شريط الأخبار

صداع مولد أبو حصيرة" اليهودي يتجدد في مصر برلمانيا وعبر الإنترنت

06:04 - 09 تشرين أول / ديسمبر 2008

 

 (محمد ج. عرفة)

مع إطلالة شهر كانون الأول (ديسمبر) من كل سنة، يتجدد ما يطلق عليه أهالي قرية دميتوه، بمحافظة البحيرة شمالي مصر، "صداع مولد أبو حصيرة" اليهودي، حيث يأتي الإسرائيليون ويهود من أوروبا والولايات المتحدة للاحتفال بمولد هذا الكاهن اليهودي، والتبرّك به وطلب الشفاء أو العلاج منه.

 

وسبب الصداع الذي يعاني منه أهالي القرية هو الإجراءات الأمنية المشددة التي تقوم بها قوات الأمن لحماية اليهود المحتفلين من غضب أهالي القرية، الذين يشككون في وجود هذا الحاخام اليهودي أبو حصيرة أصلاً، ويعتبرونه "مسمار جحا يهودي آخر في مصر"، وفق وصفهم، فضلاً عن ما يُنقل عن ممارسات يقوم بها اليهود المحتفلون، من "ذبح الخنازير وشرب الخمر وممارسة رقصات وتصرفات لا أخلاقية"، حسب ما يرد.

 

ورغم صدور العديد من الأحكام القضائية التي تقضي بإلغاء الاحتفال المثير للانتقادات؛ إلاّ أنها لم تنفذ مراعاة لعدم اتهام الحكومة الإسرائيلية لمصر بمنع اليهود من التعبّد في هذا المولد، الأمر الذي دعا محامين لرفع المزيد من القضايا، ودفع شباناً مصريين لتدشين مدوّنات ومجموعات على "فيس بوك" للمطالبة بوقف ما يسمونها "المهزلة".

 

حملات معارضة

 

وقد بدأ ناشطون وسياسيون ونواب مصريون حملة لجمع مليون توقيع للمطالبة بوقف الاحتفال بمولد أبو حصيرة، المقرّر إقامته في الخامس والعشرين من شهر كانون الثاني (يناير) المقبل بالبحيرة. وأعلن عدد من نواب البرلمان المشاركين فى الحملة، نيتهم التقدم بمذكرة احتجاج للدكتور أحمد فتحى سرور، رئيس مجلس الشعب، لوقف هذا الاحتفال، مستندين فى ذلك إلى حكم قضائي صدر عام 2004  يقضى بإلغاء الاحتفال السنوي بمولد أبو حصيرة.

 

كما دشّن عدد من المدوِّنين، وللعام الثاني على التوالي، حملة على الإنترنت ضد الاحتفال بمولد أبو حصيرة، والذي يقام في أواخر شهر كانون الأول (ديسمبر) من كل سنة. وأطلق المدونون على الحملة اسم "سنة ثانية رفض، مدوِّنون ضد أبو حصيرة".

 

وأنشأ شبان مصريون مجموعتين لهذا الغرض ترفضان مولد أبو حصيرة، وتطالبان بمنع احتفالات اليهود في مصر، أوّلها؛ مجموعة "حملة ضد إقامة مولد أبو حصيرة في البحيرة"، التي قالوا فيه إنّ قبر أبو حصيرة، وعلى الرغم أنه لم يمرّ عليه مائة عام، إلاّ أنّ وزارة الثقافة المصرية قرّرت ضمه للآثار بالقرار رقم 57 لسنة 2001. كما صدر حكم قضائي نهائي باتّ منذ خمس سنوات بإلغاء هذا "الاحتفال المصطنع"، إلا أنه لم يتم تنفيذه حتى اليوم، مع أنّ المحامين المصريين قالوا لليهود في أوراق تلك الدعوى: "إن كنتم لا تزالون تريدونه؛ أي رفات أبو حصيرة- فخذوه عندكم".

 

أما المجموعة الثانية فكانت تحت اسم "لن يمرّوا فوق أرضي"، وفيها يؤكد الشبان المصريون أصحاب المجموعة رفضهم إقامة "مولد أبو حصيرة المزعوم"، ورفضهم "أن تطأ قدم أي صهيوني الأراضي المصرية لكي يعربد فيها"، وفق تعبيرهم.

 

وسبق هذا قيام شبان آخرون بإطلاق مدوّنة تسمى "ضد أبو حصيرة"، قالوا إنها "وُلدت لتكون أداة لرفض ما يسمي بمولد أبو حصيرة، واحترام أحكام القضاء المصري، وحتي يحدث ذلك نتمنى أن تعيش المدوّنة حتى ذاك اليوم وتكون لبنة في مسيرة تحقيق هذا الهدف المنشود".

 

وقد أعلن عدد من المحامين، ممن نجحوا في الحصول علي أحكام قضائية بوقف المولد ومنع اليهود من التجمّع فيه؛ نيتهم تجديد مطالبهم القضائية بإلزام الحكومة بتنفيذ الأحكام القضائية، ومنع "هذا الإزعاج والتلوث الأخلاقي" الذي يسببه الإسرائيليون ويهود أوروبا لأهالي القرية.

 

قصة أبو حصيرة

وحسب مصادر يهودية؛ يُعتبر أبو حصيرة رجل دين يهودي يدعى يعقوب أهارون، وُلد في المغرب عام 1807، وجاء إلى مصر وعاش فيها إلى أن توفي عام 1880، وهو يتمتع باحترام وتقدير قطاعات من اليهود، ويبدو أنّ له مكانته الدينية، وله مريدون وأتباع.

 

ولكنّ مصطفى رسلان، المحامي وأحد أبناء قرية دميتوه، أقام دعوى قضائية طالب فيها بوقف الاحتفالات اليهودية على أرض بلدته، وقدّم للمحكمة ما يؤكد أنّ أبو حصيرة ليس يهودياً كما يزعم اليهود، وإنما هو مسلم مغربي عاش في مراكش باسم محمد بن يوسف بن يعقوب، وكان يعمل إسكافياً يصلح الأحذية للمصريين، وأنه أتمّ سبع حجات للكعبة المشرفة، وفق تأكيداته.

ولكن منذ عام 1978، عقب توقيع "اتفاق كامب ديفيد"، بدأ الإسرائيليون يطلبون رسمياً تنظيم رحلات دينية إلى قرية دميتوه الشهيرة الواقعة في محافظة البحيرة شمال مصر، للاحتفال بمولد أبي حصيرة المزعوم أنه "رجل البركات"، والذي يستمر قرابة 15 يوماً، تتفاوت تقديماً وتأخيراً بين 26 كانون الأول (ديسمبر) وحتي أول شباط (فبراير) من كل عام.

وبدأت أعداد الزائرين تتزايد من بضع عشرات إلى بضع مئات ثم بالآلاف، يفدون كل عام من فلسطين المحتلة والغرب ودول أخرى، حتى بلغ عددهم في إحدى السنوات قرابة أربعة آلاف زائر، رغم احتجاجات الأهالي المصريين على تصرفات الزوار غير المرغوبين، وتحويلهم حياة الفلاحين في هذه القرية إلى "جحيم"، بسبب إجراءات الأمن التي تحيل القرية إلى منطقة مغلقة وتفتش كل سيارة وكل مارّ.

 

وغالبا ما يبدأ الاحتفال يوم 25 كانون الأول (ديسمبر) فوق رأس "أبو حصيرة" المزعوم، حيث يُقام مزاد على مفتاح مقبرته، تليها عمليات شرب الخمور أو سكبها فوق المقبرة ولعقها بعد ذلك، وذبح تضحيات غالباً ما تكون خرافاً أو خنازير وشيّ اللحوم، والرقص على بعض الأنغام اليهودية بشكل هستيري وهم شبه عرايا بعد أن يشقوا ملابسهم، وذكر بعض الأدعية والتوسلات والبكاء بحرقة أمام القبر، وضرب الرؤوس في جدار المبكى للتبرك وطلب الحاجات، وفق ما نقل شهود عيان.

 

توسعة وتضخيم

وقد شهدت المقبرة بعض التوسّع مع تزايد عدد القادمين، وتم كسوة الضريح بالرخام، والرسوم اليهودية، لاسيما عند مدخل القبر. ثم بدأ ضم بعض الأراضي حوله وبناء سور، ثم قيام منشآت أشبه بالاستراحات، وهي عبارة عن غرف مجهزة، واتسعت المقبرة من مساحة 350 متراً مربعاً إلى 8400 متر مربع. وقد سعى أطراف يهودية أيضاً إلى شراء خمسة أفدنة مجاورة للمقبرة، بهدف إقامة فندق عليها؛ لينام فيه الزائرون خلال فترة المولد.

 

ويرى مراقبون أنّ الحكومة الإسرائيلية تحرص عبر سفارتها في مصر على تضخيم الاحتفال وتوسيع حجمه، حيث يشارك فيه دبلوماسيون، ويجري استقدام طائرات خاصة تحمل وفداً كبيراً من الحاخامات، فضلاً عن تقديم طلبات بتقديم معونة مالية للحكومة المصرية لإنشاء جسر يربط القرية، التي يوجد بها الضريح بطريق علوي موصل إلى مدينة دمنهور القريبة، حتى يتيسر وصول اليهود إليها، وأطلقوا على الجسر أيضاً اسم أبو حصيرة.

 

وما زاد غضب أهالي القرية، صدور قرار من وزير الثقافة المصري فاروق حسني، يحمل رقم 75 لسنة 2001، يقضي بضمّ مقبرة أبو حصيرة إلى هيئة الآثار المصرية، الأمر الذي جعل التخلص منها أو نقلها كما يطالب أهالي القرية صعباً.

 

وقد عارض محامون هذا القرار أمام القضاء، فأصدرت محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية، دائرة البحيرة، بتاريخ 9 كانون الأول (ديسمبر) 2001 حيثيات الحكم بوقف قرار وزير الثقافة باعتبار ضريح أبو حصيرة والمقابر التي حوله بقرية دميتوه بدمنهور، من الآثار الإسلامية والقبطية ووقف الاحتفالية السنوية لمولد أبو حصيرة.

 

انشر عبر