شريط الأخبار

قصة من غزة بمناسبة العيد السعيد / بقلم : توفيق أبو شومر

05:16 - 10 حزيران / ديسمبر 2008

 

كنتُ أسير بجوار أكوام الموظفين الذين يحيطون بباب أحد البنوك المغلقة منتظرين أن يصل ملاكٌ عيد الأضحى ، أو بابا نويل أعياد الميلاد وهو محمَّلٌ بأكياس الشواكل ليصرفوا مرتباتهم ومعي رفيقٌ فقال : انظر أترى تلك المرأة التي تجلس على باب أحد المحلات المغلقة هناك ؟

 

قلت نعم إنها شبحُ امرأة تلبس السواد. وواصل قائلا : أتعرف لمَ تجلس هناك ؟ فقلت : إنها بالطبع تنتظر راتبها ، فقال : إنها ليست موظفةً ، ولا تتقاضى أي راتبٍ ، إنها إحدى جاراتنا التي حكتْ لي زوجتي بالأمس قصتها .

 

جارتنا تلك امرأة نكبها الدهر ، وأدمتها الأحداث ، توفي زوجها ، وهي في ريعان شبابها، وترك لها ستة أطفال ، أكبرهم لم يبلغ السابعة عشرة من عمره ، وإذا أضفنا إلى همومها هما آخر ، وهو أن إحدى بناتها مصابة بعاهة خلقية، كانت هذه المرأة تشتغل في مصنع خياطةٍ وتعيلهم ، ولما توقَّف المصنع ،أصبحت تعمل في بيتها على آلة الخياطة القديمة التي تملكها ، ولما فقدتْ الأقمشة من أسواق غزة وأصبح دخلها ومخصصاتها من تموين وكالة الغوث لا يكفي لأيام قلائل ،صارت تعمل في تضييق وتوسيع الألبسة لجيرانها وتتقاضى نظير ذلك مبالغ زهيدة لا تكفي أجرة مواصلات لمدارس أبنائها كما أنها هي وعائلتها ليست محسوبة على حزب من الأحزاب، حتى تصلها بعض المعونات غير المنتظمة .

 

قلتُ مستعجلا ولكنك لم تفسِّر لي سبب جلوسها بعيدا في مواجهة باب البنك فقال :

 

بالأمس سألتني زوجتي عن المرتبات ، ولم تكن معتادة أن تسألني ، فلما أبديتُ استغرابي من سؤالها قالت: جارتنا سألتني فاستغربتْ هي أيضا سؤالها لأنها ليست موظفة ، ولا أحد من أبنائها أيضا موظفٌ ، وأضافتْ زوجتي وهي تنقل أقوالها :

 

أنتظر العيد،كما ينتظر ضالٌ في الصحراء قطرات الماء ، فأقاربي وعائلتي من الموظفين اعتادوا أن يعطونني مبلغا في العيد كعيدية أستعين بها على باقي الشهور، ويحضرون لي من لحوم الأضاحي ما يكفي أولادي شهرا أو أكثر ،أسدد من العيديات جزءا من الدين ،أنا أدعو ليل نهار أن تصل مرتبات الموظفين قبل العيد ، فإذا لم يتلقَ الموظفون من أقاربي مرتباتهم فلن أحصل إلا على جزء يسير من العيديات لا يكفي الديون.

 

وواصلتْ زوجتي قائلة:

 

منذ يومين عندما أحسَّتْ باليأس ، ولم تعد ترغب في أن تسأل الجيران سؤالها المكرر ، هل نزلت الرواتب في البنوك ؟ قرَّرت أن تسير على قدميها أكثر من ستة كيلومترات لتصل إلى أقرب البنوك إليها لكي تتأكد بنفسها ، ولتسأل آخرين لا يعرفونها لعلها تعود إلى بيتها آملة أن تحظى بالمبلغ الذي اعتادت أن تأخذه كل عيد من أقاربها الموظفين .

 

وعندما اقتربتُ منها وحدى دقَّقتُ في ملامحها، كانتْ شبحا جعل اليأس وجهها كما الغبار الذي يستقر فوق حائط البنك .

 

 

 

 

 

انشر عبر