شريط الأخبار

مصير التهدئة: انهيار شامل أم تصعيد تحت السيطرة؟ ..هاني المصري

01:03 - 23 حزيران / ديسمبر 2008

ـ الأيام الفلسطينية ـ 23/12/2008

السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا لم يتم الاتفاق على تمديد التهدئة رغم أن اسرائيل و"حماس" من مصلحتهما تمديدها؟ الجواب على هذا السؤال لا يمكن بدون رؤية أن الحكومة الإسرائيلية، لم تستطع أن تفرض إرادتها لأن اسرائيل عشية إجراء الانتخابات، وفي هذه المرحلة تسود فيها حمى المنافسة والمزايدة الانتخابية، التي وصلت الى حد ان العديد من الوزراء طالبوا بتنفيذ عمليات واسعة ضد غزة وانتقدوا سياسة وزير جيش الاحتلال الذي يلتزم بسياسة ضبط النفس، فإسرائيل لا تريد الآن تنفيذ عملية واسعة حاسمة ضد قطاع غزة:

أولا: لأن فصل الشتاء ليس الشهر المفضل عسكريا لذلك.

وثانيا: ولأن الحكومة الإسرائيلية انتقالية وتخشى من عواقب عدم نجاح العملية بسرعة على الانتخابات، وخاصة أن أي حسم لسلطة "حماس" في غزة، إذا كان ذلك ممكنا، بحاجة الى وقت والى إعادة احتلال لقطاع غزة وليس الى مجرد ضربات.

وثالثا: لأن أي عدوان عسكري كبير ضد قطاع غزة يمكن أن يؤدي الى توحيد الفلسطينيين في وقت يحقق فيه استمرار الانقسام مزايا ضخمة لإسرائيل لا يمكن أن تفرط فيها بسهولة.

لذلك المتوقع أن يبقى التصعيد الاسرائيلي تحت السيطرة إلا إذا استطاع صاروخ فلسطيني إصابة موقع استراتيجي أو إلحاق خسائر بشرية في صفوف الإسرائيليين.

إن اتفاق التهدئة الذي أبرمته اسرائيل مع "حماس" برعاية مصرية، كسر المعادلة لأنه أظهر الطرفين بشكل ندي وتضمن ربطا للتهدئة مع الحصار وفتح الحدود والمعابر، أرادت اسرائيل عبر اختراقاتها المتواصلة للتهدئة خصوصا منذ الرابع من شهر تشرين ثاني الماضي، فرض قواعد لعبة جديدة، واختارت لتحقيق ذلك توقيتا غير مناسب بالنسبة لحركة حماس.

فـ"حماس" وجدت نفسها في موقف حرج تماما. فهي من ناحية حققت إنجازا فئويا بالتوصل الى تهدئة أعطتها فرصة لفرض وتثبيت سلطتها في غزة، ولكنها من ناحية أخرى أحرجت تماما عندما وجدت أن اسرائيل لم تلتزم بمعظم بنود التهدئة، خصوصا فيما يتعلق برفع الحصار وفتح الحدود والمعابر مما أدى الى انتقادها من كافة الفصائل التي طالبت بعدم تمديد التهدئة، في وقت لم يبدأ الحوار، ولم تبادر مصر المستاءة من "حماس" لرفضها المشاركة في الحوار، الى تجديد جهودها لتمديد التهدئة.

إزاء ذلك كان على "حماس": إما أن تقبل بالشروط التي فرضتها اسرائيل "تهدئة مقابل تهدئة" وتمدد التهدئة من جانب واحد، حتى بدون اتفاق وتعرض نفسها للانتقاد السياسي والشعبي بما يمس بصورتها عن نفسها كفصيل مقاومة، واما أن تحاول تحسين شروط التهدئة عبر ربطها برفع الحصار وفتح الحدود والمعابر أو تدفع نحو انهيار التهدئة بشكل كلي، فاختارت الخيار الثاني، لأنه يحافظ على صورتها وسلطتها ولا يدفع نحو الانهيار التام للتهدئة.

إذاً "حماس" وإسرائيل، لا تدفعان الأمور نحو الانهيار الشامل، ولكنهما تحت ضغوط داخلية كبيرة قد تدفع الأمور الى ما ليس بالحسبان.

حتى نستكمل الإجابة على سؤال: لماذا لم يتم تمديد التهدئة وأصبحت الأمور الآن مفتوحة على كافة الاحتمالات، علينا أن ننظر لما حدث ويحدث في الضفة المحتلة. فقد أقرت خارطة الطريق الدولية في نيسان عام 2003 ولم يتم تطبيقها رغم أنها مبادرة أميركية حظيت بموافقة اللجنة الرباعية، وصدر قرار باعتمادها من مجلس الأمن، لأن اسرائيل لم توافق على تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية والفلسطينية بشكل متبادل ومتزامن، كما تنص الخارطة، وأصرت على مبدأ تنفيذ الالتزامات الفلسطينية أولا ثم تنظر اسرائيل بما تفعله بشأن التزاماتها، ولكن ليس من قبيل تنفيذ الالتزامات أو الاتفاقات أو تلبية حقوق وإنما من قبيل خطوات بناء الثقة التي تقررها الحكومة الإسرائيلية وحدها متى وكيف تشاء، على غرار دفعات الإفراج عن الأسرى التي قررتها وفقا للمعايير الإسرائيلية التي تميز بين المعتقلين لجهة انتمائهم الحزبي والسياسي ومحكومياتهم وأماكن سكناهم، ومن "أياديهم ملطخة بالدماء اليهودية ومن غير الملطخة."

وأمام إصرار الجانب الفلسطيني على التطبيق المتبادل والمتزامن للمرحلة الأولى من خارطة الطريق والرفض الاسرائيلي لهذا المطلب المنسجم تماما مع نص خارطة الطريق، تعطل تنفيذ الخارطة طوال أعوام 2003، 2004، 2005، والى منتصف عام 2006، عندما وقع الانقسام السياسي والجغرافي، واختارت السلطة الشروع من جانب واحد بتنفيذ الالتزامات الفلسطينية لأنها تعتقد أن ذلك يحقق مصلحة وطنية أولا، ويمكن أن يحرج اسرائيل ويعرضها الى ضغوط دولية تجبرها على تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية.

إلا أن الوقت يمضي، وإسرائيل لا تكتفي بعدم تنفيذ التزاماتها رغم مطالبتها بذلك في مؤتمر انابوليس واجتماعات اللجنة الرباعية الدولية، وفي قرار مجلس الأمن الأخير رقم 1850، بل تمضي في سياسة خلق الحقائق على الأرض من خلال توسيع الاستيطان ومواصلة العدوان والحصار والاعتقالات وتقطيع الأوصال وتعميق تهويد القدس وفصلها عن بقية الأراضي المحتلة عام 1967، بدون أن تواجه سوى من الانتقادات الفلسطينية والعربية والدولية المشفوعة بالتمنيات والطلبات التي لا تتجاوب معها الحكومة الإسرائيلية إلا بشكل محدود جدا من خلال خطوات بناء الثقة خصوصا في مجال إطلاق دفعات من الأسرى أمضى معظمهم غالبية محكومياتهم.

إن مراهنة السلطة على أن تنفيذ الالتزامات الفلسطينية أولا سيقنع اسرائيل بتنفيذ التزاماتها لم تنجح، وإنما وجدنا أن قوات الاحتلال تواصل العدوان العسكري بكل أشكاله بما في ذلك الاغتيالات والاعتقالات والاقتحامات اليومية لأراضي الضفة برمتها بصورة فرضت أمرا واقعا اليد العليا فيه وبكل ما يتعلق بالسيادة هو للاحتلال، أما السلطة فهي مسؤولة عن الخدمات وتوفير الأمن الداخلي وبما لا يتعارض مع الأهداف والمخططات والتحركات الميدانية الإسرائيلية، فعندما تقتحم القوات الإسرائيلية مدينة ما، على أفراد أجهزة الأمن الفلسطينية التواري عن الأنظار. وعندما يهاجم المستوطنون الممتلكات والمواطنين في الخليل ونابلس ورام الله وقلقيلية ما على السلطة سوى التنديد والمناشدة وانتظار هبوط رحمة ربنا.

في هذا السياق، نستطيع أن نفهم ما يجري في غزة، وما حدث بالنسبة للتهدئة، فإسرائيل تريد "تهدئة مقابل تهدئة" مع الاحتفاظ بحقها بالعدوان العسكري متى وكيفما أرادت دون أن يملك الفلسطينيون الحق بالرد. أما مسألة رفع الحصار وفتح الحدود والمعابر فهي ليست جزءا من الاتفاق حول التهدئة، وإنما تتعامل معها اسرائيل مثلما تعاملت مع قضية الإفراج عن الأسرى، أي خطوات بناء الثقة، تقررها اسرائيل وحدها وفقا لمعاييرها الخاصة.

إن الخروقات التي قامت بها القوات المحتلة الإسرائيلية للتهدئة من 19/6 ــ 19/12 وصلت الى حد سقوط 50 شهيدا نصفهم في الضفة والنصف الآخر في غزة وهذا ليس صدفة للدلالة على أن الوضع في الضفة ليس أفضل كثيرا من غزة، واسرائيل تستهدف تعميم تجربة الالتزام بخارطة الطريق من جانب واحد، التي طبقت في الضفة، على غزة بحيث يكون هناك التزام فلسطيني انفرادي دون التزام اسرائيلي مقابل.

ليس من الصدفة أن يتم تطبيق خارطة الطريق من الجانب الفلسطيني وحده في ظل الانقسام. وليس مستغربا، إذا استمر الانقسام، أن تكون اسرائيل قادرة على فرض خارطة طريق إسرائيلية مماثلة في غزة، فالانقسام أضعف الفلسطينيين جميعا وجعلهم عرضة للابتزاز الاسرائيلي بحيث أصبح هناك سباق بينهم على من القادر على التوصل الى حل أمني منقوص في الضفة وآخر في غزة!!


انشر عبر