شريط الأخبار

كتابة بالقدمين!! * خيري منصور

09:34 - 17 تشرين أول / ديسمبر 2008

حتى البارحة كانت اشهر قصة حذاء في التاريخ العربي هي حكاية حذاء الطنبوري لكن حذاء الزيدي استولى على كل ما له صلة بهذا الامر ، وعدد الرسائل التي تبادلها العرب المجروحون في صميم كبريائهم الوطني حول هذه الواقعة يوضح الى حدّ كبير حجم الألم والخذلان واخيرا الانتقام ولو بوسيلة رمزية.

 

قبل خمسة عشر عاما صدر لي كتاب بعنوان الكتابة بالقدمين ، واذكر ان بعض اصدقائي استهجنوا هذا العنوان ومنهم شعراء عراقيون. رغم ان ما كنت أعنيه بهذا العنوان هو ما قاله السهروردي المقتول الذي استُدرج الى حلب ليحكم عليه بالموت جوعا فقد كتب على جدار سجنه:

 

أرى قدمي أراق دمي..

 

لم يخطر ببالي أو ببال هؤلاء الاصدقاء ان الحذاء حتى لو كان رخيصا ومرقعا بسبب الحصار والتجويع يصلح احيانا سلاحا مضادا للصواريخ وردا حاسما وان كان رمزيا على الأباطرة المدججين بالاسلحة النووية والحواسيب الذكية والصواريخ العابرة للقارات والهويات والحضارات،

 

نعرف ان الحذاء ليس من أدوات الكتابة والصحافة ، لكن التاريخ يمر احيانا بلحظات ينعدم فيها كل ما له علاقة بالمعايير الكلاسيكية ، وتضطر الشعوب للتعبير عن الغيظ المكظوم والحصار والخذلان الى استخدام أدوات ذات بعد رمزي فالبيض والبندورة وحتى الحجارة ليست اسلحة فتاكة وقد لا تشج رأس عصفور ، لكنها تشج رأس امبراطور على مستوى معنوي.

 

حذاء الزيدي سطر آخر يضاف الى الكتاب المسكوت عنه والمحظور اعادة طبعه ونشره ، فالحلبي الذي قتل الجنرال كليبر بعد ان عاثت خيوله فسادا في أروقة الأزهر كان يعرف ان فعلته رمزية ، وان قتل جنرال واحد من امبراطورية لن يضع حدا للاحتلال والانتهاك..

 

من الصعب علينا ان نحتكم مهنيا واخلاقيا الى تقاليد لا تبيح لنا التعبير بهذه الصورة عن غضبنا ، فالتاريخ كله الان قيد الاعتقال. ولا ندري أية أقدار تلك التي دفعت الرئيس بوش الى ان يسعى بقدميه الى هذه اللحظة ، فيزور بغداد لتودعه بحذاء من الوزن الثقيل ومن قياس خمسة وأربعين كما علق الرئيس بوش ساخرا.

 

مشهد سيقترن حتى القيامة باسم الرئيس جورج بوش الابن ، ولا سبيل الى حذفه حتى لو أبيدت الزّيدية كلّها ، فقد سبق السيف العذل. وان كان الحذاء قد اخطأ الرأس الذي صوب اليه فقد أصاب ما هو أهم منه ومن كل اعضاء الجسد ، اصاب الامبراطورية في صميم نرجسيتها المتعالية..

 

وداع سعى اليه الرئيس الغارب كي يعثر مبتدأ التاريخ على خبره الضائع،،

 

 

انشر عبر