شريط الأخبار

عام 2008: خط فاصل بين مرحلتين../ د.حسن نافعة*

11:55 - 24 تشرين أول / ديسمبر 2008

24/12/2008  08:21 

 

لم يكن عام 2008، والذي سيودعه العالم بعد أيام قليلة، عاديا في حساب السنين والأيام، وإنما نهاية لمرحلة وبداية لأخرى.

 

فقد شهد هذا العام أحداثا كثيرة مهمة جدا كان أبرزها انفجار أزمة مالية واقتصادية عالمية تعد الأسوأ في التاريخ منذ أزمة الكساد العظيم في نهاية العشرينات من القرن الماضي، وانتخاب رجل ملون من أصول إفريقية إسلامية رئيسا للولايات المتحدة وهو حدث لم يكن بوسع أحد على الإطلاق أن يتخيل وقوعه قبل عام واحد ولو في أكثر الأحلام جنوحاً. وهناك بالطبع علاقة واضحة بين الحدثين، ولكن ليس بالطريقة التي يظنها بعض الذين يعتقدون أن انفجار أزمة اقتصادية كبيرة على هذا النحو في مثل هذا التوقيت الحساس هو الذي حسم المعركة الانتخابية لصالح أوباما.

 

فالواقع أن مؤشرات فوز أوباما كانت واضحة تماما قبل الأزمة الاقتصادية والتي لم يكن انفجارها على هذا النحو سوى دليل إضافي واضح على سوء إدارة بوش. صحيح أن انفجار الأزمة، وفي هذا التوقيت بالذات، ساعد على زيادة أعداد الناخبين الذين حسموا ترددهم وأعطوا أصواتهم في النهاية لصالح أوباما، غير أن هذه الزيادة تفسر ارتفاع النسبة التي حصل عليها، سواء على مستوى الناخبين أو على مستوى المجمع الانتخابي، ولكنها لم تكن السبب الرئيسي في فوزه. فالشعب الأميركي كان يبحث عن مرشح يقود عملية تغيير شامل أصبح مقتنعا تماما بحتميتها وبدا مستعدا لتحمل تبعاتها حتى ولو كان المرشح الوحيد لقيادتها رجلا ملونا ومن أصول أفريقية مسلمة!. ولأنه لم يكن هناك مرشح سواه يرفع شعار التغيير الحقيقي، فقد تم التصويت له رغم لونه!.

 

فإذا أضفنا إلى عامل الداخل الأميركي عاملا دوليا خارجيا، بدا أكثر رغبة وشوقا واحتياجا لتغيير عميق في السياسات الأميركية على الصعد كافة، لا تضح لنا بشكل قاطع أن ظروفا موضوعية عميقة، وليس مجرد سمات أوباما الشخصية والكاريزمية، هي التي لعبت الدور الأكثر حسما في تحديد نتائج انتخابات الرئاسة الأميركية لهذا العام في ظل حالة من الحماس العالمي ليس لها نظير.

 

وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على نهاية مرحلة سقطت فيها سياسات تأكد ثبوت فشلها وعدم صلاحيتها لإدارة المرحلة الراهنة، والتطلع لمرحلة جديدة تبدو السياسات المطلوبة لها غير مكتملة المعالم حتى الآن.

 

وفي تقديري أن السياسات التي سقطت هي تلك التي تمحورت، داخليا، حول الاعتماد المفرط على آليات السوق وحدها، ما فتح الباب في الواقع أمام اختلال التوازنات الاقتصادية والاجتماعية بسبب ما تنطوي عليه هذه الآليات من انحياز سافر لصالح القلة الغنية على حساب الأغلبية الفقيرة، وخارجيا، حول إطلاق العنان لطموحات امبراطورية أميركية استهدفت التمكين، بوسائل مشروعة وغير مشرعة، لهيمنة الولايات المتحدة منفردة على العالم بدعوى رقي نظامها السياسي ونبل رسالتها الحضارية، ما فتح الباب أمام انهيار القانون الدولي وسيادة العنف.

 

وإذا صح هذا الاستنتاج، وأظن أنه صحيح، فمعنى ذلك أن المرحلة المقبلة ستتطلب بلورة سياسات داخلية وخارجية تقوم على:

 

1- تدخل الدولة في إدارة الاقتصاد على نحو يوازن بين اعتبارات الكفاءة الاقتصادية المطلوبة، بتجنب كل ما من شأنه الحد من قدرة القوى الأكثر حيوية على الانطلاق، واعتبارات العدالة الاجتماعية، بتوزيع عائد التنمية على منتجيها الحقيقيين.

 

2- نظام دولي متعدد الاقطاب يوازن بين الحاجة لمنظومة أمنية تلعب فيها الدول الكبرى دورا أكبر بحكم مسؤوليتها وقدرتها على توفير إمكانات فرض السلم، ولكن وفق قواعد وضوابط متفق عليها، والحاجة في الوقت نفسه لنظام ديموقراطي يضمن مشاركة الجميع في صنع القرار ويوفر آليات سياسية وقانونية للرقابة الفعالة على أداء مؤسسات النظام ككل.

 

لا يخالجني أي شك في أن طريق التغيير سيكون طويلا وشاقا وأنه سيقاوم، وبكل السبل والوسائل المتاحة المشروعة منها وغير المشروعة، من جانب القوى كافة المستفيدة من النظام القائم، والحريصة على المحافظة على مكاسبها ومواقعها وبالتالي الرافضة لقيام أي نظام بديل، سواء كانت هذه القوى داخل الولايات المتحدة أو خارجها.

 

وهنا يتعين التمييز بين ثلاث قوى رئيسية يتباين موقفها من قضية التغيير: فهناك قوى محددة ستدفع نحو التغيير لأن لها مصلحة أكيدة فيه، وهناك قوى أخرى ستقف بكل قوتها ضد التغيير لأن مصلحتها تتطلب الحفاظ على الأمر الواقع، وهناك قوى ثالثة ستقف وسط هؤلاء وهؤلاء لأنها، من ناحية، تدرك خطورة الاستمرار في السياسات نفسها التي أفضت إلى المأزق الراهن لكنها، من ناحية أخرى، تخشى عواقب اي تغيير جذري يمكن أن يحجم من طموحاتها وبالتالي قد يضر بمصالحها في النهاية. لذلك فستحاول هذه الأخيرة أن تساير التغيير شكلا، لكنها ستسعى من الناحية الفعلية لإجهاضه أو على الأقل للحد من قوة اندفاعه.

 

وبدأت هذه القوى «الوسيطة» أو «الوسطية» تتحرك بنشاط، خصوصاً داخل الولايات المتحدة، وانعكس هذا بوضوح تام على تركيبة الفريق الذي أعلن أوباما أنه اختاره وسيدخل معه إلى البيت الأبيض في 20 كانون الثاني (يناير) المقبل. غير أن ذلك لم يشكل مفاجأة حقيقية لأحد. فالتغيير، خصوصا عندما يتم التعبير عن الرغبة في إحداثه بوسائل ديموقراطية، يصعب أن يتم فجأة ومن الطبيعي أن يأخذ شكلا تدرجيا وهادئا. ولذلك يتوقع أن تكون المرحلة التي ستبدأ في 20 كانون الثاني (يناير) المقبل انتقالية بطبيعتها لإزالة ركام بناء قديم تصدع وانهار بالفعل وأصبح من المستحيل إعادة إنتاجه، وبناء جديد لم تتضح معالمه بعد وليس بوسع أحد أن يتصور عمق الفارق بينه وبين ما كان قائما من قبل. والسؤال: هل سينجح أوباما في إدارة تلك المرحلة الانتقالية على نحو يساعد أميركا والعالم على الشروع في تأسيس نظام جديد يحقق التغيير المطلوب بالطرق السلمية؟

 

في تقديري أن التغيير قادم لا محالة، ليس لأن أوباما يريده أو يطالب به ولكن لأن أوباما هو الأداة المتاحة في الظروف الحالية لتحقيقه بالطرق السلمية. ولأنه تستحيل العودة إلى السياسات ذاتها التي كانت متبعة قبل وصول أوباما إلى السلطة فإن إخفاقه في التأسيس لنظام أميركي، ومن ثم عالمي، جديد قادر على إزالة الاحتقان الراهن قد يمهد لانفجار كبير.

 

لست متأكدا مما إذا كان القادة والزعماء السياسيون في العالم العربي، أو حتى نخبه السياسية والفكرية والثقافية الأوسع، يدركون عمق وخطورة التحولات التي يمر بها النظام العالمي في المرحلة الراهنة وما تمثله من تحديات للعالم العربي أو تتيحه من فرص بالنسبة إلى إيران وتركيا وإسرائيل، والتي أصبحت هي القوى الرئيسية الثلاث في المنطقة، وتعرف بالضبط ما تريد كما تعرف في الوقت نفسه حدود ما تستطيع.

 

أما العالم العربي فكل الدلائل تشير إلى أنه لا يعرف لا ماذا يريد ولا ماذا يستطيع أن يفعل. فكل دولة عربية تفهم ما يجري من تحولات بطريقتها وربما يكون لديها رؤية خاصة حول ما تطلبه من أوباما في المرحلة المقبلة وكيف تسعى للحصول عليه، غير أنه لا توجد رؤية عربية مشتركة لطبيعة هذه التحولات أو حول طبيعة التغيير الذي يمكن أن تطلب من أوباما أن يدخله على السياسة الخارجية الأميركية ولا حتى ماذا تملك سواء لمساعدته على تحقيق ما تريده هي أو لعرقلة وإجهاض ما يخطط له الآخرون لإلحاق الأذى بها أو بالعرب جميعا. لكن الفرصة على أي حال لم تضع نهائيا بعد، وما زال هناك متسع لكثير يمكن إنقاذه.

 

ربما تكون المصادفة وحدها هي التي أدت إلى تحديد موعد انعقاد القمة الاقتصادية والاجتماعية العربية في الكويت في اليوم ذاته الذي سيبدأ فيه أوباما ممارسة مهامه كرئيس للولايات المتحدة الأميركية.

 

وانعقاد قمة عربية خاصة لمناقشة القضايا الاقتصادية والاجتماعية في ظل هذه الأزمة العالمية الطاحنة حدث كبير يتعين الاستفادة منه. فاللاعبون الكبار لا يرون في العالم العربي سوى بقرة حلوب مستباحة. والمطلوب من القادة العرب أن يثبتوا أن واجب البقرة توفير الحليب لشعوبهم قبل أي شيء آخر. وعلى أي حال فهذا موضوع مهم يستحق المتابعة في مقال آخر.

"الحياة" 

 

 

انشر عبر