شريط الأخبار

إسرائيل خائفة.. لكن ليس من العرب ..عبد الباري عطوان

01:25 - 13 تموز / ديسمبر 2008

انعطافة الإسرائيليين إلى اليمين المتطرف مثلما أظهرت قائمة حزب الليكود للمرشحين للانتخابات البرلمانية في شباط (فبراير) المقبل، وتصريحات تسيبي ليفني زعيمة حزب 'كاديما' الحاكم حول طرد 'عرب 48' الى الدولة الفلسطينية المستقلة في حال قيامها، هذه الانعطافة تعكس حالة من 'الخوف'، تتفاقم داخل المجتمع الاسرائيلي، ناجمة عن عدم الثقة في دولتهم وقدرتها على البقاء، وحدوث متغيرات اقليمية ودولية تعزز هذا الخوف وتبرره.

 

ويمكن ايجاز هذه المتغيرات الاقليمية والدولية التي ستؤثر بشكل مباشر، او غير مباشر، على مستقبل الدولة الاسرائيلية، وقدرتها على البقاء، في صورتها الراهنة، في النقاط التالية:

* اولا: التفوق العسكري في المحيط العربي لم يعد يشكل ضمانة لتخويف الآخرين، ويوفر الطمأنينة للاسرائيليين، فالاخطار التي تواجه الدولة العبرية في الحاضر، والمستقبل القريب، لم تعد محصورة في الانظمة الرسمية العربية، فهذه الانظمة استسلمت في معظمها ورفعت الرايات البيضاء، وانخرطت في اتصالات مباشرة مع تل ابيب، وتقدمت بمبادرة سلام تحقق لها جميع مطالبها. العدو الجديد لاسرائيل يأتي من المنظمات الجهادية على وجه التحديد، صغيرة كانت ام كبيرة، مثل 'حزب الله' و'الجهاد الاسلامي'، وحركة 'حماس'، و'لجان المقاومة الشعبية'، و'القاعدة'. فالجيش الاسرائيلي المزود بأحدث الاسلحة واكثرها تطورا غير مجهز او مدرب لمواجهة هذه المنظمات والانتصار عليها، وتجربة اسرائيل في الحرب الاخيرة على لبنان تعطي مثالا حيا في هذا الصدد.

* ثانيا: حل الدولتين الذي راهنت اسرائيل للوصول اليه وفق مواصفاتها الخاصة، ومن خلال عملية سلام مدعومة امريكيا، سقط بشكل مريع، فالجناح الفلسطيني المؤمن بهذا الحل، والمنخرط في العملية السياسية التفاوضية التي من المفترض ان تتكلل به في نهايتها يواجه الافلاس، وشعبيته تتراجع في اوساط الفلسطينيين بشكل سريع، خاصة مع انتهاء هذا العام دون قيام الدولة الفلسطينية المستقلة التي وعد بها الرئيس الامريكي جورج بوش. فالفلسطينيون باتوا منقسمين حاليا الى تيارين، الاول الذي يضم المعتدلين، ومعظم المؤمنين بحل الدولتين، وهذا التيار بات يميل الى حل الدولة الواحدة، ثنائية القومية، وتصريحات كل من احمد قريع رئيس وفد المفاوضات، وسري نسيبة اكثر الشخصيات الفلسطينية ايمانا بالعملية التفاوضية، المؤيدة لهذا الحل هي المثال الابرز. اما التيار الثاني، فيطالب بالتحرير الكامل لفلسطين. وفشل سلطة رام الله في رهاناتها السلمية، وصمود حركة 'حماس' في قطاع غزة، وانهيار الحوار الداخلي الفلسطيني، كلها عوامل تعزز هذا التيار.

* ثالثا: انحسار نفوذ النظام الرسمي العربي على الساحة الفلسطينية، وتآكل اوراق الضغط المادية والمعنوية التي كان يستخدمها على الطرف الفلسطيني، ومنظمة التحرير على وجه الخصوص، لتعزيز مسيرة الاعتدال، والدفع باتجاه التسوية السلمية. فالمقاومة الفلسطينية لا تستمد وجودها واستمرارها من اي دعم عربي رسمي، مادي او عسكري. والشيء نفسه يقال عن المقاومة اللبنانية 'حزب الله'. والاهم من ذلك تراجع دور مصر 'عرّاب السلام' عربيا، فلم تعد بوابة التسوية مثلما كان عليه الحال قبل عشر سنوات.

* رابعا: هيمنة اسرائيل على العالم الغربي وتوظيفه في خدمة مصالحها واطماعها التوسعية بدأت تتآكل بشكل متسارع، لان مكانة الغرب اهتزت بسبب الأزمة المالية العالمية اولا، وظهور قوى عالمية جديدة (البرازيل، الهند، روسيا، الصين) ثانيا، وحدوث تغيير في قمة القيادة الامريكية بانتخاب رئيس يتطلع الى التغيير ولو من حيث المبدأ ثالثا.

العالم الغربي بدأ يدرك ان اسرائيل لا تشكل عبئا امنيا عليه فقط، وانما عبء اخلاقي ايضا. والاجيال الغربية الجديدة، خاصة في اوروبا، لم تعد تحمل عقدة الذنب تجاه اليهود بسبب المحرقة 'الهولوكوست' مثل الاجيال السابقة، وهذه الاجيال بدأت تعبر عن نفسها في الانتخابات التشريعية.

* خامسا: اثبتت حربا افغانستان والعراق، ان استراتيجيات الغزو العسكري الناجحة سابقا، لم تعد قادرة على حسم الامور داخليا لمصلحة الغزاة، بل باتت تتحول الى حرب استنزاف مكلفة بالنسبة اليهم. فبعد خمس سنوات من الحرب في العراق وخسارة 700 مليار دولار ما زالت الادارة الامريكية عاجزة عن تحقيق الامن او اعلان النصر. وبعد سبع سنوات من الحرب ضد الارهاب في افغانستان اصبحت حركة طالبان تسيطر على اكثر من سبعين في المئة من الارض الافغانية، وتهدد الحكم في باكستان، اما 'القاعدة' فقوتها تتعاظم واصبحت تفرّخ فروعا في اكثر من مكان، علاوة على عودتها الى مسقط رأسها، وبيئتها الطبيعية، ودولتها الآمنة في افغانستان.

* سادسا: صعود الدور الايراني في المنطقة، المدعوم بصناعة عسكرية قوية، وتحالفات عالمية مؤثرة (الصين، روسيا والهند) وفشل سياسات الحصار الاقتصادي في اجبار النظام الايراني على التراجع عن طموحاته النووية.

النفوذ الايراني بدأ يتمدد ويشكل طوقا فاعلا يحاصر اسرائيل من الشمال (حزب الله، سورية)، والجنوب (حركات المقاومة و'حماس') على وجه التحديد.

* سابعا: الصورة الاسرائيلية اهتزت في العالم بأسره بسبب المجازر التي تُرتكب في الضفة وقطاع غزة ضد الفلسطينيين (احداث الخليل الاخيرة) والاسوار العازلة، والتوسع الاستيطاني، والحصارات التجويعية، بما في ذلك منع الدواء والوقود والغذاء. فهذه ليست صورة الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة والشعب الحضاري الذي يمثل القيم الغربية. فليس غريبا ان يعتقد اكثر من ستين في المئة من الاوروبيين، حسب استطلاعات الرأي، ان اسرائيل باتت تهدد استقرار العالم، واصبحت مصدرا محفزا للارهاب.

 

تجارب الستين عاما الماضية من عمر الدولة الاسرائيلية تقول انه كلما زادت المخاوف وحالات القلق في اوساط الاسرائيليين كلما اتجهوا للتطرف، وانتخبوا حكومات يمينية متشددة قادرة على خوض الحروب ضد اماكن الاخطار. وهذا ما يفسر زيادة شعبية بنيامين نتنياهو في استطلاعات الرأي، وامكانية تشكيله الحكومة الاسرائيلية المقبلة، حيث من المتوقع ان يفوز تكتل الليكود الذي يتزعمه بأكثر من ثلاثين مقعدا في الكنيست.

نتنياهو حدد اولويات برنامجه الانتخابي في أمرين اساسيين، الاول سحق حركات المقاومة الفلسطينية مثل 'حماس' و'الجهاد'، والتركيز على ما يطلق عليه 'السلام الاقتصادي'، والثاني منع ايران من امتلاك اسلحة نووية وتدمير برامجها في هذا الصدد بكل الوسائل، العسكرية منها على وجه الخصوص.

هذا البرنامج المتطرف هو الذي دفع ليفني الى الحديث عن عزمها طرد العرب من اسرائيل الى الدولة الفلسطينية، اي تكرار نكسة عام 48، او بالأحرى اكمال ما لم يتحقق من 'ترانسفير' قبل ستين عاما.

ما يمكن قوله وباختصار شديد، ان اسرائيل التي تضع الأمن على قمة اولوياتها، وتفهم السلام مع الفلسطينيين على ان يقوم هؤلاء بدور الحارس الامين لحدودها ومواطنيها، تشعر ان سلطة عباس لا تستطيع تحقيق هذا الهدف حتى لو ارادت، وترى ان امتلاك ايران لاسلحة نووية قد يجعل امنها الخارجي في مهب الريح اذا ما تطورت تحالفات ايران في لبنان وسورية وغزة.

العام الجديد قد يعكس هذه المخاوف الاسرائيلية سواء من حيث شن هجوم على قطاع غزة لانهاء سلطة 'حماس' وقوتها الصاروخية المتنامية، اوارسال الطائرات لضرب المنشآت النووية الايرانية.

صحيح ان امريكا التي تخوض حربين فاشلتين في العراق وافغانستان قد لا تؤيد حربا جديدة ضد ايران، ولكن علينا ان نضع في اعتبارنا ان اسرائيل دمرت المفاعل النووي العراقي عام 1981 والعراق كان حليفا آنذاك لامريكا، وشنت حربين ضد العرب، الاولى عام 1956، والثانية عام 1967 دون التنسيق الكامل مع الولايات المتحدة.

الفارق الابرز بين حروب اسرائيل السابقة واي حروب مستقبلية، انها كانت قادرة على الانتصار في الاولى، ولكن الحال قد لا يكون كذلك في الثانية، فالانتصار الامريكي العسكري على العراق لم يحقق الاستقرار، وكذلك في افغانستان، فالانتقام الايراني وارد سواء بالصواريخ او عبر حزب الله، واجتياح غزة جائز، ولكن السؤال المهم ماذا سيحصل بعده؟ وهذا ما يفسر تهديدات ايهود باراك اليومية باجتياح القطاع منذ عام دون ان يجرؤ على هذه الخطوة.

 

انشر عبر