شريط الأخبار

تيار الترانسفير الصهيوني ..علي عقلة عرسان

01:38 - 12 تموز / ديسمبر 2008

تظاهرت وسائل إعلام عربية بالمفاجأة من تصريح تسيبورا ليفني أمام طلاب ثانوية حاداش في تل أبيب، حيث قالت قبل أيام: " إنّ على العرب في إسرائيل أن ينتقلوا إلى مناطق الدولة الفلسطينية بعد قيامها"، وكأن الحديث عن دولة يهودية صافية لا عرب فيها يطرق الأسماع لأول مرة، وأنه لا يعني، فيما يعني، مصادرة حق العودة والقيام بترحيل " ترانسفير" جديد للفلسطينيين من وطنهم الأصلي وقراهم ومدنهم في الأرض المحتلة منذ عام1948.؟ وغيبت الذاكرة العربية، أو غاب عنها كالعادة، ما كان من تصريحات رسمية حول يهودية الدولة وما يعنيه ذلك في القمة الرباعية، قمة " بوش، شارون، عبد الله الثاني، أبو مازن" في وادي عربة قبل سنوات، سكت عنها العرب الحاضرون في تلك القمة والغائبون عنها.. كما غاب أو غيِّب من الذاكرة العربية التأكيد الذي تم على يهودية الدولة العبرية في مؤتمر أنابوليس، بحضور عدد كبير من الحكام العرب ورؤساء دول من أنحاء العالم، والمطالبات الصريحة بإسقاط حق العودة منذ توقيع اتفاق أوسلو 1993 لأنه يمس بيهودية الدولة العبرية وبمستقبلها، وما تضمنته حتى المبادرة العربية من حل لقضية اللاجئين وليس النص على تنفيذ حق العودة، وأبعاد تكثيف الاستيطان المستمر في الضفة الغربية، ووعد جورج بوش لشارون في رسالة بتاريخ 14 نيسان 2004 بعدم المس بالسكان اليهود في أربع مستوطنات ضخمة على الأقل تحيط بالقدس بوصف ذلك أمراً واقعاً أملته الظروف والنمو السكاني ولا يمكن تغييره، وتهويد القدس والتضييق على سكانها من جهة والاعتداءات المتكررة على عرب في مدن وقرى الجليل والمثلث وعكا.. من جهة أخرى. كل ذلك غاب أو غيب من الذاكرة العربية لا يجري التذكير به وبما يحمله من مخاطر.

إن تصريحات ليفني ليست جديدة، وليست هذه هي المرة الأولى التي تعبر فيها عن أفكار عنصرية عفنة وتصرح تصريحات تثير الاشمئزاز، فليفني ابنة مدرسة إرهابية عنصرية يهودية عريقة، ووالدها كان من عناصر منظمة "إيتسل" الإرهابية في فلسطين التي ارتكبت أفظع المذابح، وهي ليست وحدها ممن يقولون بذلك، فهذا الاتجاه أو التيار متجذِّر في الكيان الصهيوني، تربية وسياسة وثقافة وعقيدة، وهناك خطط بعيدة الأمد وعمل مستمر، من أجل تنفيذ تلك الخطط وفق مراحل مدروسة، ولفني ليست اليمين المتطرف في الحكم أو في دولة الكيان الصهيوني، فهناك من هم على يمينها.

إن هذه التصريحات تأتي من زعيم حزب ذي أكثرية برلمانية بين الأحزاب المتآلفة على الحكم، ومن مرشحة لرئاسة حكومة العدو، ولذا فهي تحمل مدلولاً خاصاً وخطورة نوعية، وهي ليست تصريحات انتخابية فقط وإن كانت رائحة الدعاية الانتخابية تفوح منه، وإنها، استراتيجياً وبرامج تنفيذية، ضد الفلسطينيين ووجودهم الشرعي في أرض الآباء والأجداد. ولا نستبعد أن يكون تواطؤ بعض العرب في هذا الأمر قد بلغ حد التفاهم غير المعلن مع العدو أو حلفائه أو حد التنسيق المشترك، أو أخذ علم به وتم التزام الصمت.. أولم يطرح في عهد قريب موضوع تحالف مع الكيان الصهيوني، من قبل البعض، لمواجهة أخطار قادمة ليست هي أخطر الاحتلال الأميركي بكل تأكيد؟! لا أستطيع أن أصنف كل ما يسكت عنه العرب تحت عنوان العجز، حتى فيما يجري لأهل غزة المحاصرين، ولا يمكن قبول هذا من أحد تحت أي مسمى أو عذر.. فدول لا تجمّد، "ولا نقول لا تقطع"، علاقاتها الرسمية المعلنة وغير المعلنة مع الكيان الصهيوني، ولا توقف اتصالاتها وتعاونها وتجارتها معه، وتصدّر له المواد الحيوية مثل النفط والغاز ومواد البناء التي يقيم بها المستوطنات وسور العزل العنصري.. في الوقت الذي يحاصر فيه جزءاً من أبناء أمتها، ولا تتمكن من فك الحصار المفروض عليهم ولو جزئياً أو القيام بما يخفف من وطأته وحدته.. وتسكت عن كل المخططات والممارسات الصهيونية التي ترمي إلى التهويد والتوطين والترحيل، وتنشر إعلانات مأجورة في صحفها وصحف العدو للترويج لمبادرات يرفضها العدو.. وتدخل معه في تحالف: " التحالف من أجل المتوسط= أي التحالف من أجل إسرائيل"، على الرغم من احتلاله وممارساته الوحشية البشعة ضد السكان العرب في غزة والقدس والضفة الغربية، وفي فلسطين المحتلة عام 1948 هي دول متواطئة مع العدو وليست مجرد دول عاجزة عن ردعه.

نفهم، ولا نقبل، موقف بعض الدول العربية من حماس التي تريد إسقاطها كما يريد العدو إسقاطها، الأسباب مختلفة الأهداف واحدة.. فحماس مقاومة ضد الاحتلال الصهيوني ذات مطالب مبدئية تتصل بالحق التاريخي للفلسطينيين في وطنهم الأصلي الذي لا يقبل التنازل عنه أو المقايضة عليه ولذلك يتهمها بالإرهاب ويعلن أنه يريد القضاء عليها. وهي مشروع " إمارة إسلامية.. إرهابية"، من وجهة نظر البعض، أو كما يقولون.. لا يرضى بها الغرب ولا أتباعه ولا الذين لا يقبلون توجهاً إسلامياً، متطرفاً أو غير متطرف، يكون شريكاً في الحكم أو حاكماً بأي شكل من الأشكال.. وتلك قصة أخرى حولها لكثير من الأخذ والرد، ولكن لا نستطيع أن نفهم مواقف عربية تسكت على التهديد بترحيل ما تبقى من الفلسطينيين من وطنهم، ومصادرة تنفيذ قرارات دولية تقضي بعودة الشعب الفلسطيني المشرد منذ عشرات السنين إلى وطنه؟

إن الصهاينة يخافون من أحلام مليون فلسطيني المواطَنَة والمساواة التامتين، ومن ثم شَغْل بعض أولئك لمواقع متقدمة في إدارة فلسطين المحتلة ورسم سياستها، ويشعرون بأن القضاء على هذه التطلعات المشروعة أمر غير ممكن.. ويرون أمامهم درس جنوب إفريقيا التي انتصر فيها السود على " العزل العنصري = الأبارتايد" وعلى البيض الذين مارسوه بوحشية طوال عقود من الزمن، كما يرون أمامهم انتخاب أوباما الخلاسي ليكون رئيساً لدولة طالما تفرد فيها العنصريون البيض بممارسة العبودية المقيتة ضد السود، هي الولايات المتحدة الأميركية، أحد أكبر معاقل العبودية العنصرية والإبادة الجماعية، إبادة الهنود الحمر.. ولذلك يعملون على تطبيق الحل الهتلري.. حل القضية القومية للفلسطينيين بالترحيل "الترانسفير" أو بالإبادة الجماعية، وهي إبادة مستمرة عملياً ببطء منذ عقود من الزمن، إبادة جسدية وإبادة للإرادة والأمل والحلم. قالت ليفني، أحد رموز هذا تيار الترحيل " الترانسفير" في الكيان الصهيوني، ومنهم قطعان المستوطنين في الضفة الغربية والخليل الذين يرتكبون جرائم يومياً ويحميهم جيش الاحتلال، وهم عملياً عناصر يوظفها الكيان الصهيوني سريَّاً للقيام بما تقوم به ضد الفلسطينيين، قالت ليفني أمام طلاب ثانوية حاداش: ".. لكي نبني دولة يهودية وديمقراطية، علينا أن نبني دولتين قوميتين مع تنازلات معينة وخطوط حمر واضحة، وعندما ننجز ذلك أستطيع أن أتوّجه للفلسطينيين مواطني إسرائيل، مَن نسميهم اليوم عرب إسرائيل، وأقول لهم إن الحلّ القومي لقضيتهم موجود في مكان آخر.".؟ غريب من وجهة نظرنا أن يأتي التأكيد على هذه السياسات والنزعات العنصرية الكريهة في خضم احتفال العالم بذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولكن لا تلبث كل غرابة أن تزول عندما ندرك إن الكيان الصهيوني بممارساته وجرائمه ومعتقلاته ورموزه وعدوانه واحتلاله وتعذيبه للمعتقلين وحصاره للأبرياء والأطفال والمرضى، وعنصريته الفظيعة، موضوع فوق المساءلة والقانون من قبل قوى نافذة الرأي والقرار في المؤسسات والهيئات الدولية، وعلى رأس تلك القوى الولايات المتحدة الأميركية ومن يقعون تحت هيمنتها ويوالونها ويأخذون بما تأخذ به من سياسات وتوجهات ومواقف حيال دولة الإرهاب والعدوان والعنصرية، دولة الكيان الصهيوني المغتصب لفلسطين، كل فلسطين. إن تصرفات العدو وحلفائه معروفة، ولا ينتظر منه غير ذلك، ولكن تصرفات من يتوجب عليهم رفع الصوت دفاعاً عن أبناء جلدتهم، أو الحق والعدل والحقوق والحريات التي لشركائهم في الإنسانية، أمر غير مفهوم ولا يمكن إلا أن يدان.

إن الفلسطينيين المستهدَفين يرفعون صوتم ويعلنون عن صمود وشجاعة، ولكن هل يبقى المعنيون العرب يتفرجون على المعاناة ويصمون آذانهم عن الاستغاثات والممارسات إجرامية التي يرتكبها الصهاينة يومياً، وعما يتوعدون الفلسطينيين به وهو قمة الإجرام؟ ليس مقبولاً بعد هذا موقف لا يكون ضد هذا البغي والطغيان العنصريين، وضد التهديد والوعيد بحل هتلري تمارسه النازية الجديدة التي تحتل فلسطين العربية. إن على الأمة العربية أن تفعل شيئاً ملموساً ومؤثراً على الصعيدين الرسمي والشعبي، وأن تُشعر الفلسطينيين المستَهدَفين بأنهم ليسو وحدهم، وبأن أمتهم معهم بالفعل الناجز على أرض الواقع وليس بالتصريحات والمواقف الخلبية.

فهل إلى ذلك من سبيل يا ترى؟ وهل هو كثير على صحوة تقتحم وجدان المسؤولين والمعنيين في أرض العرب، كل أرض العرب؟ لا أظن أن ذلك مستبعداً أو عصياً على الحدوث، ولا شك في أن ذلك آت على نحو ما وفي يوم ما، أرجو ألا يكون بعيداً.. فالأمة لم تمت، والحي يبعث على الأمل فيه.

 

دمشق في 12/12/2008

   

انشر عبر