شريط الأخبار

فتحي الشقاقي الشعر على صهوة الشهادة

11:56 - 11 تشرين ثاني / أكتوبر 2017

هيثم
هيثم

فلسطين اليوم - وكالات


بقلم: هيثم أبو الغزلان

مَزَجَ الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي، الأمين العام السابق لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، بين اللغة الأدبية الراقية أدبًا وشعرًا، وبين كتابته بمداد دمه لفلسطين الأبية.

فالشقاقي اغتاله الموساد الإسرائيلي وحيداً غريباً في مالطا بتاريخ (26-10-1995)، بعد جهود بذلها مع القيادة الليبية آنذاك، لإعادة اللاجئين الفلسطينيين الذين طردهم القذافي من ليبيا.

 ظلَّ الشقاقي كما الشهداء حاضرين في الحياة وبقوة، نستلهم منهم عظمة التحدي، وقوة الحضور وإشارات النصر القادم.. وفي قصيدته: (حكاية من باب العامود) كتب: "تلفظني القدس إن كنت نسيت، تلفظني الفاء، تلفظني اللام، تلفظني السين، تلفظني الطاء، تلفظني الياء، تلفظني النون، تلفظني كل حروفك يا فلسطين، تلفظني كل حروفك يا وطني المغبون... إن كنت غفرت أو كنت نسيت".. وشعبنا كلّه يشهد، وأمتنا كلها تشهد أنه ما غفر وما نسي، وصدّق الكلام بفعل الشهادة؛

سيف ونسمة

أحبَّ الشقاقي الأشعار الثورية لمحمود درويش، ونزار قباني، وكتابات صافيناز كاظم، بل وكان له ذوق خاص في الفن، فقد أُعجب بالشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم. كان الشقاقي شاعرًا ومفكرًا وأديبًا، بل وقبل كل ذلك كان إنسانًا تجلّت فيه كل صفات الإنسانية.

عشق أطفاله الثلاثة: خولة، وأسامة، وإبراهيم، وبالرغم من انشغالاته بأمته وشعبه كان يخصص لهم الوقت ليلهو ويمرح معهم، تعلق كثيرًا بابنته خولة؛ لِما تميزت به من ذكاء حاد؛ إذ كان يزهو بها حينما تنشد أمام أصدقائه: "إنّا نحبُّ الوردَ، لكنّا نحبُّ القمحَ أكثرْ، ونحب عطر الورد، لكن السنابل منه أطهرْ..".

وتصفه السيدة فتحية الشقاقي أنه كان رقيق الشعور والعواطف ومتأثراً جداً بوفاة والدته التي فارقت الحياة وهو لم يتجاوز الخامسة عشر من العمر وتركت معه طفلاً رضيعاً فتَحَمَّل أعباء مسؤولية (الأسرة) باكراً. وتضيف أنه كان يكتب الرسائل إلى أمه كل عام وكانت رسائله حزينة شفافة تنم عن الرقة والمعاناة، فقد كانت والدته كل شيء في حياته فهي التي زرعت فيه حب المطالعة وحثّته عليه.

وأشار الدكتور عبد العزيز الشقاقي إلى أن الدكتور فتحي كان قارئاً متعمقاً في كتب الأدب والشعر والاقتصاد والفكر، حيث استشهد بكلمات كان يرددها دائماً عليه: "اليوم الذي لا تقرأ فيه ليس من حياتك".

وأضاف:" هذا الأمر صقل فتحي، وجعله لا يمل، فقد كان يخوض النقاشات الطويلة المعمقة ليخرج الذي أمامه وقد اقتنع كلياً بأفكاره".

 

كتب الشعر.. ثم استشهد

كان الشقاقي شاعرًا، من قمة رأسه حتى أخمص قدميه. كتب الشعر وقال به،.. لكنه وجد الكتابة لا تكفي، فجعل الشعر الشهيق والزفير والقيام والقعود والحركة والخطو نحو أعلى قمم الشعر: الاستشهاد.

وعنه كتبت الأديبة المصرية صافيناز كاظم: "يوم قرأت نبأ استشهاده في مالطا، أذاعوا اسمه فتحي الشقاقي، وحين تأملت صورة بدت غير مألوفة لدي، فقد كان لا يزال في مخيلتي يوم رأيته آخر مرة في القاهرة، صيف 1981، وكان اسمه لا يزال على لساني: عز الدين الفارس، كما قدّم نفسه إلي حينما كان في: مركز أبحاث مجلة المختار الإسلامي، ويكتب ويُوقّع باسم عز الدين الفارس، تيمُّنا باسم الشهيد البطل عز الدين القسام. وقتها كان ينهي دراسته بكلية الطب في جامعة الزقازيق ويخطو نحو الثلاثين من عمره، في وجهه البشاشة، وللأمل مفتوح الذراعين، وللحلم يرنو بنظرته. يحمل أوراق شعر وكلمات نثر مفعمة بالجمال، يستخدم فيما كثيرا وتعجبني في مواقعها.. كان يردد يكفي أن نغرس الشجرة ونحميها لتنمو وستجني الأجيال القادمة الثمرة الطيبة بديلًا عن الثمار المرة التي ورثناها نحن. أعجبته كلمة للإمام علي بن أبي طالب: "نعم الحارس الأجل"، قالها، كرّم الله وجهه، عندما نصحوه باتخاذ احتياطات ضد المتربصين به، فتحرر الشهيد منذ البداية من كل خوف ليتحرك خفيفًا طائرًا بجناحي: الشعر والأمل في الشهادة".

 

الأدب لتفجير الطاقات

اعتبر فتحي الشقاقي الأدب والفن أداتين خطيرتين لتغيير الآراء و التصورات ووسيلة لإحداث الثورة. والقصيدة الحقيقية عنده هي من تقوم بكشف الزيف وفضح الطاغية والرفع من شأن المظلوم والمقموع والمسجون والمضطهد والشهيد، لذلك كان عنده احتفال خاص ببعض القصائد التي تتحدث عن تلك الحالة التي يحاول فيها الإنسان المقهور أن ينفلت من قبضة الظالم ويتنبه لما يدور حوله ومحاولًا الخلاص مما تحيكه له يد الطاغية من مكائد ودسائس لتقضي عليه أو تقتله أو تنفيه أو تشهر به حتى تذهب قيمته وريحه ويهرب من ساحة المواجهة، كتب:

المجموعة: صفونا... صفا... صفا

الأجهر صوتًا والأطول

وضعوه في الصف الأول

ذو الصوت الخافت والمتواني

وضعوه في الصف الثاني

أعطوا كلا منا دينارًا من ذهب قاني

براقًا لم تلمسه كف من قبل

قالوا: صيحوا... زنديق.. كافر

صحنا زنديق كافر..

ويقول الدكتور سالم المحتسب أستاذ الأدب المعاصر في جامعة النجاح إن الشقاقي كان يعشق الأدب بكافة ألوانه سواء العربي أو الأجنبي وكان يتابع ما يصدر عن دور النشر العربية والعالمية. وأوضح المحتسب أن الشقاقي كتب الشعر والنثر وجمعها في كتيبات افتقدناها بعد رحيله وما تزال مجهولة المكان كانت من أروع ما قرأت وما سمعت.

وعندما رثى الدكتور رمضان عبد الله شلح، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، الشهيد فتحي الشقاقي، كتب: "ما دلّني عليه غير الشعر، لكنه حين ترجل عن صهوة جواده، سلبني وتر اللغة،.. وألزمني مقبض السيف، وكانت على وجهه ابتسامة النصر وحكمة الدهر: أن الشهادة هي ربيع الشعوب حين تقبل كأسراب النحل على أزاهير الحياة وشهد السيوف... كان أصلب من الفولاذ، وأمضى من السيف، وأرق من النسمة. كان بسيطاً إلى حد الذهول، مركباً إلى حد المعجزة! كان ممتلئاً إيماناً ووعياً وعشقاً وثورة من قمة رأسه حتى أخمص قدميه".

وعندما رثى الشهيد الشقاقي الشهداء، كان يرثي نفسه: "..فالشهداء لا يموتون، إنهم أحياءٌ يهبون لأمّتهم مزيداً من الحياة والقوة. قد يلغي القتل أجسادهم الظاهرة ولكنه يستحضر معنى وجودهم مكثّفاً خالصاً من نوازع الجسد وثقله، متحرراً من قيوده، ويطلقُ أرواحهم خفّاقةً حيّةً، مؤثرةً بحجم المعاني التي قُتلوا لأجلها وهم يدافعون عنها وحتى ينتصر دمهم على السيف، سيف بني إسرائيل وحلفائهم وأتباعهم".

يا جُرح تفتّح يا جرح

يا أهلي هاتوا الملح

حتى يبقى حيّا هذا الجرح

حتى يبزغ من ظلم الليل الصبح ..

لن أغفر لك

لن أغفر لك

تلعنني أمي إن كنت غفرت

تلفظي القدس إن كنت نسيت

* كاتب فلسطيني

انشر عبر