ادخل كلمات البحث ...

^200 مثال: حكومة التوافق الفلسطيني

الأكثر رواجا Trending

قرار ترمب.. بداية النهاية للمشروع الأميركي الإسرائيلي بالمنطقة

  • فلسطين اليوم - وكالات
  • 11:24 - 11 ديسمبر 2017
ترامب ترامب
مشاركة

بقلم : مؤمن بسيسو

لا يدري الرئيس الأميركي دونالد ترمب وحلفاؤه أن قراره العنصري بحق القدس -الذي تأسس على هوان عربي ظاهر- يحمل وهْم الانتصار المزيف على إرادة وكرامة ومقدسات الأمة، وأن هذا القرار سيشكل بداية النهاية للمشروع الأميركي/الإسرائيلي في المنطقة بأسرها، القائم على العربدة والهيمنة والظلم والفجور وسفك الدماء.

هوان عربي

لم يجد ترمب ظروفا مثالية وأحوالا مواتية لتنفيذ قراره الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها، كما هي أحوال اليوم. في الماضي، وجد رؤساء الولايات المتحدة صعوبات جمة في تنفيذ قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس، الذي يعني تلقائيا نزع الحق الفلسطيني الخالد في المدينة وتسليمها بالكامل للهيمنة والسيطرة الإسرائيلية.

كان الثمن المنتصب أمام أعين هؤلاء الرؤساء مكلفا بشكل أو بآخر، وكانت التقديرات السياسية تنطلق من توازنات شاملة تحرص على سلامة المصالح الأميركية في المنطقة العربية والإسلامية، وتمنع من اجتراح خطوات متسرعة أو قرارات غير محسوبة تصب في الضدّ من مجرى تحقيق الأهداف والمقاصد الأميركية في المنطقة.

« ترمب -الذي يحمل أفكارا شاذة وطموحات لا متناهية، تفتقر إلى البعد الأخلاقي والإنساني والقانوني في نظرته الإنسانية ومواقفه السياسية- وجد في أحوال الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية ما يعينه على تحقيق مخططاته العنصرية في ظل دول أوروبية مهيضة الجناح، وغير قادرة على التصدي للدور الأميركي الجموح الذي يغزو العالم دون أي ضوابط أو محددات »

 

لكن ترمب -الذي يحمل أفكارا شاذة وطموحات لا متناهية، تفتقر إلى البعد الأخلاقي والإنساني والقانوني في نظرته الإنسانية ومواقفه السياسية- وجد في أحوال الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية ما يعينه على تحقيق مخططاته العنصرية في ظل دول أوروبية مهيضة الجناح، وغير قادرة على التصدي للدور الأميركي الجموح الذي يغزو العالم دون أي ضوابط أو محددات.

تأسس قرار ترمب بشأن القدس على استسلام سعودي كامل، وجد تجسيداته في مئات المليارات التي ذهبت هباء إلى الخزانة الأميركية إبان زيارة ترمب للسعودية قبل عدة أشهر، والهرولة السعودية الخطيرة نحو التطبيع مع إسرائيل، والانسجام السعودي عالي المستوى مع التوجهات والسياسات الأميركية في المنطقة.

وهو ما عبر عنه قبول السعودية بلعب دور رأس الحربة في تنفيذ المخطط الأميركي القديم الجديد الذي يستهدف إعادة تشكيل المشهد السياسي العام في المنطقة العربية، وإعادة تفكيك وتركيب بعض الأنظمة العربية وفق المقاسات الأميركية والإسرائيلية.

فوق ذلك، عاين ترمب بأم عينيه الهوان العربي الرسمي، وانشغال العديد من الدول العربية بصراعاتها الداخلية التي لعبت الإدارة الأميركية دورا بارزا في إشعالها، وانكفاء المواطن العربي على همومه المعيشية، وتجلت له أمارات الانكفاء العربي الرسمي عن نصرة الفلسطينيين وقضيتهم الوطنية، واستعداد العديد من الأنظمة العربية للقفز عن هذه القضية والارتماء في الحضن الإسرائيلي.

وليس بعيدا عن ذلك، غلبة روح الهيمنة والإقصاء والتدابر على الواقع الفلسطيني الداخلي في ظل انقسام كارثي مدمر تجاوز عقدا من الزمن، وأورث الشعب الفلسطيني -خاصة في قطاع غزة- آلاما غائرة ومعاناة لا توصف، وجعله يشعر بالغربة داخل وطنه المبتلى بالاحتلال والانقسام في آنٍ، وأضعف فاعليته الوطنية وحافزيته الداخلية في ظل أوضاع معيشية بائسة أفقدته أبسط مقومات العيش الكريم.

بل إنروح المصالحة والوحدة الفلسطينية -التي كان يُفترض أن تعمّ المشهد الفصائلي والشعبي العام- تسير ببطء وتمضي على استحياء، بعد صحوة فصائلية متأخرة على المخاطر المترتبة على استمرار الانقسام.    

وسط هذه البيئة المتردية الحافلة بالنكسات؛ لم يجد ترمب أي حرج أو غضاضة في اتخاذ قراره العنصري الفاجر بحق القدس، بل إن وقاحته بلغت حدّ التواصل الهاتفي مع الكثير من زعماء الدول العربية والدولية ليطلعهم على قراره بشأن القدس، دون أي خجل أو تردد في ظل موافقة سعودية رسمية يمثلها ولي العهد محمد بن سلمان الذي يدير شؤون البلاد.

وهم الانتصار

لا شك أن ترمب وبنيامين نتنياهو وحلفاءهما أوهموا أنفسهم بكسب هذه الجولة من جولات الصراع، واعتقدوا أنهم حققوا انتصارا سياسيا على مجموع الأمة بإخراج القدس من دائرة الحقوق الفلسطينية حسب زاوية النظر الأميركية والإسرائيلية، تمهيدا لخطوات وقرارات أكثر شدة وقسوة بحق مجموع الأمة وشعوبها مستقبلا.

لكن غاب عن هؤلاء جميعا أن للقدس ربًّا يحميها كما للكعبة، وأن الأمة قادرة -بإذن الله- على تفريغ هذا الانتصار المزيف من مضامينه الحقيقية، وربطه بكلفة عالية لا يقوى ترمب وإدارته العنصرية على احتمال مفاعيلها وتداعياتها خلال المرحلة القادمة.

« لو قرأ ترمب ونتنياهو ومن دار في فلكهما التاريخ القديم والحديث لما انتشوْا كثيرا، ولما أطلقوا العنان لكبريائهم المصطنع الذي سوّل لهم الاعتداء الآثم على حقوق وثوابت ومقدسات الأمة، ولأدركوا أن هذه الجولة -التي اعتقدوا ظاهرا الانتصار فيها- تحمل في باطنها بذور تراجعهم وضعف شوكتهم، وأن المرحلة القادمة ستفجعهم بعدة مفاجآت تجعلهم يعضّون أصابع الندم »

 

لو قرأ ترمب ونتنياهو ومن دار في فلكهما التاريخ القديم والحديث لما انتشوْا كثيرا، ولما أطلقوا العنان لكبريائهم المصطنع الذي سوّل لهم الاعتداء الآثم على حقوق وثوابت ومقدسات الأمة، ولأدركوا أن هذه الجولة -التي اعتقدوا ظاهرا الانتصار فيها- تحمل في باطنها بذور تراجعهم وضعف شوكتهم، وأن المرحلة القادمة ستفجعهم بعدة مفاجآت تجعلهم يعضّون أصابع الندم يوم لا ينفع الندم.

من المؤكد أن هؤلاء الجهّال -الذين أفسدوا في البلاد وطغوا على العباد- لم يعوا التاريخ الذي أودى بالظلمة وأنظمتهم الفاجرة وقذف بهم في مجاهله المنسية، ولم يفقهوا معنى السر الحيّ لإرادة الشعوب التي حركتها كوامن العزة والكرامة والحرية على مدار التاريخ، فانتفضت في وجه قاتليها وجلاديها، وأسقطت ألويتهم وراياتهم الهشة، ومزقت أوراق ومشاريع هيمنتهم واستعلائهم شر ممزّق.

وحين اتخذ ترمب قراره الجائر بحق القدس -مدفوعا بتحريض من نتنياهو وتأييد من بن سلمان- لم يدرك مطلقا حقائق التاريخ، ولم يفطن إلى أن وجه الهوان الرسمي -الذي رعته وغذّته بعض الأنظمة العربية- يُخفي وراءه شعوبا حية، قادرة على قلب الطاولة وتغيير الموازين في اللحظة المناسبة.

لم يدرك ترمب وحلفاؤه أن القدس معنى لا مبنى في نفوس أبناء الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية، وأن قراره بشأن القدس لم يُنه المعركة بل إنه ابتدأها من جديد.

والأخطر من ذلك، أنقرار ترمب أعاد إحياء الإرادات الفلسطينية والعربية والإسلامية الخاملة، وأعاد بناء وتحشيد الجهود والطاقات الفلسطينية والعربية والفلسطينية التي أصابها الضعف والخور إبان المراحل الماضية، لتستعيد روحها وفاعليتها في مواجهة المشروع الأميركي/الإسرائيلي الذي يستهدف تصفية القضية الفلسطينية، وإخضاع المنطقة العربية للإرادة الأميركية والإسرائيلية الكاملة.

لقد قدم ترمب وحلفاؤه للشعب الفلسطيني ومجموع الأمة خدمة كبرى لا تقدّر بثمن، فقد كان الفلسطينيون وأمتهم في أسوأ أحوالهم بين يدي المخطط الأميركي/الإسرائيلي الذي يجري تنفيذ فصوله السود تباعا.

وجاء قرار ترمب بحق القدس ليصدم قلوبهم وعقولهم، ويعيد لها ألقها مجددا، ويُصحّح لها اتجاه البوصلة ومسار الطريق، ويفتح لها آفاق العمل الجاد والمواجهة الباسلة لكبح المخططات الحاقدة التي تستهدف الأمة وقضاياها بما يعجز عن تصوره الكثيرون. 

آفاق المواجهة

تتوزع المهام المنتظرة وآفاق المسؤوليات المطلوبة فلسطينيا وعربيا وإسلاميا، في إطار مواجهة قرار ترمب بحق القدس إلى محاور رسمية وشعبية، ينبغي أن تسير في نسق منسجم ومتواتر كي تحقق أهدافها، وتملك قوة التأثير المضاد لإحباط مفاعيل وديناميات القرار الأميركي.

أولا: على المستوى الفلسطيني:

لا شك أن قرار ترمب زجّ السلطة الفلسطينية في زاوية بالغة الحرج والضيق، وسلبها قدرتها على المناورة التي اعتاشت منها سياسيا خلال المرحلة الماضية.

تجد السلطة نفسها اليوم مجبرة على اتخاذ قرارات بالغة الصعوبة وتبني خيارات بالغة الحساسية، للارتقاء إلى مستوى خطورة القرار الأميركي، وما لم تنحُ السلطة باتجاه هذه الخيارات فإنها تفقد مبرر وجودها الوطني في عيون الفلسطينيين، وتؤذن بمرحلة من الضعف والتراجع المطرد لا تقوى على استيعاب المخاطر والتحديات المرتبطة بها.

« لا تستقيم مواجهة قرار ترمب بحق القدس وسائر القرارات المتوقعة في إطار المخطط الأميركي/الإسرائيلي لتغيير وجه المنطقة، إلا عبر قرار عربي وإسلامي شامل بوقف الاتصالات مع الإدارة الأميركية أو تحديد العلاقة معها إلى أدنى مستوى على أقل تقدير، والعمل على مقاطعة إسرائيل وعزلها في المحافل الإقليمية والدولية، ومحاربة أي اتجاه يدعو إلى التطبيع مع الاحتلال »

 

بداية، ينبغي أن تتخذ السلطة الفلسطينية قرارا جادا وصارما باتجاه وقف كافة العلاقات مع الإدارة الأميركية، وعدم الاكتفاء بموقف سياسي محكوم بظرفية آنية، فلا معنى ولا قيمة سياسية أو أخلاقية أو إنسانية لأي علاقة مع الأميركيين في ظل تماهيهم مع المخططات الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية. بل إن أي اتصالات مستقبلية ستفتح شهية الموقف الأميركي لمواصلة الابتزاز للسلطة الفلسطينية في القضايا الفلسطينية الأخرى.

وكي تأمن السلطة شرور وبوائق ترمب وإدارته العنصرية؛ فإن عليها أن تتحصّن داخليا عبر توثيق وترسيخ عُرى الوحدة الوطنية الفلسطينية، وتكريس مفاهيم ومبادئ الشراكة السياسية مع الفصائل الفلسطينية، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس وطنية سليمة.

وفي المقابل، فإن الجهد الفصائلي الفلسطيني يجب أن ينصبّ على ضرورة بلورة إستراتيجية فلسطينية جامعة لإدارة الصراع مع الاحتلال، والدفع باتجاه تفجير مقاومة شعبية واسعة في القدس وعموم الوطن الفلسطيني، بهدف استنزاف الاحتلال ورفع كلفة احتلاله للأرض الفلسطينية.

بذلك، تحافظ السلطة على قوتها وتُراكم أوراق قوة فاعلة في وجه الاحتلال، وتجعل يدها هي الطولى على المستوى السياسي والميداني في مواجهة الاحتلال ومخططاته العنصرية.

ثانيا: على المستوى العربي والإسلامي:

لا تستقيم مواجهة قرار ترمب بحق القدس وسائر القرارات المتوقعة في إطار المخطط الأميركي/الإسرائيلي لتغيير وجه المنطقة، إلا عبر قرار عربي وإسلامي شامل بوقف الاتصالات مع الإدارة الأميركية أو تحديد العلاقة معها إلى أدنى مستوى على أقل تقدير، والعمل على مقاطعة إسرائيل وعزلها في المحافل الإقليمية والدولية، ومحاربة أي اتجاه يدعو إلى التطبيع مع الاحتلال.

من المفهوم أن تنأى السعودية وبعض الدول العربية -التي وضعت نفسها رهن الإرادة الأميركية- بنفسها عن أي خطوات أو مواقف ضاغطة على هذه الإدارة، لكن مجمل الدول العربية والإسلامية -وفي مقدمتها مصر- قادرة على إزعاجها والتشويش على مواقفها ومخططاتها في المنطقة.

كما أنها تستطيع إجبار الإرادة الأميركية على إعادة النظر في سياساتها السافرة ومخططاتها الحاقدة التي تجاوزت الخطوط الحمر، ودخلت طور الفجور المفتوح المنفلت من أي عقال سياسي وأخلاقي وإنساني وقانوني.

ولا بد أن تدرك الدول العربية والإسلامية أن الإدارة الأميركية ستضعها في بؤرة الاستهداف عاجلا أم آجلا، وأن المخطط الأميركي/الإسرائيلي يستهدف الجميع دون استثناء، مما يحتّم عليها ابتدار وقفة جادة وحقيقية في وجه التغول والفجور الأميركي، وما لم ترق إلى مستوى هذا التحدي الخطير فإن البلدوزر الأميركي سيسحقها مستقبلا دون رحمة.

فوق ذلك، ينبغي على الدول العربية والإسلامية أن تفتح المجال أمام شعوبها للتعبير عن غضبتها على الاحتلال الإسرائيلي والإدارة الأميركية، وأن ترعى كل الفعاليات الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية المساندة للحقوق الوطنية الفلسطينية، وتتعامل بقبضة صارمة مع أدوات الفتنة والتخذيل داخل بلدانها التي تروّج للهزيمة والتطبيع مع الاحتلال.  

وختاما..؛ فإن الأمة بأسرها أمام اختبار قاسٍ في مواجهة تجليات المخاض العسير الذي تعانيه ويهدد كيانها وحاضرها ومستقبلها، لكن هذا المخاض الأليم يُخفي وراءه ميلادا جميلا لمرحلة جديدة تعلو فيها رايات الحق والعدالة والحرية، وترتكس فيها رايات الظلم والهيمنة والفجور والاستبداد. ومثل بيت الله الحرام، فإن القدس عقيدة في وجدان المسلمين، والمسجد الأقصى آية في كتاب الله؛ فليرتقب ترمب وزمرته وحلفاؤه من غضب الله ما لا يعلمون.