شريط الأخبار

ابو مازن سيفاجئ الفلسطينيين والعالم جدا .. معاريف

03:16 - 28 تشرين أول / مايو 2017


تجري في الاسابيع الاخيرة أمام ناظرينا عدة خطوات شاذة كفيلة بان تؤثر بشكل دراماتيكي على مجريات الساحة السياسية في الشرق الاوسط. فقد بدأ الرئيس دونالد ترامب يعتاد على كرسيه ويشرع في مبادرة سلام اسرائيلية فلسطينية خاصة به.

وحقيقة أن اختار أن يزور اسرائيل مع بدء ولايته واللقاء مع رئيس الوزراء نتنياهو ومع الزعيم الفلسطيني محمود عباس منذ بداية طريقه تدل على الاهمية التي يوليها لمحاولة تحقيق اتفاق بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية.

 ومن الجهة الثانية، فان الرئيس الفلسطيني ابو مازن هو الاخر يطلق أصوات بعض التغيير. فهو لا يوقف، معاذ الله، التحريض ضد اسرائيل، ولكنه يدعو منذ الان الى مقاطعة حكم حماس في القطاع ووقف تحويل اموال الضرائب اليه وهو يعلن في واشنطن عن التزامه بالوصول الى اتفاق سلام مع اسرائيل. ومن الجانب الاسرائيلي وان كنا لا نرى ولا نسمع بوادر تغيير في مواقف رئيس الوزراء نتنياهو ولكن يمكن أن نفهم من محيطه القريب بانه يشعر بانه يقترب من استنفاد عهد منصبه كرئيس لوزراء اسرائيل، دون اي انجاز سياسي او اي إرث لشعبه.

وعندما يفهم نتنياهو ذلك، واضافة الى ذلك يأخذ بالحسبان الضغط الذي يوشك الرئيس ترامب على ممارسته عليه في الموضوع فانه يفهم بانه سيضطر الى اتخاذ خطوات سياسية ما، رغم أن يديه مربوطتان ومحدودتان بسبب الائتلاف المهزوز الذي يصونه بمساعدة البيت اليهودي من الخارج وبسبب ممثلي اليمين الاكثر تطرفا من الداخل.

ولكن المشكلة الاساس والعائق الاساس للتسوية مع الفلسطينيين توجد بالذات وبشكل غير مفاجيء في الجانب الفلسطيني. فقد ورث عباس من سلفه، ياسر عرفات، سلطة حكم لا تؤدي مهامها على الاطلاق. لا في الجانب السياسي، لا في الجانب الاجتماعي او الزعامي ولا في الجانب الاداري التنفيذي. فالسلطة الفلسطينية اليوم، بالضبط مثلما هي قبل عشر وعشرين سنة، تعتمد تماما على تبرعات دول العالم من جهة وعلى منظومة جباية الضرائب، الكهرباء والمواصلات لدولة اسرائيل من جهة اخرى. فضلا عن ذلك لم تتمكن السلطة الفلسطينية كل هذه السنين من تطوير صناعاتها وواصلت الاعتماد تماما على الصناعة الاسرائيلية بحيث أن كل منزل فلسطيني تقريبا متعلق بالرزق الذي يأتي من ارباب العمل الاسرائيليين.

من يدخل اليوم مخيمات اللاجئين في يهودا والسامرة، سيتبين له انها تبدو بالضبط كما كانت في 1991، عندما أخلت اسرائيل يهودا والسامرة. في كل هذه السنين لم تفعل السلطة الفلسطينية شيئا في تحسين مكانة وشروط حياة اولئك اللاجئين.

صراع الخلافة

ابو مازن، خليفة عرفات، يعتبر زعيما ضعيفا جدا، عديم الكاريزما والقدرة الزعامية، وعمليا في كل سنوات زعامته، لم يتخذ خطوة زعامية هامة واحدة من اجل بلاده وشعبه او لغرض تثبيت زعامته. على خلفية ضعفه وعدم قدرته الزعامية والسياسية، بدأت حماس تلاحقه في السنوات الاخيرة حتى في منطقة يهودا والسامرة، بنية الوصول الى انقلاب شعبي يؤدي الى اختفاء زعامة فتح، مثلما حصل في قطاع غزة. زعماء فتح انفسهم هم ايضا فهموا منذ زمن بعيد بان ابو مازن اغلب الظن لن يتخذ اي خطوة هامة حتى نهاية ولايته. وقد بدأ صراع الخلافة على القيادة الفلسطينية قبل سنتين او ثلاث سنوات دون أن يعلن ابو مازن على الاطلاق عن انتهاء ولايته. الحقيقة هي أنه هدد عدة مرات بالاستقالة والخروج من الساحة السياسية، ولكن هذه التهديدات بقيت اساسا في عناوين الصحف.

في داخل فتح بدأ ينهض لابو مازن معارضون وخصومون كثيرون. ابرزهم – محمد دحلان ومروان البرغوثي، المعنيان بالحلول محله في أقرب وقت وخلافة قيادته. ولكن في الساحة الفلسطينية تعمل شخصيات اخرى تتطلع الى الغنيمة وتبني مكانتها انطلاقا من الولاء له. بين اولئك يوجد جبريل الرجوب الذي كان في الماضي رئيس الامن الوقائي في الضفة ويترأس اليوم اللجنة الاولمبية الفلسطينية، وماجد فرج، رئيس المخابرات الفلسطينية ورجل السر والموالي لابو مازن. الديمقراطية لا تحتفل في السلطة تماما، والامكانيات التي تلوح للمستقبل القريب في قيادتها واضحة بما يكفي. ابو مازن سيفاجيء الفلسطينيين والعالم جدا بل وسيفاجيء نفسه، اذا نجح في اتخاذ خطوة سياسية ذات مغزى، تدفع الى الامام اقامة دولة فلسطينية، ولكن الاحتمال المعقول هو أنه لن يكون جديدا تحت شمس عباس وهو سيختفي من صفحات التاريخ دون أن يبقي اثرا ذا مغزى. بطبيعة الاحوال سيحاول عباس أن يبني له خليفة طبيعية، ليحل محله.

اليوم، تبدو فرص فرج أعلى من غيره وهو يحظى بباب مفتوح في اروقة الادارة في واشنطن.

ولكن محمد دحلان ومروان البرغوثي لا يعتزمان القعود مكتوفي الايدي ليريا الحكم يؤخذ منهما. ومنذ الان يضخ دحلان الى الضفة والقطاع ملايين الدولارات لبناء بنية تحتية في اوساط مؤيديه في مخيمات اللاجئين وفي بعض المدن والقرى. يراكم دحلان قوة لا بأس بها. من جهة اخرى، فان المحكوم بالمؤبد البرغوثي يراكم دعما جماهيريا كثيرا في اوساط الفلسطينيين. اما دحلان بالطبع فيعلن بانه غير معني بالرئاسة وانه يعدها للبرغوثي. ولكن من يعرف دحلان يعرف بيقين انه يقصد الهدف الاعلى الممكن وانه تأييده للبرغوثي لا يستهدف الى تحقيق دعم اضافي له، انطلاقا من الفهم والامل في ان البرغوثي لن يتحرر أبدا من السجن الاسرائيلي.

احتمال عال أنه في ظل غياب تغيير حقيقي في قيادة السلطة لن يكون هناك مع من يمكن الحديث او التقدم باي تسوية. حتى لو بادرت اسرائيل الى خطوة كهذه. ينبغي الامل في أن يبدي الزعيم التالي للسلطة شجاعة وزعامة وينجح في ان يتصدر تغييرا في نهج الفلسطينيين لتسوية سياسية واقعية يمكن لاسرائيل ايضا أن توافق على العيش معها. تسوية عديمة الخيال والتطلعات القومية غير المعقولة.

 

انشر عبر