شريط الأخبار

في أسر حماس .. هآرتس

02:30 - 19 تشرين ثاني / ديسمبر 2008


بقلم: عاموس هرئيل وآفي يسسخروف

مثلما بدت الامور عصر أمس، فان "التهدئة" لم تلفظ بعد أنفاسها. ليس موتا يوجد هنا بل احتضار بطيء ومتواصل. حسب تصريحات حماس، فان موعد الموت الرسمي للتهدئة يبدأ اليوم 19 كانون الاول. ولكن عمليا، جهود الانعاش تتواصل والعاملون على هذه المهمة هم في معظمهم اسرائيليون. وعلى نحو مفعم بالمفارقة، فان المهنيين في المجال الامني بالذات، والدارج على اتهامهم دوما بدق طبول الحرب، هم الذين يعملون على كبح جماح القتال المتجدد.

صحيح أن الصواريخ تسقط في الاسابيع الاخيرة كل يوم في بلدات غلاف غزة، ولكن القيادة الامنية لا تزال على الرأي في أنه لم تنضج الان الظروف لخطوة برية واسعة. وهؤلاء ليسوا فقط وزير الدفاع ايهود باراك، رئيس الاركان غابي اشكنازي ورئيس القسم السياسي في وزارة الدفاع عاموس جلعاد. حتى رئيس المخابرات يوفال ديسكن لا يضغط باتجاه العملية. ليس هكذا، ليس الان.

توجد وفرة من المبررات في هذه اللحظة ضد الحرب في غزة، ولكن اقواها هو بالضبط ذاك الذي محظور على المستوى المهني ان يعبر عنه بصوت عالٍ، وذلك لانه يعنى بالمستوى المسؤول، السياسي. سيكون من الصعب الدخول الى القطاع في ذروة حملة انتخابات. يكفي أن نرى كيف تؤثر المعارك السياسية على اتخاذ القرارات والتصريحات الداخلية منذ الان، كي نتصور كيف ستبدو حرب تدار في ظل السباق نحو صناديق الاقتراع.

وعليه، من المتوقع الان أيام عاصفة على حدود القطاع. ولكن على المدى الابعد قليلا، لا يوجد اليوم مصلحة لاسرائيل او (اهم من ذلك، ربما) لحماس، في مواجهة شاملة. وحتى عندما تبدو التصريحات حازمة اكثر من أي وقت مضى، ينبغي ان نتذكر كم مرة وقفت اسرائيل في وضع مشابه في السنوات الاخيرة وفي النهاية قررت عدم العمل. يحتمل جدا بان تقع عملية كبيرة في النهاية، ولكن القرار بشأنها لن يتخذ الا عندما يكون هناك احساس حقيقي بانه لا يوجد بديل آخر، وان السيف موضوع على الرقبة.

لقد أنعش الجيش الاسرائيلي في الاونة الاخيرة الخطط التنفيذية لسيناريوهات مختلفة للتصعيد. كما تبلورت "درجات" مختلفة لرد الفعل، توجد تحت الحرب الشاملة. ولكن رئيس الاركان يعرف بانه لا توجد نصف حرب، وان الدخول المحدود ايضا الى جزء من الاراضي (الهدف المنطقي سيكون مجالات اطلاق الصواريخ في شمالي القطاع وفي منطقة التهريب، في الجنوب) كفيل بان يتدهور الى خطوة أكبر. الدخول الى غزة لا يشبه الوجبة في المطعم. لا يمكن أن نوصي هناك بوجبة اولى دون التعهد ايضا بالوجبة الاساس.

في الوقت الذي تكون فيه الخطة العسكرية واضحة نسبيا، فان هناك مجهول كبير في كل ما يتعلق بالقسم السياسي: ماذا ستفعل اسرائيل بعد أن يحتل الجيش الاسرائيلي القطاع؟ الوزراء الذين يروجون لذلك كفيلون بان يجدوا انفسهم في وضع وزير الدفاع السابق للولايات المتحدة دونالد رامسفيلد الذي اضطر الى الاعتراف بان ادارة بوش لم تعد نفسها لما سيحصل بعد احتلال العراق. "الامور تحصل" (stuff happens) شرح رامسفيلد وهو يهز كتفيه في ضوء صور المهانة الذاتية في بغداد.

عاموس جلعاد قال صراحة في مقابلات مع الصحافة: سبق أن رأينا ما حصل عندما دخلنا الى لبنان في العام 1982 لطرد م.ت.ف فخلقنا حزب الله. الحلول العسكرية لا تجلب بالضرورة نتائج فورية. يجب الاخذ بالحسبان ان احتلال القطاع سيلزمنا باطعام مليون ونصف نسمة، سيعرض علاقاتنا مع مصر والاردن الى الخطر ومن شأنه ان يضرم النار في العالم الاسلامي. وفي هذه الاثناء، من الصعب القول ان اسرائيل استغلت اشهر التهدئة بنجاعة قصوى. الميزانية لتطوير التحصين لبلدات غلاف غزة اقرت في الحكومة قبل اسبوعين فقط، بعد نصف سنة من المناشدات من جانب باراك واشكنازي. اما تطوير "قبة حديدية" لاسقاط الصواريخ فسيجد صعوبة في الايفاء بالجدول الزمني الطموح الذي قرره جهاز الامن.

مشروع "قبة حديدية" يقف امام مرحلة هامة. ولكن خبير الصواريخ العالم بالمشروع يقول ان جوانب معينة فيه لا تزال تصطدم بالمصاعب. "رفائيل (سلطة تطوير الوسائل القتالية) يعملون على نحو ممتاز"، يقول "هذا مجال اختصاصهم، ولكن احدى المشاكل هي ان باراك لم يعين موظفا يكون "قيصر" تكون الصلاحيات كلها في يده، مثلما حصل في مشاريع مثل "حيتس". المعالجة الفاشلة لاسقاط القسام ستحظى قريبا بمعالجة حادة في تقرير جديد لمراقب الدولة.

دون جواب

المراسلون الاسرائيليون الذين دعوا الى مكتب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (ابو مازن) يوم الثلاثاء، اكثروا من سؤاله عن الانتخابات المتوقعة في اسرائيل. الرئيس، مدعوم بالنائب احمد الطيبي اجاد في التملص من اللغم قائلا: هذا موضوع اسرائيلي داخلي. سنعمل مع أي حكومة تنتخب. وعندما سُئل عن استمرار ولايته، شرح عباس على نحو وكأنه جاء بالمناسبة بانه في العام 2009 ستعقد انتخابات للرئاسة والبرلمان الفلسطينيين. ومع ان حماس تعارض تقديم موعد الانتخابات للبرلمان المزمع عقدها في كانون الثاني 2010، قال عباس انه اذا فشلت المحاولات لاستئناف الحوار بين فتح وحماس، فسيعلن من جانب واحد عن انتخابات مبكرة. وعندما سُئل "وماذا سيحصل اذا رفضت حماس، وكيف ستجرى الانتخابات في غزة؟" لم تكن لديه اجابة.

ومع أن احتمال ان تجرى قريبا انتخابات في المناطق هو احتمال متدنٍ، الا ان المنظمتين تصرفتا هذا الاسبوع وكأنهما في ذروة الحملة. حماس عقدت السبت الماضي في غزة مهرجانا بمناسبة 21 عاما على تأسيسها، بمشاركة نحو 200 الف شخص. وكان هذا استعراض هائل للقوة، وليس فقط بسبب حجوم الحدث (نحو سُبع سكان القطاع شاركوا فيه). بل ايضا بسبب الترتيب المثالي الذي ساد فيه. صحافي غزي قال انه بالمال الذي انفقته المنظمة على المهرجان يمكن ببساطة مساعدة بضع الاف من الاشخاص على العيش في ظروف الحصار القاسية في القطاع لشهر آخر.

وبالمقابل، عقد يوم الاثنين في المقاطعة في رام الله استقبال لـ 227 سجينا اطلقت اسرائيل سراحهم كبادرة طيبة لعباس. وهتف بضع مئات من المشاركين فقط وهم يحملون اعلام فتح وفلسطين، للرئيس حين بدأ يخطب. والمفارقة هي أنه رغم أن عباس وفتح ينجحان في المكان الذي فشلت فيه حماس حتى الان (تحرير السجناء وتحسين الوضع الاقتصادي) وجدت فتح صعوبة في تجنيد المشاركين في هذه المظاهرة.

لحماس من جانبها توجد مشاكل اخرى. وحدة الاراء السائدة فيها في الماضي تصاب بالشرخ باستمرار. في بداية الاسبوع كان صعبا اخفاء الخلاف عندما أعلن رئيس المكتب السياسي في دمشق خالد مشعل عن نهاية التهدئة بينما أعلن الناطقون بلسان الحركة في غزة بان كل شيء مفتوح. وبعد نحو 24 ساعة وحد الطرفان البث. من الان فصاعدا تمسك كل الناطقين في دمشق وفي غزة، بالخط الرسمي الجديد: التهدئة انتهت، ولكن حماس لن ترد الا اذا تعرضت للاعتداء من اسرائيل.

هوس وطني

المسرحية المنفرة التي عرضتها حماس في المهرجان في غزة، في موضوع جلعاد شليت، عكست مرة اخرى الفجوة الثقافية العميقة بين الطرفين: مع أن المنظمة تتابع وسائل الاعلام الاسرائيلية والكثير من زعمائها هم من خريجي السجون الاسرائيلية ولكنهم لا يزالون لا يفهموننا ونحن لا نفهمهم. المسرحية في غزة كانت صيغة حديثة لعادة اسلامية قديمة للهزء العلني بالعدو قبل الخروج الى المعركة. كما أن هذا كان تفكير على نمط حزب الله، بالتصويب نحو البطن الطرية، الى وعي الجمهور. ولكن اذا كانوا أملوا في غزة بان تمس المسرحية بالمعنويات الاسرائيلية، يبدو أنها اثارت اساسا التقزز من الموقف المستهتر لحماس تجاه حياة البشر. وبالمقابل، يحتمل ان تكون وسائل الضغط الكثيرة التي تستخدمها اسرائيل على الجمهور الغزي لا تؤدي الا الى تعزيز تأييده لحماس.

ولا يزال مصير الجندي المخطوف في اسرائيل مشكلة عسيرة، شبه هوس وطني. بعض محافل الامن التي تؤيد تحريرا كثيفا للقتلة مقابل اعادة شليت، يعللون الحاجة الى ذلك ايضا بالحاجة الى الاسراع لانهاء هذه القصة. قضية شليت اصبحت ذريعة للاستخدام السياسي الذي لا يساهم بهذه الصفة في تحريره. المنظمات لتحريره اصبحت حركة شعبية يرأسها عميد احتياط وتوزع صورة الجندي على القمصان. من الصعب أن نعرف اذا كان يمكن لشيء من هذا ان يحدث أي نتيجة أو انه يعزز تقدير حماس بان في وسعها ان تحطم قدرة الصمود الاسرائيلية. قضية شليت بالتأكيد ستدرس بمزيد من العمق في المستقبل. القصورات ولا سيما في بداية الطريق يمكنها أن تكون موضوعا مناسبا لمراقب الدولة. وزيرة الخارجية تسيبي لفني التي شرحت شيئا عن "ليس دوما يمكن اعادة الجميع الى الديار" حظيت بعد ذلك بالثناء على شجاعتها في الصحف. ولكن هذا النقاش يجري بقدر كبير بعد وقت طويل من فرار الجياد من الاسطبل.

كانت هناك خطوات غير قليلة كان يمكن لاسرائيل أن تتخذها في الصعود الى الطريف: الاعلان عن شليت وعن السجناء الفلسطينيين اسرى حرب، حظر زيارات الصليب الاحمر لدى السجناء، اختطاف اوراق مساومة من اوساط رجال حماس من غزة، في كل واحدة من الافكار تكمن احتمالات ومخاطر. ولكن كل خطوة كهذه ستستدعي مفاوضات تستغرق اشهر اخرى، يتعاظم فيها الخطر في أن يصاب شليت او يختفي.

مشكوك جدا ان يعاد شليت الى الديار في عهد ولاية ايهود اولمرت، رئيس الوزراء الذي وقعت عملية الاختطاف في اثناء وردية حراسته. منسق المفاوضات عوفر ديكل الذي فكر بالاعتزال عدة مرات كفيل بان يغادر مهامه في محيط نهاية ولاية اولمرت. المفاوضات المضنية حتى صفقة الاسرى مع حزب الله وضعته في مواجهة حادة مع رئيسي الموساد والمخابرات. الخلاف بين ديكل ويوفال ديسكن، رئيس المخابرات بقي على حاله وهو مشحون على نحو خاص. هذا الجدال لا يزال يجري بسبب حقيقتين اساستين: الجيش الاسرائيلي فشل حين لم يحبط الاختطاف؛ المخابرات فشلت في انها لم تنجح في العثور على شليت.

على طول الفترة التي مرت منذئذ فحصت خطط تنفيذية لانقاذ المخطوف من القطاع. ولكنها لم تنضج لان المعلومات الاستخبارية لم تكن بالدقة الكافية ولان الجيش لم ينجح في حياكة "بدلة عملياتية" تضمن احتمالا جيدا لانقاذ شليت حيا وانصراف القوة المنقذة من غزة بسلام. في الجيش الاسرائيلي يفترضون بان حماس تعلمت الدروس من حملة انقاذ نحشون فاكسمان التي انتهت بقتل الجندي على ايدي خاطفيه عند اقتحام دورية هيئة الاركان الى المكان. تقارير وسائل الاعلام العربية عن ان شليت محتجز في موقع مفخخ باحزمة ناسفة لا تبدو مدحوضة.

يوجد كثير من التفسيرات المنطقية لحقيقة أن شليت لم ينقذ حتى اليوم، بعد أكثر من 900 يوم من اختطافه، تماما مثلما توجد اسباب ممتازة لعدم احتلال القطاع من جديد. ولكن مشكلة اسرائيل تذكرنا بقصة الضفدع الذي يدخل الى وعاء ساخن تزداد درجة حرارتها كل مرة بدرجة واحدة. وهو يعتاد الوضع المتفاقم دون أن تستوعب معناه حتى النهاية.

انشر عبر