شريط الأخبار

تفاصيل تخفي الجوهر/ بقلم: ايلي فودا

05:07 - 14 تشرين أول / ديسمبر 2008

هآرتس:(المضمون: الاسرائيليون يركزون على التفاصيل في مبادرة السلام العربية حتى يطمس الجوهر وهو الاعتراف بالتغيرات الايجابية في الجانب العربي - المصدر).

 

الجدل الجاري في الاونة الاخيرة فوق صفحات صحيفة "هارتس" حول مغزى البند المتعلق باللاجئين في مبادرة السلام العربية، يعتبر جيدا عن الطريقة التقليدية التي يواجه فيها المجتمع الاسرائيلي التغيرات الحاصلة في الجانب العربي. هذا نهج يتعامل مع النفوس والكلمات ويتمحور حول تحليل الفقرات- سواء كان ذلك اتفاقا ام مبادرة ام رسالة ام مجرد خطاب- من خلاله نظرة وفلسفة خاطئة مفادها ان التحليل "الصحيح" سيوفر لنا الرد حول كيفية مواجهة القضية المطروحة على بساط البحث. ولكن بما ان نهج النصوص مفتوح على التأويلات والتفسيرات لطبيعته، فهو يوفر تميزا وتفوقا لاولئك الذين يطرحون الشكوك وعلامات الاستفهام.

 

اطلالة سريعة على تاريخ الصراع الاسرائيلي- العربي (والفلسطيني بصورة خاصة) يشير الى ان النقاشات التي تدور حول الكلمات كما اسلفنا قد شغلت المجتمع الاسرائيلي في عدة مفترقات هامة من التغير في حالة الصراع. على سبيل المثال الصياغة الجديدة لقرارات المجلس الوطني الفلسطيني الصادرة في حزيران 1974، حول اقامة "حكم وطني مستقل مناضل فوق كل جزء من الاراضي الفلسطينية المحررة"، ادى الى حالة نقاش شاملة حول كون هذا الامر تنازلا من م ت ف عن التطلع لتحرير كل فلسطين، ام انه مجرد تغيير شكلي مع الابقاء على الجوهر، في ظل القول ان الصراع لتحرير كل الاراضي الفلسطينية سيتواصل كما ورد في موقع اخر من الوثيقة. نحن نعرف في السياق التاريخي ان التغيير في موقف م ت ف قد بدا هنا وكانت الذروة بقبول القرار 242 في العام 1988 وفي التوقيع على اتفاقيات اوسلو.

 

نقاش اخر جرى حول قيام م ت ف بالغاء الميثاق الفلسطيني بعد اتفاقيات اوسلو اوعدم الغاءه. خيرة المستشرقين جندوا لتحليل كلمات ياسر عرفات ، المجلس الوطني الفلسطيني، من اجل سبر غور تلك النصوص والتأكد من وجود تغيير في الموقف الفلسطيني ام انها مجرد خدعة فارغة. في كل الاحوال يتبين لنا في نظرة للوراء ان الميثاق اصبح وثيقة تاريخية غير ذات صلة بالواقع الجاري.

 

الميل الاسرائيلي لتركيز على تحليل النصوص يمكن ان يعتبر لاحقا امتدادا مباشرا للثقافة اليهودية، التي ركزت دائما على التفاصيل الواردة في النصوص التوراتية وغيرها من الكتب الدينية، ولكن التركيز على تحليل النصوص يؤدي بصورة فعلية الى حرف الانتباه عن الجوهر: النقاش حول مغزى الوثيقة المطروحة على النقاش واهميتها. التركيز على النصوص يتيح للمشاركين به خصوصا المعارضين له او الخائفين منه- ان يبرزوا الجوانب السلبية من الوثيقة، الامر الذي يؤدي الى الغاءها او التقليل من اهميتها من خلال ذلك. ابراز الجانب السلبي من الوثيقة الايجابية بصورة عامة يعبر عن خوف كامل من مواجهة التغييرات المحتملة في موقف الجانب الاخر_ تغيرات تستوجب مجابهة حقيقية لمغزاها ومعانيها.

 

وبالعودة لمبادرة السلام العربية: يبدو ان النقاش الاسرائيلي حول هذه المبادرة التي ولدت قبل سبع سنوات، قد اجتاز ثلاثة مراحل: في المرحلة الاولى كان هناك تجاهل، وفي الثانية ابرزوا النواقص، اما في الثالثة اي الحالية فهم يعترفون جزئيا باهمية التغيير التاريخي في الموقف العربي. المعارضون ما زالوا يتشبثون بالنقاط المثيرة للخلاف والتركيز على انها وثيقة ضارة- الامر الذي يشير الى عمق التفسير اليهودي والفلسفة اليهودية.

 

اما بالنسبة للنقاش التفصيلي في قضية صياغة موضوع اللاجئين الفلسطينيين او اية قضية اخرى (مثل الانسحاب الكامل حتى خطوط 67 بما ذلك شرقي القدس وغيرها)، يجب القول ان مبادرة السلام العربية ليست خطة سلمية مفصلة ومرتبة، وانما هي مؤشر او خريطة طريق محتملة، تعبر عن الاجماع العربي من اجل التوصل للحوار التفصيلي الطويل الذي يفضي باتفاق سلام مفصل. على سبيل المثال الخطة لا تتطرق بالمرة للمستوطنات، ولكن هل هناك شك انها ستكون قضية مركزية في اية مفاوضات؟.

 

بكلمات اخرى يتوجب اعتبار المبادرة اداة لدفع المفاوضات السياسية- خصوصا في الفترة التي وصلنا فيها الى طريق مسدود في المحور الاسرائيلي – الفلسطيني وتغيير الحكم في الولايات المتحدة، وفي اسرائيل، وربما ايضا في السلطة الفلسطينية. المسافة بين التصريحات والاقتراحات الاولية وبين وثيقة سلام ملزمة هي في العادة كبيرة في الثقافة الشرق اوسطية التفاوضية. مع ذلك ان اخذنا بالحسبان الطريق الصعب الذي اجتازه الجانب العربي لتبني مبادرة السلام، يمكن لهذه المسافة حينئذ ان لا تكون كبيرة كما يعتقد.

 

ان كنا نلاحظ بالفعل وجود تغيرات هامة في العالم العربي في الموقف من اسرائيل منذ حرب 1967، وان تبدلت لاءات الخرطوم الشهيرة الثلاث بثلاثة نعامات كما جاء في بيروت- نعم للمفاوضات السياسية المباشرة لاسرائيل، نعم للاعتراف ، ونعم لاقامة علاقات طبيعية بعد التوقيع على اتفاق السلام معها- فيجب استنفاد هذا التطور، حتى وان لم نكن راضين عن صياغة مبادرة السلام العربية.

 

انشر عبر