شريط الأخبار

«التهدئة»بين «حماس» وإسرائيل نتائج وتوقُّعات وعِبَر .. جواد البشيتي

01:11 - 22 تموز / ديسمبر 2008

 

الوطن القطرية 22/12/2008

«اتفاقية التهدئة» بين «حماس» وإسرائيل عبر مصر، دخلت حيِّز التنفيذ في التاسع عشر من يونيو الماضي. في اليوم ذاته، وتحت عنوان «تهدئة مع حصار مخفَّف قليلاً»، كتبتُ قائلاً:

الاتِّفاق، الذي سيُنفَّذ بدءاً من اليوم الخميس (19 يونيو 2008) إنَّما هو اتِّفاق على وقف متبادل متزامِن لـ «كل الأعمال العدائية والعسكرية» في قطاع غزة، أي بينه وبين إسرائيل؛ ومعناه العملي إنَّما هو، على وجه الخصوص، أن تُوْقِف إسرائيل كل أعمالها العسكرية ضد القطاع في مقابل أن يتوقَّف إطلاق «الصواريخ» منه على سديروت وعسقلان..

هذا هو الذي سيتحقَّق اليوم، أو بدءاً من اليوم، وإنْ بقي «التالي» مستعصياً على التوقُّع، فـ «الاتِّفاق» يلبِّي، أيضاً، للطرفين شروط استئناف الأعمال العسكرية..

إسرائيل، وما ان يبدأ تبادل الطرفين وقف إطلاق النار، قد تُخفِّف من ضغوط الحصار الذي تضربه حول قطاع غزة، ملبِّيةً، بالتالي، بعض الحاجات الإنسانية والأوَّلية لمليون ونصف المليون فلسطيني هناك..

أمَّا إذا قضت مصلحتها بالجمع بين استمرار وقف إطلاق النار والإبقاء على حصار «شبه كامل» للقطاع فإنَّها قد تتشدَّد في رفضها الشروط والمطالب الفلسطينية في ملف «شاليت والأسرى الفلسطينيين»، فيبقى شاليت في الأسر الفلسطيني، ويبقى الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية، ويبقى الحصار مستمراً في أساسه ومعظمه، لِتُخيَّر، «حماس»، وغيرها، من ثمَّ، ما بين استمرار هذا الوضع واستئناف إطلاق «الصواريخ».

وإلى أن تتَّضِح النتيجة النهائية لمفاوضاتها مع السلطة الفلسطينية ستظل إسرائيل محتفظة بأسباب مهمة للتفجير، أو لـ «التفجير المتبادل»، منها: الإبقاء على الضفة الغربية في خارج «اتِّفاق الهدنة (أو التهدئة)»، والإبقاء على قطاع غزة ضِمْن الحصار، وإنْ خُفِّف قليلاً..

أمَّا ما يدعوها إلى الاحتفاظ بأسباب التفجير فهو خشيتها من أن يتحوَّل فشل مفاوضاتها مع السلطة الفلسطينية إلى وقود سياسي لحلٍّ تام ونهائي للنزاع بين «حماس» و«فتح»، فاقتران ذاك الفشل ببدء جهود لمصالحة حقيقية بين الطرفين الفلسطينيين، إنَّما يعني أن تُطْلِق إسرائيل حملة عسكرية جديدة وقوية ضد قطاع غزة.

ويبدو أنَّ باراك وليفني ونتنياهو (وآخرين أقل أهمية) متَّفِقون، ضِمْناً على الأقل، على منع أولمرت من أن يسجِّل باسمه أي «إنجاز» قد يساعده في الخروج من أزمته. وهذا إنَّما يعني منعه من أن يقوم الآن بعمل عسكري كبير ضد قطاع غزة..

ما تحتاج إليه إسرائيل الآن حصلت عليه وهو وقف إطلاق «الصواريخ» الفلسطينية مع استمرار حصارها (المخفَّف قليلاً) لقطاع غزة؛ وما احتاجت إليه «حماس» الآن لم تحصل إلاَّ على بعضه وهو وقف إسرائيل لأعمالها العسكرية ضدها، وضد القطاع، والتخفيف من حِدَّة الحصار.

لقد قَبِلَت إسرائيل تأجيل حل مشكلة شاليت، فَقَبِلَت «حماس» تأجيل حل مشكلة الحصار، التي لا حلَّ نهائياً وحقيقياً لها قبل إعادة فتح وتشغيل معبر رفح على وجه الخصوص.

وأحسب أنَّ الوسيط المصري قد احتاج أكثر من إسرائيل و«حماس» لهذا «الاتِّفاق»؛ فالقاهرة كانت مدعوة إلى أن تحل من جانبها أزمة معبر رفح إذا ما تسبَّبت إسرائيل بفشل جهود الوساطة التي بذلتها. والآن، تستطيع القاهرة أن تقول: انتظروا، ها هو الحصار قد خُفِّف قليلاً، وها هي مستمرة جهود الوساطة التي تقوم بها، توصُّلاً إلى حلٍّ نهائي لمشكلتي «شاليت والأسرى الفلسطينيين» و«الحصار والمعابر».

إسرائيل ليس لها مصلحة الآن في أن تنهي وضعاً قوامه تلك التهدئة، واستمرار الحصار من حيث الجوهر والأساس، وإطالة أمد جهود الوسيط المصري؛ أمَّا «حماس» فهي التي ستشعر بصعوبة استمرار هذا الوضع (وضع التهدئة مع استمرار الحصار من حيث الأساس) وبصعوبة أن تنهيه من خلال استئناف إطلاق «الصواريخ». انتهى الاقتباس.

والآن، أعلنت «حماس» انتهاء التهدئة مع إسرائيل رسمياً، وأنَّ الطرف الإسرائيلي لم يلتزم «شروط التهدئة»، وأنَّها، أي «حماس»، في حلٍّ من التهدئة، وستردُّ من الآن وصاعداً على أي اعتداء عسكري إسرائيلي. أمَّا وزارة الخارجية المصرية فأعلنت أنَّ القاهرة لم يُطْلَب منها بذل جهد من أجل «تمديد اتفاق التهدئة».

وإذا كان من شيء قد اختلف فإنَّ هذا الشيء هو موقف القاهرة، فالعاصمة المصرية كانت قد أعلنت قبيل التوصُّل إلى اتفاق التهدئة أنَّ مصر لن تظل ملتزمة إغلاق الجانب المصري من معبر رفح إذا ما أحبطت إسرائيل جهودها للتوصُّل إلى هذا الاتفاق؛ أمَّا اليوم، حيث أعلنت «حماس» انتهاء التهدئة، رسمياً، مع إسرائيل، فأعلنت القاهرة أنَّ قطاع غزة لم يتحرَّر بعد من الاحتلال الإسرائيلي، وأنَّ إسرائيل، بصفة كونها قوَّة، أو سلطة، احتلال، هي وحدها التي تتحمَّل المسؤولية عن الأحوال الإنسانية لأهله، وأنَّ مصر، لهذا السبب، ولأسباب أخرى، لن تفتح من جانبها معبر رفح.

أين تكمن المصلحة الحقيقية للفلسطينيين، ولأهل غزة على وجه الخصوص، الآن؟

هل تكمن في تمديد اتفاق التهدئة أم في عدم تمديده؟

إنَّها لا تكمن لا في التمديد، ولا في عدم التمديد، فلا مصلحة حقيقية لديهم الآن، ومنذ وقت طويل، إلاَّ إنهاء الحصار المضروب على قطاع غزة؛ ولا بدَّ لهم، بالتالي، من أن يزنوا كل موقف يقفونه، وكل قرار يتَّخذونه، بهذا الميزان، فلا سياسة فلسطينية صائبة إلاَّ تلك التي تعرف كيف تنهي هذا الحصار من غير أن يكون رفع الراية البيضاء طريقاً إلى ذلك.

ولكن، ما معنى إنهاء التهدئة فلسطينياً؟

ليس معناه أبداً أن يمارِس الفلسطينيون في قطاع غزة حقهم المشروع في الدفاع عن النفس، فالرَّد عسكرياً (بالصواريخ وغيرها) على أي اعتداء عسكري إسرائيلي على القطاع يجب ألاَّ يُفْهَم ويُفسَّر على أنَّه مظهر لإنهاء الفلسطينيين للتهدئة، فهذا الإنهاء إنَّما يعني أن يستأنف الفلسطينيون أعمالهم العسكرية ضد إسرائيل انطلاقاً من القطاع ولو لم تأتِ تلك الأعمال على شكل ردٍّ على اعتداءات عسكرية إسرائيلية.

هل نقف مع هذا الخيار أم ضده؟

إنَّ إجابة هذا السؤال تشبه إجابة سؤال «هل المطر مفيد أم ضار؟». وهذا إنَّما يعني أن لا إجابة مطلقة، غير مشروطة، على هذا السؤال أو ذاك.

وأحسب أنَّ الفلسطينيين جميعاً يؤيِّدون استئناف الأعمال العسكرية ضد إسرائيل انطلاقاً من قطاع غزة «إذا ما».. إذا ما ثَبُت وتأكَّد نظرياً وعملياً أنَّ من شأن ذلك المساعدة في إنهاء الحصار المضروب على القطاع، فـ «الغاية» هي وحدها المقياس الذي نقيس به الموقف من «الوسيلة».

وأحسب، أيضاً، أنَّ السياسة الفلسطينية (على افتراض وجودها) تظل غير صائبة، ومتصالحة مع كل ما يضرُّ بالمصالح العامة والحقيقية للشعب الفلسطيني وقضيته القومية ما بقي صُنَّاعها أسرى خلاف عقيم، هو خلافهم في إجابة سؤال «التهدئة»، فليس من سؤال فلسطيني يفوق هذا السؤال فساداً.

«الصواب»، في معناه السياسي العملي الفلسطيني، إنَّما يحضُّ القيادات الفلسطينية في قطاع غزة، وفي مقدمتهم «حماس»، على أن يتَّخذوا من القرارات والإجراءات ما يوافق تلك البديهية، التي أعادت مصر اكتشافها، وهي أنَّ قطاع غزة ليس بالمحرَّر، أرضاً وشعباً، من الاحتلال الإسرائيلي، وأنَّ إسرائيل بفضل (وليس على الرغم من) انسحابها الأحادي من القطاع هي سلطة، أو قوة، الاحتلال المسؤولة وحدها عن حياة سكانه، بأوجهها كافة، فهذا الاحتلال لا ينتهي ولا يتضاءل، وإنَّما يستمر ويشتد ويعنف، عندما يَخْرُج، جنوداً ومستوطنين، من جزء من الأرض الفلسطينية، ليحاصره من كل حدب وصوب، ولينشر فيه الموت والدمار بآلته العسكرية، وبمنعه الطعام والوقود والأدوية.. من الدخول إليه.

وهذا «الصواب» كان ينبغي له أن يُتَرْجَم عملياً بحلِّ كل سلطة (رسمية) فلسطينية في القطاع، بدءاً من سلطة الحكومة المقالة، وبإعلان قطاع غزة أرض صراعٍ بين الاحتلال والمقاومة بكل صورها وأشكالها، وبدعوة الأمم المتحدة إلى معاملة القطاع مع أهله على أنَّه أرض فلسطينية ما زالت تحتلها إسرائيل، وتمارِس ضدها، ومن خلال انسحابها الأحادي، احتلالاً هو الأسوأ على وجه الإطلاق؛ لأنَّه احتلال يقوم على ارتكاب مزيد من جرائم الحرب، ومن الجرائم في حقِّ الإنسانية.

أمَّا إذا أصرَّت إسرائيل على أنَّها ما عادت بـ«قوَّة احتلال» في قطاع غزة، بعدما أخرجت كل جنودها ومستوطنيها منه، فلا بدَّ، عندئذٍ، من توقيع اتفاق بينها وبين منظمة التحرير الفلسطينية، تقرُّ عبره بانتهاء احتلالها للقطاع، وبانتهاء كل حصارٍ له، براً وبحراً وجواً، في مقابل التزام الفلسطينيين وقف كل عمل عسكري ضدها انطلاقاً من القطاع. ولا بدَّ، بعد ذلك، لمجلس الأمن من أن يتَّخِذ قراراً يخلع بموجبه الشرعية الدولية على هذا الاتفاق، ويقيم في القطاع إدارة دولية مؤقتة، فلا دولة فلسطينية تقام قبل رفع الاحتلال الإسرائيلي عن كل «الأراضي الفلسطينية»، وإخضاعها لإدارة دولة مؤقتة، في ظلها يتفاوض الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي على شروط قيام هذه الدولة، وعلى شروط إنهاء النزاع بأوجهه كافة، ليوقِّعا في آخر المطاف معاهدة سلام.

إنَّ الفلسطينيين في حاجة إلى إنهاء الاحتلال أوَّلاً، وإلى إخضاع أراضيهم، من ثمَّ لإدارة دولية مؤقتة، في ظلها يفاوضون إسرائيل، توصُّلاً إلى معاهدة سلام؛ وليسوا في حاجة أبداً إلى كل ما من شأنه أن يساعد إسرائيل على إظهار نفسها أمام العالم على أنها قد كفَّت عن كونها قوَّة احتلال في هذا الجزء أو ذاك من «الأراضي الفلسطينية»، أو أن ينشر بينهم وهم أنَّ هذا الجزء أو ذاك من أراضيهم قد غدا حرَّاً محرَّراً.

والأمم المتحدة تعرف على خير وجه ما هي الأراضي الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل منذ 1967؛ وعلى الفلسطينيين (ومعهم العرب) أن يعرفوا هم أيضاً أن لا مفاوضات حقيقية وجادة يمكن أن تبدأ، وأن تنتهي إلى حلٍّ نهائي للنزاع بأوجهه كافة، قبل نقل السلطة على تلك الأراضي من قوَّة الاحتلال الإسرائيلي إلى إدارة دولية مؤقتة تابعة للأمم المتحدة؛ وهذه الإدارة المعزَّزة بقوة عسكرية دولية قوية يمكن، ويجب، أن تستمر حتى يوقِّع الطرفان المتفاوضان معاهدة سلام.

عدا ذلك، لن ينجح الفلسطينيون إلاَّ في أن يقوِّضوا بأيديهم الخيارين معاً: خيار «الحل عبر التفاوض»، وخيار «الحل عبر المقاومة».


انشر عبر