شريط الأخبار

في مديح نهج «القندرة» ..عبدالله اسكندر

08:47 - 17 كانون أول / ديسمبر 2008


الحياة     - 17/12/08//

 

أن يقدم شخص ما على رشق شخصية عامة بحبة طماطم او حبة بطاطس فاسدة في مكان عام، وأن يعتدي شخص ما على مثل هذه الشخصية بالكلام أو الفعل، فذلك يقع ضمن الأخبار المتفرقة الطريفة والمثيرة لشهية وسائل الاعلام، ويحدث في أي مكان في العالم. وليس نادرا حصول مثل هذه الحوادث المتفرقة التي قد يصل بعضها الى حد الاعتداء الكلامي او الاعتداء الجسدي. وحتى في هذه الحال، يتم التعامل مع المسألة على انها تقع في اطار عمل فردي، بغضّ النظر عن دوافعه. ولا يشذ عن القاعدة رشق الرئيس بوش بحذاء، حتى لو كان الفاعل صحافيا، وفي مناسبة مؤتمر صحافي في بغداد.

أن يُعتبر الدافع الى الحادثة على انه تعبير عن غضب هذا الصحافي على سياسة الولايات المتحدة في العراق، ممثلة برئيسها الذي تعرض ويتعرض لأقسى حملة نقد، في بلاده والخارج، بفعل الحصيلة الكارثية لهذه السياسة لا يلغي الطابع الفردي للعمل. وذلك بغضّ النظر عن الظروف المستجدة في عراق ما بعد حكم صدام حسين، والتي بات يمكن فيها لمواطن عراقي ان يكون صحافيا في وسيلة اعلامية مستقلة، وتُوّفر له ظروف عمل، حتى لو لم تكن مثالية.

لكن ان تكون الردود، في البلدان العربية، على الحادثة على النحو الذي جرى التعبير عنه، خصوصا من صحافيين ومحامين وجماعات سياسية لا تعرف سوى التوتاليتارية في سلوكها الداخلي وعلاقتها بالآخرين، فهذه مسألة تستحق الوقوف والتفكير. لأن الحادث يخرج عن اطار التعبير الفردي ليصبح ظاهرة جماعية، تحمل رموزا اجتماعية واخلاقية وسياسية، تتعلق بالخصم وكيفية مواجهته والانتصار عليه.

الحذاء، لدى العرب، يحمل معنى الإهانة وقلّة الاكتراث بالآخر، وايضاً معنى القوة وتحقير الخصم. لكن هذه المعاني ليست بالضرورة ما يحملها الحذاء في ثقافات اخرى، لذلك لم يعتبر بوش نفسه انه تعرض للإهانة كما يحاول تفسير الأمر المتضامنون مع الصحافي العراقي. بل كان همّه تثبيت الاتفاق الأمني مع الحكومة العراقية، وهذا ما حصل عليه. اي ان المعادلة هي ببساطة: يحقق الخصم اهدافه السياسية ونحن نكتفي بوهم إهانته.

اما عن «الانتصار التاريخي» على الولايات المتحدة، والذي سمعناه في تعليقات وتحاليل فضائية، فهو يتساوى مع الانتصار التاريخي لصدام حسين، بعدما طُرد من الكويت عسكريا، عندما وضع صور بوش الأب على مداخل الفنادق لتدوسها الأحذية، فتحوّل وهم الإهانة لديه الى انتصار وهمي. كما يتساوى مع وهم الانتصار بإطاحة صدام، خلال الغزو، بمجرد ركل تماثيله المتساقطة بفعل الدبابات الاميركية وضربها بالأحذية، لتنفلت بعدها وحوش الطائفية من عقالها، ويحل القتل والسحل بديل الركلات. وليتساوى معنى الضرب بالحذاء مع القتل المادي المقصود. في حين كان الاحتلال يتوسع ويتركز ويعيد تركيب العراق، الوطن والمصالح، بحسب ما اعتبره مصالحه.

والمتضامنون مع الرشق بالأحذية، ومانحو الأوسمة لفاعله، ذهبت بهم الحمية الى حد اعتبار ان هذه هي اللغة الوحيدة التي يفهمها المحتل - الخصم. ولم يتردد بعضهم في اكتشاف ان هذا النهج وسيلة ناجحة، وحتى «تاريخية»، لإلحاق الهزيمة بهذا الخصم والتنكيل به، مثلها مثل النضال السلمي للمهاتما غاندي والرئيس الجنوب الافريقي السابق نلسون مانديلا، وحتى الحجارة في الانتفاضة الفلسطينية.

وما دام الأمر كذلك، قد نرى قريباً احدهم، في جمعيات الدفاع عن نهج «القندرة»، يعلّق حذاء في رقبته ليظهر مدى الهزائم التي ألحقها بالأعداء!

 

انشر عبر