شريط الأخبار

حسابات "إسرائيل" الصعبة فى الأزمة اللبنانية

02:11 - 14 تشرين ثاني / نوفمبر 2017

فلسطين اليوم - وكالات


د‏.‏ محمد السعيد إدريس

بقدر ما يمكن أن تقدمه الأزمة الإقليمية المتصاعدة الآن في المنطقة منذ الاعتداء الصاروخي على مطار الملك خالد بالعاصمة السعودية الرياض يوم السبت (4/11/2017) من فرص تفوق الخيال بالنسبة لإسرائيل لتوجيه ضربات كانت تحلم بها إلى «حزب الله» في لبنان تكون قادرة على تحطيم آلته العسكرية وإنهاء دوره ونفوذه السياسي، بقدر ما تواجه القيادة الإسرائيلية من صعوبات وتحديات قد تحول دون تحقيق هذا الطموح، وفق حسابات إسرائيلية شديدة التعقيد. ففي أول رد فعل سعودي على هذا الاعتداء الصاروخي، أكد وزير الخارجية عادل الجبير أن بلاده «تحتفظ بحق الرد، بالشكل والوقت المناسبين على النظام الإيراني، وأن النظام الإيراني يضر بأمن دول الجوار ويؤثر على الأمن والسلم الدوليين». هذا يعنى أن المملكة تجاوزت المتمردين الحوثيين الذين أطلقوا الصاروخ الباليستى الذي ضرب مطار الملك خالد، وحملت المسئولية لإيران باعتبارها من أمد الحوثيين بهذا النوع من الصواريخ الباليستية المتطورة، ولحزب الله باعتباره شريكاً فى المسئولية وفى التنفيذ. وتطور الأمر ليصبح الموقف معبراً عن ما يسمى «تحالف دعم الشرعية اليمنية» الذى تقوده السعودية ويخوض الحرب منذ أكثر من عامين فى اليمن. فقد أصدر هذا التحالف بياناً أوضح فيه أن قيادة قوات التحالف تعتبر ضلوع النظام الإيراني في تزويد الميليشيات الحوثية التابعة له بهذه الصواريخ انتهاكاً صارخاً لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة وعلى الأخص القرار (2216) الذي يحرّم تزويد الحوثيين بالأسلحة، ولذا فإن قيادة التحالف «تعتبر هذا عدواناً عسكرياً سافراً ومباشراً من قبل النظام الإيراني وقد يرقى إلى اعتباره عملاً من أعمال الحرب ضد السعودية، وتؤكد حق المملكة في الدفاع الشرعي عن أراضيها وشعبها». 
كانت هذه هي البدايات، وجاءت أزمة استقالة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحرير في بيان ألقاه من الرياض والتداعيات التي ترتبت على هذه الاستقالة ودخول حزب الله كطرف مباشر متهم في العدوان على الرياض وفق نص بيان الاستقالة الذى ألقاه سعد الحريري لتوفر ظروفاً مواتية وفرصاً غير مسبوقة أمام إسرائيل للمبادرة بشن الحرب على لبنان للتخلص من حزب الله، وتوظيف هذه الحرب للتأسيس لخريطة تحالفات إقليمية تحقق طموحات إسرائيل فى محاصرة ما تسميه «الهلال الشيعي» الذى تقوده إيران، ومنع إيران من توظيف نجاحاتها فى سوريا لمصلحة مشروعها الإقليمي

كل هذه الإغراءات التي تدفع القيادة الإسرائيلية للأخذ بخيار الحرب ضد لبنان لم تجد الحماس الكافي عند الكثير من الإسرائيليين الذين أخذوا يحذرون من الانجرار في هذا «الخطأ الاستراتيجي»، قبل الإجابة عن ثلاثة تساؤلات شديدة الأهمية
السؤال الأول: هل إسرائيل مهيأة نفسياً لخوض حرب بهذا المستوي؟ 
السؤال الثاني: هل الظروف الإقليمية تسمح بذلك، وبالذات ظروف الحرب فى سوريا وفى المقدمة منها الوجود الروسي في سوريا وتحالفات روسيا مع إيران؟ السؤال الثالث: هل توازن الردع الموجود الآن بين حزب الله وإسرائيل يسمح لإسرائيل بالتورط في مثل هذه الحرب؟
ثلاثة أسئلة مهمة تؤكد أن لقرار الحرب حسابات أخرى أكثر تعقيداً، وأن إسرائيل غير مهيأة لخوض مثل هذه الحرب
أول ما يسترعى الانتباه في إسرائيل في هذه الظروف هو تلك «الكآبة وعدم الثقة» التي تسيطر على رؤية وإدراك بنيامين نتانياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية، وربما قطاع واسع من النخبة الإسرائيلية، حول مستقبل وجود إسرائيل، ويستدل المتابعون لهذا الإدراك بما صدر عن نتانياهو نفسه أمام ضيوفه الذين دعاهم فى بيته منذ أسابيع قليلة لحضور ندوة «التناح» (الكتاب المقدس) على هامش الاحتفال بما يسمى «عيد العرش». فقد فاجأ نتانياهو الحضور بقوله إنه «قلق على تمكين إسرائيل من الاحتفال بعيدها المئوي بعد ثلاثين عاماً». فبرأيه أن «مملكة الحشمو نائيم» (المملكة اليهودية الثانية) استمرت ثمانين عاماً قبل أن تقضى عليها الإمبراطورية الرومانية، ومن هنا جاء قوله الصادم «علينا أن نتعهد بأن نحتفل بمئوية إسرائيل".
عندما يصل الأمر إلى الإحباط وعدم الثقة بمستقبل إسرائيل إلى هذا الحد وعلى لسان زعيم مثل نيتانياهو وإذا أخذنا ففي الاعتبار أيضاً الظروف الشديدة السوء التي يواجهها نتانياهو الآن بسبب اتهامه بثلاث قضايا بالفساد، ويرجح أن يقدم للمحاكمة بسببها أبرزها قضية الغواصات الألمانية، خاصة أن كل هذا يحدث في ظل حالة انقسام اجتماعي غير مسبوقة وتدنى حماس الشباب للدخول في الخدمة العسكرية، فإن هذا كله يؤكد مصداقية ما ورد على لسان الجنرال المتقاعد جفاى طوبولنسكى بقوله «إن إيران ليست تهديداً على وجودنا (كإسرائيليين) إنما تقف إسرائيل أمام تحد أعظم يتمثل في جسر الهوة بين أبناء (الشعب) الإسرائيلي وتوحيد أجزائه» وتحذيره من أن «في حال استمرار كل هذا الانقسام المجتمعي سيأتي يوم لا نكون فيه هنا». 
أخذ هذا الواقع المأساوي في الاعتبار يؤكد أن إسرائيل غير مهيأة نفسياً لخوض حرب واسعة، خصوصاً إذا أدركنا الظروف الإقليمية التي لا تسمح لإسرائيل بشن حرب بهذا المستوي. وبالذات معادلة توازن القوى الجديدة داخل سوريا التي فرضت إيران «دولة جوار إقليمي» للمرة الأولى إلى جانب إسرائيل، كما فرضت انتصار تحالف نظام الرئيس الأسد مع كل من روسيا وإيران وحزب الله على غير ما كانت تأمل إسرائيل
هذا الاستنتاج يؤكده أولاً أن الحرب إذا وقعت لن تكون لبنانية فقط بل ستكون، للمرة الأولي، لبنانية وسورية في ظل ما تدركه القيادة العسكرية الإسرائيلية من توحد الجبهتين الآن، وثانياً وجود إدراك استراتيجي إسرائيلي عبر عنه الجنرال ياثير جولان نائب رئيس الأركان السابق والمكلف من وزير الدفاع بصياغة نظرية الأمن الإسرائيلية الجديدة بـ «عجز إسرائيل عن تحقيق الانتصار في حرب تقودها ضد إيران»، وثالثها التحذير الصادر يوم الجمعة الماضي (10/11/2017) على لسان ريكس تيلرسون وزير الخارجية الأمريكي من »استخدام لبنان مسرحاً لخوض نزاعات بالوكالة»، وإعلانه الصريح في بيان أن الولايات المتحدة «تحرض كل الأطراف داخل لبنان وخارجه، على احترام وحدة المؤسسات الوطنية الشرعية فى لبنان واستقلالها ومن ضمنها الحكومة والقوات المسلحة، ولكن الاحترام لرئيس الحكومة سعد الحريري بصفته شريكاً قوياً للولايات المتحدة»، إذا أضفنا إلى ذلك ما أدت إليه أزمة استقالة سعد الحريري من توحيد اللبنانيين ودعم قوى دولية لهذا التوحيد فإن، كل هذا يعنى أن «للحرب حسابات أخري» حتماً ستأخذها إسرائيل في الاعتبار، وبالذات القيادات العسكرية المسئولة عن قرار الحرب، بعيداً عن نزوات القيادات السياسية ومعاركها الانتخابية والإعلامية

انشر عبر