم اقس المسافة ولكن يبدو لي انني لست مخطئا، ان قلت ان الصاروخ سقط على مسافة 40 مترا من صالون شوبان. لحسن الحظ لم يصب اي احد باذى.

كفى للاحتلال

مطر خفيف وبارد تساقط بالامس ظهرا على السامرة. شبان حباد وضعوا شمعدانهم في منتصف مفترق مستوطنة شيلا. هم رسخوا انتصابه في الارض بواسطة صناديق موجودة لديهم لان الرياح كانت قوية. محمد عصفور 58 عاما مزارع من قرية سنجل، لف وجهه بكوفية فلسطينية حمراء. في الساعة الثامنة عشرة بالضبط وصل في سيارة تندر خضراء مركز المحميات الطبيعية، عامير الوني. الوني انزل من السيارة منشارا مع محرك بالوقود مع انه صدء في منطقة الوسط. عصفور امسك بالمقبض . المنشار بدأ يسعل لانه قديم وبعد ذلك صمت. عصفور جرب مرة اخرى، فبدأ المحرك يعمل ولكنه توقف فجأة. الوني اخرج وثيقة كان قد اعدها مسبقا وطلب من عصفور ان يوقع عليها. عصفور رفض. هو لن يسمح لليهود بان يخدعوه.

تاريخ هذا المنشار كان قد روي في الفقرة التي نشرت هنا ("وحدة خروب" الخاصة، 5/11/2005). خلاصة الحكاية هي ان في شهر كانون الاول 2006 قام مركز الامن في مستوطنة عيلي بضبط محمد عصفور وهو يقوم باجتثاث شجرة خروب في اطراف كرم الزيتون الذي يعود له. الخروب هو نبتة محمية. المركز استدعى شرطيا وقام بدوره باخذ شهادة مفصلة منه واعاد عصفور الى بيته. اما المنشار فقد بقي محجوزا لديه.

عصفور منذ ذلك الحين يخوض الكفاح لاستعادة منشاره. في البداية قالوا له انه غير موجود. بعد ذلك دعوه لمحكمة عسكرية: ارادوا تقديمه للمحاكمة لانه اعتدى على قيمة طبيعية. الحكاية كانت نموذجا كلاسيكيا لتفاهات الاحتلال وحماقاته: المستوطنون والفلسطينيون يقومون بافساد الطبيعة في الضفة كما يحلو لهم- يطلقون المجاري نحو السيول المائية، ويجتثون اشجار الزيتون التي لا تعود لهم، يبنون بيوتا بصورة مخالفة للقانون وبؤرا استيطانية، ويقومون بالقاء الفضلات فوق الجبال. ولكن من الذي القوا القبض عليه متلبسا في اخر المطاف؟ عصفور الختيار ومنشاره الصدء.

توجهت مع عصفور في ذلك الحين الى ارضه. هو ادعى انهم قد اجتثوا له 300 شجرة زيتون ولكن احدا لم يقل كلمة حول ذلك. شجرة الخروب كانت تشرب مياه اشجار الزيتون الجديدة التي زرعها ولذلك قرر اجتثاثها.

لماذا يسمح باجتثاث اشجار الزيتون اما الخروب فلا، سالت موتي شابي مفتش المحميات الطبيعية. "لان الزيتون ليس نبتة محمية" قال لي.

المنشار كان رهينة. "مثل هذا المنشار يساوي في سوق رام الله 200 شيكل"، قال لي شابي. "ان ادين في المحكمة فستكون هذه قيمة الغرامة ولذلك سنصادر المنشار لصالح الدولة".

جمعية "هناك قانون" تبنت قضية عصفور هذه. محامي الجمعية ميخائيل سفارت تداول مع السلطات طوال عامين الى ان اقنعهم باغلاق الملف وتعويض عصفور عن الازعاج واعادة منشاره اليه.

بالامس الاول عندما بدأ المطر يهطل، كان المكان الوحيد الذي يمكن الاختباء بظله هو الموقف الواقع عند مفترق شيلا. نشطاء جميعة "هناك قانون" جلسوا هناك قبالة الاعلانات التي علقها اليمين حول مسيرته الاحتجاجية في الخليل. سيارة امنية تابعة لاحدى المستوطنات، توقفت عند منتصف الشارع. جلس بها شخصان ملتحيان. هما لم يرتاحا للتجمهر. الوني توجه واوضح بهدوء. هما ارسلا نحو المجموعة نظرة قاسية ورحلا.

عصفور حاول تشغيل منشاره مرة اخرى لكن عبثا. "هو كان في مخزني مدة عامين" قال الوني. "هناك حاجة لتنظيفه".

توجهنا الى منزل عصفور في سنجل بعد ان رفض التوقيع على ورقة مفادها انه استلم منشاره سليما معافى. منزل عصفور في سنجل كبير من ثلاثة طوابق ومن حوله كرم زيتون . عصفور قال بعزيمة: "لقد حررنا الاراضي المحتلة" قالها مشيرا لمنشاره.

احد ابناء عصفور قدم لنا شاي حلو المذاق. في الساحة السفلية قام ابن اخر له بتفريغ المنشار من البنزين القديم ووضع فيه بنزينا جديدا. صوت قوي اخترق الصمت من حولنا عندما قام بتشغيل محرك المنشار. المنشار اخذ يعمل بانتظام وبصوت مرتفع بحيث كان من الممكن الوقوع في الخطأ والاعتقاد بانه منشار حديث. وجه عصفور تهلل فرحا. عصفور قال لي انه عنيد وانه يصر على استرجاع حاجاته ان اخذها احد منه حتى لو كان والده.

انشر عبر