شريط الأخبار

روسيا في سوريا - بين ايران واسرائيل -نظرة عليا

01:30 - 10 أيلول / سبتمبر 2017

فلسطين اليوم - وكالات

بقلم: تسفي مغين، اودي ديكل، سيما شاين

(المضمون: على اسرائيل أن تتعامل مع روسيا في سوريا بصفتها قوة معنية بتواجد معين للايرانيين، ولكن على مصالح متضاربة معها ايضا، وبالتالي على هذه السياسة أن تكون عاقلة تضمن مصالحها الامنية دون الدخول في صدام مباشر مع روسيا ومصالحها في سوريا – المصدر)

إن تحول روسيا الى عامل هو الاكثر تأثيرا في سوريا منذ أواخر 2015 جعلها ضمن أمور اخرى كاسفين بين تطلعات ايران في المنطقة وبين المصالح الاسرائيلية من الجهة الاخرى. ودار لقاء الرئيس بوتين ورئيس الوزراء نتنياهو حول التواجد والنفوذ الايراني في سوريا، فيما تحاول روسيا المناورة والتوازن بين الارادات المتضاربة. وبسبب تراجع الولايات المتحدة الى دور ثانوي، اصبحت روسيا العنوان الرئيس لاسرائيل في مساعيها لاحباط التهديد الايراني في الساحة الشمالية، وبالتالي فان على الاخيرة ممارسة روافع ضغط على موسكو، بصفتها هي التي بوسعها ان تؤثر على ايران.

توجد تقارير متضاربة، معظمها مغرضة، حول سير اللقاء الذي عقد في 23 آب بين رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مدينة سوتشي. في مركز اللقاء بحث التدخل الايراني المتعاظم في سوريا والدور الذي تمنحه روسيا لايران في تصميم التسوية السياسية المستقبلية هناك. وحتى قبل اللقاء نقلت اسرائيل رسائل حادة عبرت عن تقديرها بان استمرار التواجد الايراني في سوريا ينطوي على تهديد ملموس عليها. وبالتوازي بذل جهد اسرائيلي لاقناع الولايات المتحدة بالامتناع عن ترك الساحة السورية بشكل مطلق في ايدي روسيا، وبشكل غير مباشر الى ايران (نهاية معظم الاراضي التي تحررها الولايات المتحدة من سيطرة الدولة الاسلامية ان تستولي عليها ايران وفروعها).

السؤال الاساس هو انتج اللقاء بين نتنياهو وبوتين توافقات وقرارات عملية تساعد على منع وتقليص التدخل الايراني في سوريا. روسيا من جهتها تحاول ايجاد السبيل الذهبي بين المساهمة الايجابية من جانب ايران للتحالف المؤيد للاسد بقيادتها، وبين مراعاة المصالح الاسرائيلية المهددة عقب اتساع التواجد والنفوذ الايراني في سوريا. تقدر موسكو بان الميول الحالية المتعارضة –

السلوك الايراني في سوريا والتخوف الاسرائيلي النابع من ذلك – ستؤدي آجلا أم عاجلا الى عملية عسكرية اسرائيلية، بوسعها أن تغير الصورة وتضعضع الاساسات المتهالكة لنظام الاسد، والتي تقوم عليها التسوية السياسية التي تسعى روسيا الى اقامتها في سوريا.

في الحساب العام لروسيا، الذي يراعي الاثار المحتملة للتسوية في سوريا على مكانتها الدولية تحاول هي دفعه الى الامام من موقع التفوق العسكري والسياسي الذي حققته هناك – بقدر كبير على حساب مكانة الولايات المتحدة في الساحة. التسوية الحالية في سوريا، والتي تتضمن وقف النار واقامة مناطق تهدئة، أملتها روسيا، فيما أدت الولايات المتحدة في بلورتها دورا ثانويا فقط (الحالة الوحيدة من التنسيق الناجح بين ادارة الرئيس ترامب وروسيا). وتلخصت مساهمة الولايات المتحدة اساسا في المحاولة لان تحفظ في اطار الاتفاق مصالح حليفيها الاستراتيجيين – اسرائيل والاردن – من خلال البدء بتطبيق التسوية لوقف النار واقامة منطقة التهدئة في جنوب سوريا.

الاردن، الذي هدفه الفوري هو الاستقرار والتهدئة في جنوب سوريا، رأى التسوية بعين الايجاب، ضمن امور اخرى كخطوة أولية لاعادة لاجئين سوريين من اراضيه الى ديارهم. وبالمقابل، فان اسرائيل، التي لا تكتفي بوعود روسية عامة لمنع اقتراب قوات ايرانية من مسافة اقصر من 30 كيلو متر عن الحدود في هضبة الجولان، لم تحصل على مطلبها. ورغم الاسناد الامريكي، فان التسوية لا تستوفي مطالبها في كل ما يتعلق بابعاد القوات الايرانية وفروع طهران عن سوريا.

اسرائيل تتحدى مصالح القوتين العظميين: روسيا – بالنسبة لتعلقها بالقتال البري من جانب ايران وفروعها الى جانب الرئيس الاسد؛ والولايات المتحدة – في التشديد على ضرورة تعميق دورها في سوريا، رغم أنها منحت عمليا لروسيا مهمة معالجة "الملف السوري" باسم مسؤوليتها للحرص على المصلحة الاسرائيلية والاقليمية، حتى بثمن رفع الاحتمال للمواجهة مع روسيا.

من ناحية مصالح روسيا في سوريا، فان التدخل الايراني في هذه الساحة مشروع تماما مثلما هو التدخل الروسي نفسه مشروع. والمبرر لهما هو دعوة النظام الشرعي في سوريا، برئاسة الرئيس الاسد، للمساعدة من شركائه الاستراتيجيين، ايران وروسيا، للقضاء على معارضيه وابقائه في

الحكم. وذلك، بخلاف الولايات المتحدة، التي لم يكن تدخلها مطلوبا. واستمرارا لذلك وفي النظرة الروسية، لايران يوجد ايضا دور في تصميم سوريا (في اليوم التالي) للحرب الاهلية. واستعداد ايران للقيام بالعمل "القذر" على الارض وتوفير سند ذي مغزى لاعادة بناء مكانة نظام الاسد يجعلها ذخرا بالنسبة لروسيا. فضلا عن ذلك، حددت روسيا ايران، الى جانب تركيا كجهة تضمن التسوية في سوريا في اطار محادثات الاستانة بقيادة موسكو.

ومن الجهة الاخرى يجب الاخذ بالحسبان بانه كلما استقر الوضع في سوريا، وبالاحرى اذا ما تبلور مبنى سياسي فيدرالي مثلما تقترح روسيا، فان ايران كفيلة بان تصبح لاعبا منافسا لروسيا على الهيمنة والنفوذ في الدولة. ومن المتوقع لايران ان تتآمر ضد ثبات مبنى فيدرالي لانها تفضل حكما مركزيا علويا، قويا ومستقرا يكون خاضعا لنفوذها.

وإذ تأتي اسرائيل لبلورة السياسة والرد على التهديد الايراني في سوريا، فانها تستند الى فرضيتين اساسيتين. اهمهما هي مركزية روسيا في تصميم سوريا. والثانية هي ان روسيا، في الوقت الحالي، ودية لاسرائيل. روسيا، من جهتها، ترى في اسرائيل هي الاخرى دولة صديقة، والاهم من ذلك – لاعب اقليمي هام، ذا مكانة سياسية واقتصادية يجب مراعاتها. وبتقدير موسكو لاسرائيل قدرة على تعريض انجازاتها في سوريا للخطر بسبب قدرتها العسكرية المثبتة وذلك اضافة الى احتمال انخراطها كقوة مؤثرة في المعسكر الاقليمي الموجه ضد النفوذ الايراني المتعاظم في المجال. حتى الان ترجمت هاتان الفرضيتان الى تعاون. اسرائيل وروسيا على حد سواء تريان الواحدة بالاخرى شريكا لتنسيق عسكري ناجح، ولا سيما لان ادارته كانت تنطوي على مراعاة مصالح الطرفين.

من الصعب الافتراض بان مواقف اسرائيل، مثلما عرضت على الرئيس الروسي الواعي جيدا لصورة الوضع، قد سقطت على اذنين صماويين. ففي هذه المعركة المعقدة المتعلقة بالساحة السورية لا توجد اليوم جهة، بما في ذلك ايران، معنية بتصعيد كفيل بان يؤدي الى حرب مع اسرائيل، مصيرها المس الشديد بالمشروع الايراني (وبشكل غير مباشر الروسي ايضا) في سوريا. ايران نفسها تراعي شراكتها مع روسيا، ولاعتباراتها هي، في هذه المرحلة على الاقل لا تبحث عن مواجهة مباشرة مع اسرائيل. وعليه، من المتوقع أن تأخذ بالحسبان التهديدات الاسرائيلية. ومعنى هذه الامور هو تقليص نشاطها العسكري العلني، ولا سيما في جنوب سوريا – حتى لو نشأ تناقض مع الخطاب الثابت للقيادة الايرانية وللامين العام حسن نصرالله. وفي نفس الوقت تعود ايران لتؤكد

على أن ليس في نيتها اقامة قواعد في سوريا وان نشاطها يتم هناك انطلاقا من قواعد الجيش السوري – بمعنى انه جزء من الطلب السوري لتقدم المساعدة.

خلاصة وتوصيات

على اسرائيل أن تبلور سياستها وخطواتها مع المراعاة لثلاثة اضطرارات مركزية. الاول، حذار عليها ان تسمح لتثبت ايراني في سوريا على مدى الزمن، مما يجعل سوريا دولة مرعية ايرانية ويوسع منطقة الاحتكاك بينها وبين ايران وفروعها. الثاني، العلاقات مع روسيا هي ذخر استراتيجي لاسرائيل ولهذا السبب فان عليها ان تناور بين تهديد مصداق وابداء استعداد لضرب المصالح الروسية الحيوية في سوريا، وبين الرغبة في مواصلة التنسيق الاستراتيجي المثمر مع موسكو. الثالث، الولايات المتحدة، التي هي الحليف المركزي لاسرائيل، لن تقوم بالعمل نيابة عنها. اضافة الى ذلك، فان ادارة ترامب ترى في الساحة السورية مكانا لتحقيق التعاون مع موسكو، والذي هو معني بتوسيعه ايضا الى ساحات اخرى (على رأسها كوريا الشمالية). وبالتالي لا توجد ارادة امريكية للتورط في المستنقع السوري حسب النموذج الفاشل لافغانستان والعراق. وفي كل الاحوال، واشنطن ستمنح اسنادا سياسيا لكل طريقة عمل اسرائيلية، بما في ذلك العسكرية وبحجم واسع – ولكن ليس اكثر من ذلك.

في ضوء كل هذا، فان صراع اسرائيل ضد النفوذ المتسع لايران في سوريا سيحسمه قدرة ايران واسرائيل على ممارسة روافع التأثير الناجعة على روسيا. روسيا من جهتها ستحاول المناورة بين المطالب الاسرائيلية وبين الحاجة الى التعاون مع ايران، ضمن امور اخرى من خلال اعطاء وعود متضاربة للطرفين. وبالتالي، نوصي اسرائيل أن تتعاطى بحذر مع وعود روسيا بهذا الشأن وتحسن جاهزيتها لاستخدام القوة بحكمة وعلى مستوى متدني، في مواجهة اهداف تثبيت الوجود الايراني في سوريا وبناء على عدة مباديء:

أ. التوافق مع روسيا بالنسبة لتواجد ايراني مضبوط في شمال دمشق، على مسافة 40 كم على الاقل عن هضبة الجولان، يكون محدودا بالزمن حتى اخراج كل القوات الاجنبية من سوريا. وذلك في ظل

التشديد على الحاجة الى الرقابة الروسية في الميدان، الى جانب حرية عمل اسرائيلية في المجال السوري اللبناني لغرض الحفاظ على مصالحها الامنية الحيوية.

ب. دور اسرائيلي في المداولات وفي القرارات المتعلقة بتصميم سوريا والنظام فيها.

ج. دور اسرائيلي في ما يجري في سوريا، ولا سيما في جنوبها، مثلا بمساعدة قوات الجيش السوري الحر الذي تركته وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية لحاله، مباشرة أو عبر الاردن، وربما حتى من خلال اقناع الولايات المتحدة بالعودة الى دعم هذه القوة. وذلك من اجل أن تكون مركز قوة يمنع تثبيت وجود القوات الايرانية والتحالف المؤيد للاسد في جنوب الدولة.

د. استخدام عاقل لقوة الاضرار الاسرائيلية في المجال السوري واللبناني كوسيلة لتثبيت الردع ومن اجل اقناع روسيا لفرض الخطوط الحمراء التي وضعتها اسرائيل بالنسبة لايران. وفي الرد على الخطوات الايرانية الاستفزازية، على خطوات اسرائيل التنفيذية أن تتضمن اجراءات مفاجئة، تتجاوز المستوى المعروف من خصومها وتنقل رسالة تصميم لمنع هيمنة ايرانية وتثبيت وجود القوات والشبكات الايرانية في سوريا على مدى الزمن.

ه. عمل عاقل لزيادة مراكز الاحتكاك بين روسيا وايران في سياق المنافسة على الهيمنة في سوريا والتأثير على تصميم المبنى السلطوي في الدولة.

انشر عبر