شريط الأخبار

مطالب عربية دقيقة بشأن إسرائيل وإيران ..بلال الحسن

11:41 - 21 تموز / ديسمبر 2008

ـ الشرق الأوسط 21/12/2008

يقارب عام 2008 أن يشرف على نهايته، ونجد أنفسنا أمام ثلاثة لقاءات، وثلاثة اجتماعات، وثلاثة بيانات، على مستوى دولي، تتعامل أساسا مع الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وتطل أيضا على الوضع الاستراتيجي في الشرق الأوسط من زاوية ايران.

تقول الوثائق الثلاث بشأن الوضع الفلسطيني، والصادرة عن مجلس الأمن، وعن الأمم المتحدة، وعن اللجنة الرباعية الدولية، إن موضوع السلام العربي ـ الإسرائيلي سيبقى حاضرا على الأجندة الدولية طوال عام 2009. ومع أن هذا الموقف في ظاهره هو موقف مطلوب من الإدارة الأميركية الراحلة برئاسة جورج بوش، ومن أجل تلميع سجله السياسي، وتخفيف صدمة فشله بعد أن رمى بكل ثقله (؟) من أجل إنجاز حل الدولتين خلال عام 2008 وفشل، إلا أن هذه المواقف الدولية تبقى موقفا إيجابيا ومهما، ولا يمكن التعامل معها باستخفاف. أقله أن الإدارة الأميركية الراحلة لا تعلن أن مواقفها تذهب معها، كما أعلنت إدارة الرئيس بيل كلينتون عام 2001 عند رحيله، وأن الاهتمام الأميركي بالصراع العربي ـ الإسرائيلي سيبقى قائما ومتصلا في عهد إدارة الرئيس باراك اوباما. وأقله أيضا أن اجتماع مجلس الأمن عقد بطلب ثنائي من واشنطن وموسكو، ليظهر أن الأمر يتعلق باهتمام دولي، لا بمجرد رغبة أميركية، وبخاصة أن موسكو صاحبة دعوة لاستكمال اجتماع مؤتمر أنابوليس في اجتماع ثان يعقد في موسكو خلال عام 2009. وأقله ثالثا أن هناك موقفا عربيا سبق الاجتماعات الثلاثة، ثم جرى إبلاغه إلى الرئيس الأميركي الجديد، يطالب بعمل أميركي جاد على قاعدة مبادرة السلام العربية. وقد تولى سعود الفيصل إبلاغ هذا الموقف باسم الجامعة العربية، وباعتباره رئيسا لمجلس الجامعة في هذه الدورة. وقد تجاوبت الاجتماعات الثلاثة مع المطلب العربي، وأشارت إلى مبادرة السلام العربية، مع المواضيع الأخرى الأساسية التي أشارت إليها.

هذا كله نسجله في خانة الايجابيات، قبل أن نصل إلى البند الأساسي المتعلق بالتحفظات، آخذين في الاعتبار أن تجربة العرب مع مجلس الأمن، وبخاصة في موضوع إسرائيل والصراع العربي ـ الإسرائيلي، مليئة بالتحفظات والشكوك على مدى ستين عاما، ولن تستطيع لحظة وئام واحدة، أن تزيل تاريخا كاملا من الشكوك والتحفظات. واللافت للنظر هذه المرة، أن المبادرين لتسجيل التحفظات هذه المرة هم رعاة هذا النشاط ومؤيدوه. فالأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، يصدر بيانا يحدد فيه تحفظات الجامعة العربية كما يلي «أوضحنا أن القرار كان يجب أن يتضمن أمورا أخرى مثل وقف الاستيطان، وتحديد موعد زمني للمفاوضات، وإزالة المستوطنات ليس في الأراضي الفلسطينية فقط ولكن في الأراضي السورية واللبنانية».

تحفظ آخر ورد على لسان ياسر عبد ربه عن بيان اللجنة الرباعية الدولية قال فيه «إن الكلام الذي اعتادت اللجنة الرباعية على ترديده، كلام جميل ولكن لا معنى له ولا قيمة في الوقت الراهن، مع استمرار الاستيطان، ومن دون اتخاذ خطوة عملية لوقفه فورا».

وشارك في إعلان التحفظات سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي، وقال في كلمته أمام اللجنة الرباعية «إن السلام لن يتحقق بعقد الاجتماعات المتوالية، أو من خلال المفاوضات غير المثمرة، في ظل تجاهل القضايا الرئيسية للنزاع الخاصة بالقدس والحدود واللاجئين والضمانات الأمنية».

لقد دعي العرب إلى هذه الاجتماعات الثلاثة في محاولة لاسترضائهم دوليا، بعد فشل مدو على مستوى الدول الكبرى كلها، ولذلك فإن تسجيل العرب لتحفظاتهم على التحرك الدولي الجديد هو واحد من أمرين: هل تتوقف إسرائيل عن التسويف؟ أم أن الدول العظمى هي التي ستتوقف عن التسويف؟ إن هذا السؤال هام جدا لأنه بدأ يطرح نفسه على الجميع، والجواب عليه أصبح مطلوبا بإلحاح، وهو جواب من شأنه أن يضع المنطقة على حافة الحرب، أو أن يقودها إلى السلام، وفي إطار فترة زمنية وجيزة. وتبرز أهمية هذه النقطة في مثلين:

في المثل الأول يطلب المفاوض الفلسطيني من إسرائيل، أن تقر بأنها ستنسحب من كامل الأراضي التي احتلت عام 1967. وإسرائيل تماطل وتماطل، وترفض الاعتراف بذلك، وتقول إن الأمر سيتحدد في المفاوضات. أي أن الطرف الفلسطيني يفاوض على أرض لا يعرف ما هي؟ وهذا ما لا يمكن أن يستمر، وبرعاية دولية أيضا.

في المثل الثاني، يقدم المفاوض السوري، عبر تركيا، خارطة لمنطقة الجولان، تعتمد ثلاث نقاط يشكل الوصل بينها تكوينا لخارطة منطقة الجولان، ويطلب من إسرائيل الموافقة عليها حتى يمكن مواصلة المفاوضات. ترفض إسرائيل وترد بلسان تسيبي ليفني وزيرة الخارجية قائلة «لا يمكن الذهاب إلى مفاوضات تتحدد نهايتها قبل أن تبدأ». وما تقصده ليفني هو أن إسرائيل لن تقر سلفا بالانسحاب الكامل من الأرض التي احتلتها، وتطلب من الطرف العربي أن يقبل هذه القاعدة في التفاوض.

وهنا يكون المطلوب من الدول العظمى ومن اللجنة الرباعية الدولية، أن تفرض التفاوض حسب القانون الدولي، وليس حسب ما يتفق عليه الطرفان، كما هو الأمر الآن. وحين تفعل اللجنة الرباعية ذلك، فإنها تكون صادقة بكلامها وبوعدها، بإدارة مفاوضات جديدة ذات جدوى. وفرض التفاوض حسب القانون الدولي يعني عدم الموافقة (لأي طرف) على جواز احتلال أراض طرف آخر بالقوة، وهذا ما ترفضه إسرائيل حتى الآن، وهذا ما تبادر الدول العظمى إلى رعاية إسرائيل بشأنه حتى الآن. وبغياب ذلك تواصل الدول العظمى رعاية مفاوضات لا يعرف أحد حول ماذا تجري. ومطلوب من الدول العظمى أن تحدد بدقة الموضوع الذي يجري التفاوض بشأنه، وهو أرض محتلة يجب أن تخرج منها إسرائيل بالكامل، والثمن المطلوب من أجل ذلك هو كذا وكذا. وهذا الأمر ليس فرضا لوجهة نظر ضد أخرى، بل هو تطبيق حرفي للقانون الدولي.

إلى جانب الموضوع العربي ـ الإسرائيلي، حضر أيضا الموضوع الإيراني، ولكن بصيغة جديدة هذه المرة، وتم بحث الموضوع الإيراني في اجتماع وزاري عقد في إطار الأمم المتحدة، وحضرته دول مجلس الأمن زائد ألمانيا، مع حضور عربي ضم دول مجلس التعاون الخليجي (باستثناء قطر وعمان) إضافة إلى العراق والأردن ومصر.

لقد جرت العادة أن يتم بحث الأمر في هذه الاجتماعات كما يلي: هناك موضوع سعي إيران للحصول على السلاح النووي، وهي إذا فعلت ذلك سيقف الكل ضدها، وندعو العرب للوقوف مع أميركا والدول الغربية في هذه المواجهة.

الجديد في الأمر، بروز مساومة من نوع مختلف، حول دور إيران الإقليمي، يعطى لها، مقابل أن تتفاهم مع أميركا والغرب حول الموضوع النووي.

هنا تدخل العرب، وقدموا اعتراضهم بقوة، وقالوا: إن مسألة الهيمنة الإيرانية، أو ما يطلق عليه أحيانا دور إيران الإقليمي، هو أكثر أهمية عند الدول العربية من ملف إيران النووي. وإذا أرادت الدول الغربية البحث في هذا الموضوع مع إيران، فيجب إشراك الدول الإقليمية فيه (العرب وتركيا). وبناء على ذلك أعلنت رايس في بيان قصير عند انتهاء الاجتماع «أكد العرب أنه إذا أرادت إيران التحدث عن دورها الإقليمي، فلتتحدث مع العرب وليس مع الدول الخمس زائد ألمانيا».

إن وصول الأمور بشأن ايران إلى هذه النقطة يعبر عن موقف عربي جديد ومتميز.

فالأولوية ليست للموقف الغربي بل للموقف العربي.

والأولوية ليست للموضوع النووي بل للأدوار الإقليمية.

والأولوية في الجانب العربي من المنطقة، ليست لايران بل للعرب.

إن هذه النقاط ترسم موقفا عربيا جديدا ومتقدما، ومن الضروري السعي لتنفيذه بما يضمن المصلحة العربية، وأول بند في المصلحة العربية ألا نكون وقودا في النار الأميركية ضد إيران. والبند الثاني أن تفهم ايران أن دورها الإقليمي يجب أن يبتعد عن مسألتين: المساس بالدور الإقليمي العربي، ومحاولة اللعب بالورقة الطائفية.

ولا بد بعد الآن، من صياغة هذا التوجه العربي الجديد، في رؤية استراتيجية شاملة، والعمل على إيجاد نفوذ لهذه الاستراتيجية على الأرض، يعبر عن المصلحة العربية، التي يجب أن تشرح جيدا لكل من أميركا وايران.


انشر عبر