شريط الأخبار

حافة الهاوية بين "إسرائيل" وروسيا في سوريا

12:28 - 12 أيلول / سبتمبر 2017

د‏.‏ محمد السعيد إدريس
د‏.‏ محمد السعيد إدريس

فلسطين اليوم

د‏.‏ محمد السعيد إدريس

على عكس كل التوقعات قررت إسرائيل «أن تخوض في المحظور». أن تتحدى روسيا، وعسكرياً، في سوريا، وأن توجه، في ذات الوقت، لطمة إلى الحليف الأمريكي الذي تقاعس، ربما للمرة الأولى، عن الدفاع عن مطالب تراها إسرائيل «مصالح وضرورات أمنية حيوية» في سوريا، إسرائيل قررت أن تكون تهديداتها التي صدرت على لسان كبار قادتها السياسيين والعسكريين عقب الزيارة الفاشلة لرئيس حكومتها بنيامين نيتانياهو لروسيا «تهديدات ذات مصداقية كاملة»، من هنا جاءت غارتها الجوية فجر الخميس الماضي (7 سبتمبر 2017) على منشأة عسكرية تابعة للجيش السوري في منطقة «مصياف» حيث الانتشار العسكري الروسي المكثف بمثابة «إعلان تحٍّد» وتطرف إلى مستوى «حافة الهاوية» ليس مع النظام السوري أو حتى إيران و»حزب الله» بل وبالأساس مع روسيا.

 

هل هذا ما تريده فعلاً إسرائيل؟ أن تدخل في صراع مكشوف إلى هذا الحد مع روسيا، ومن ثم يكون علينا توقع تورط إسرائيل في حرب شاملة على الأراضي السورية، أم أن هذه الغارة مجرد إشارة لإعلان جدية تمسك إسرائيل بمطالبها وخطوطها الحمراء في سوريا التي لم تلق آذاناً صاغية لا في واشنطن ولا في روسيا التي زارها رئيس الحكومة بنيامين نيتانياهو للحصول على ضمانات روسية كاملة وواضحة لمطالب إسرائيل بإخراج أعدائها (إيران وحزب الله) نهائياً من سوريا.

 

البداية كانت عقب انتهاء نيتانياهو من لقائه في مصيف «سوتشي» مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عندما بادر نيتانياهو بإجراء محادثة هاتفية جمعته مع المراسلين السياسيين في إسرائيل حيث حرص على تأكيد أمرين أولهما؛ أن «فرصة منع حرب في المستقبل تكون أكبر في حال ألا تكون إيران في سوريا». وثانيهما، أن «إسرائيل ستهتم بأن تدافع عن نفسها بشتى الوسائل في مواجهة التهديد الإيراني». أوضح نيتانياهو أنه أكد ذلك في لقائه مع الرئيس الروسي، وتطرق إلى احتمال أن يتسبب الوجود الإيراني في سوريا بحرب إقليمية في المستقبل، وقال «سنتحرك حيث يستوجب الأمر ذلك وطبقاً لخطوطنا الحمراء، وعندما فعلنا ذلك في السابق لم نطلب إذن أحد».

 

كان لافتاً في حديث نيتانياهو حرصه على الربط بين ما تدركه إسرائيل من خطر وبين أمرين لهما أهمية كبرى في التخطيط الإستراتيجي الإسرائيلي. الأمر الأول أن الوجود الإيراني في سوريا خطر لا يقتصر مداه على إسرائيل وحدها، ولكنه يشمل دولاً عربية «سُنية» تتطابق إدراكاتها الأمنية للخطر الإيراني مع الإدراك الإسرائيلي، وهو هنا أراد إن يقول أن المطالب الإسرائيلية لها صداها عند أطراف أخرى مهمة بالمنطقة يجب أن تأخذها روسيا في الاعتبار. فقد ذكر نتنياهو أنه «طرح على مسامع الرئيس بوتين قلقاً لا يساور إسرائيل وحدها، إنما يساور أيضاً دولاً كثيرة في المنطقة تخشى دخول (الشيعة) في الحيز (السُني)، وستكون لذلك إسقاطات كثيرة».

 

أما الأمر الثاني فيخص هزيمة «داعش» وانحسار نفوذها، وهو أمر يجب أن تعطيه إسرائيل الأهمية التي يستحقها، وألا تسمح أن تكون خسائر «داعش» مكاسب إيرانية، ما يعني أن «داعش» كانت تؤدي أدواراً إسرائيلية مهمة في سوريا، وأن غيابها يفرض على إسرائيل التدخل المباشر ومنع إيران من أن تكون الطرف الفائز في معادلة توازن القوى داخل سوريا. لذلك قال إن «الخطوة الإيرانية موجهة أساساً ضدنا ونحن لن نبقى غير مبالين»، وزاد أن التقديرات تقول إن «داعش» يفقد قوته «وعليه فثمة حاجة ملحة الآن لتقييد حركة إيران».

 

من قرأ هذه التصريحات والنوايا الواضحة كان بمقدوره أن يعرف أن إسرائيل «تخطط لفعل شىء مهم ضد الوجود الإيراني في سوريا»، خصوصاً بعد أن تبلور «شبه إجماع وطني» على «خيار التحدي» على لسان العديد من كبار المسئولين ابتداءً من وزير الدفاع أفيجدور ليبرمان الذي أكد أن بلاده «لن تعتزم ضبط النفس حيال الوجود الإيراني في سوريا، وأنها لن تكتفي بلعب دور المتفرج الحيادي»، مروراً برئيس حزب «البيت اليهودي» المتطرف وزير التعليم نفتالي بينيت الذي أكد أن إسرائيل «لن تعتمد فقط على الولايات المتحدة وروسيا وأنها تحتفظ لنفسها في الحق في الدفاع عن نفسها ضد الإيرانيين».

 

بعد كل هذه التأكيدات والتهديدات بات واضحاً ومؤكداً تبلور إدراكين إستراتيجيين إسرائيليين أولهما، أن الأمن القومي الإسرائيلي مهدد بالوجود العسكري الإيراني في سوريا. ثانيهما، أن هذا الأمر لا يخص لا واشنطن ولا موسكو ولكنه مسئولية إسرائيلية بحتة، ما يعني أن الأمر أضحى قراراً إسرائيلياً محضاً، لكن ظل الشغل الشاغل هو ما هو هذا القرار؟.

 

كان هناك العديد من الاجتهادات أبرزها ما أورده غيورا أيلند الرئيس الأسبق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي في مقال نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» حدد فيه أربع مهام ليس من بينها أي دور عسكري وتدخل ضمن مهام «الاحتواء الإستراتيجي للتهديد» ما يعني أنها كانت في الاتجاه المعاكس لما قد رسخ عند القيادة الإسرائيلية خاصة بعد ما نشرته صحيفة «برافدا» الروسية ونقلته صحيفة «يديعوت أحرونوت» والذي حسم الخيار الإسرائيلي بالعملية العسكرية التي جرى تنفيذها. فقد توقفت الصحيفة الإسرائيلية أمام معطيين وردا فيما نشرته البرافدا الناطقة الرسمية بلسان الرئيس بوتين؛ أولهما يقول إن «إسرائيل لا يمكنها أن تعلِّم الكرملين ما يجب على صناع السياسة الروس فعله لترسيخ سياستهم في الشرق الأوسط». وثانيهما أن «روسيا ستواصل تعزيز وتضخيم تأثير إيران في المنطقة، (لموازنة تحالف واشنطن وتل أبيب مع الدول السُّنية المعتدلة في المنطقة)».

الغارة الإسرائيلية حسمت «الخيار الإسرائيلي» لكن يبقى السؤال الأهم: هل حققت الأهداف؟.

كشف الجنرال عاموس يادلين رئيس معهد أبحاث الأمن القومي في إسرائيل الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية عن ثلاث رسائل أرادت إسرائيل توصيلها إلى كل من يعنيهم الأمر بهذه الغارة هي: 1- منع تعزيز القدرات العسكرية السورية ومنع سوريا من إنتاج أسلحة إستراتيجية متقدمة. 2- فرض مصالح إسرائيل رغم تجاهل القوتين العظميين. 3- أن الدفاعات الروسية في سوريا لا تمنع إسرائيل من التحرك العسكري. هذه الرسائل وصلت حتماً، لكن لا يوجد ما يؤكد أن الأهداف قد تحققت في ظل محاولات إسرائيل احتواء الحدث، وفي ظل تفضيل موسكو خيار الصمت، وهو صمت لا ينافسه غير الصمت الإيراني الذي يحمل رياح الخطر في ظل صراع إرادات عالي المستوى أحد أطرافه قوة عظمى بحجم روسيا، صراع لم تألفه إسرائيل من قبل من شأنه أن يدفع بها نحو «حافة الهاوية».

انشر عبر