شريط الأخبار

في فلسطين فقط.. فهمي هويدي

11:55 - 20 حزيران / مارس 2017

فقط في فلسطين، يقف الأب فخورا ومنتصب القامة أمام جثمان ابنه الشهيد، يصوب بصره نحوه، ويؤدى له التحية العسكرية في آخر لقاء لهما في الدنيا.

في الخلفية يحتشد الآلاف الذين وقفوا في خشوع، منهم من شرع في قراءة فاتحة الكتاب وقد انهمرت الدموع من عينيه، ومنهم من انفجر غضبا وسخطا ومضى يكبر ويهتف، داعيا للانتقام تارة، ومحييا مسيرته الجهادية، وداعيا إلى وقف التنسيق الأمني مع العدو تارة أخرى.

عن اللحظات التي سبقت الجنازة، كتبت رئيس تحرير موقع "الحدث" الفلسطيني، قائلة: في غرفة المستشفى الحكومي كان باسل مرتاحا. التف الجميع حول جسدك يا باسل. كأنهم يحيطون بجسد الملك يريدون حمله على العرش.

الفخر في أعين الممرضين. هذا يلفك بالعلم. وذاك يلفك بالكوفية. ثالث يضع وسادة تحت رأسك. رابع يتأكد من أن جسدك في مكانه الصحيح. أحدهم يقبل وجهك، وكأن لسان حال كل واحد منهم يريد أن يقول لك إنه فعل شيئا لأجلك، لأنك فعلت الكثير لأجلنا.

البطل المسجى، كان باسل الأعرج الصيدلي ابن الثلاثين عاما الذي هجر الصيدلة وقرر أن يتفرغ لتحرير فلسطين، حتى صار يوصف بأنه المثقف المشتبك والفدائي الكامل.

تكفل التنسيق الأمني باعتقاله مع بعض رفاقه بتهمة حيازة سلاح لاستخدامه ضد أهداف إسرائيلية.

في سجن السلطة أهينوا وعذبوا، فأضربوا عن الطعام حتى تم إطلاق سراحهم، لكن الإسرائيليين تعقبوهم واعتقلوا رفاقه، فيما اختفى هو عن الأنظار منذ خريف عام الماضي (2016).

قبل أسبوعين، فجر يوم 6 آذار/ مارس الحالي، اقتحم الإسرائيليون بيتا اختفى فيه، فتصدى لهم بسلاحه، لكنهم قتلوه بعشر رصاصات ثم اختطفوا جثته.

وبعد تسويف ومساومة، سلموها لأهله عند آخر حواجز بيت لحم يوم الجمعة الماضي (17/3). في جنازته المهيبة التي سبقت دفن جثمانه في بلدته "الولجة" في بيت لحم، فلسطين كلها كانت هناك.

وحين أدى الأب التحية العسكرية أمام جثمانه، فقد كان ذلك إعلانا عن ثباته إلى جواره في جيش تحرير فلسطين الذي لم يلق سلاحه بعد.

في فلسطين فقط تتزوج مناضلة محكوم عليها بالسجن المؤبد 16 مرة، من ابن عمها المحكوم عليه بالمؤبد. وبعد سبع سنوات يطلق سراحهما ويلتقيان في عمان، لكن وزارة العدل الأمريكية طالبت أخيرا بتسليمها، حين قالت إنها غير نادمة لمشاركتها في التخطيط والتنفيذ لعملية تمت في القدس منذ 16 عاما، وقتل فيها أمريكيان.

هذا تلخيص متقضب لقصة الفتاة أحلام التميمي التي غادرت الأردن إلى الضفة الغربية لتكون قريبة من ابن عمها، وفتى أحلامها، نزار التميمي، المحكوم عليه بالمؤبد في سجن عسقلان.

كان نزار ضمن عناصر فتح، لكن أحلام التحقت بحماس، واعتقلت بتهمة المساعدة في توصيل أحد مناضلي الحركة لينفذ عملية تفجير بأحد مطاعم القدس في عام 2001، أدت إلى مقتل 15 إسرائيليا بينهم اثنان يحملان الجنسية الأمريكية.

بسبب هذه العملية، أدينت أحلام، وحكم عليها بالمؤبدات الـ 16. لكنها أمضت في السجن 8 سنوات وأطلق سراحها في عملية لتبادل الأسرى.

وبعدما استقرت في الأردن، أدرجت وزارة العدل الأمريكية اسمها ضمن المطلوبين في قضايا الإرهاب، ولكن الأردن رفضت تسليمها لعدم وجود اتفاقية للتسليم مع الولايات المتحدة، وفى الأسبوع الماضي وصل إلى إسرائيل ممثلو وزارة العدل الأمريكية لإبلاغ ضحايا عملية القدس (في 2001) بقرار محاكمة أحلام التميمي بسبب مشاركتها في قتل الأمريكيين.

في إسرائيل فقط يقبع في السجون 350 طفلا فلسطينيا تحت 15 عاما، في حين يقدم للمحاكم سنويا ما بين 500 و700 طفل.

أحدهم الطفل شادي فراح، الذي اعتقل في 30 كانون الأول/ ديسمبر عام 2015، وكان عمره آنذاك 12 عاما.

اعتقله الإسرائيليون حين كان منتظرا في محطة الحافلات بمدينة القدس. حيث اتهم زورا بأنه كان يحمل سكينا وحكم عليه بالسجن ثلاثة أعوام، في يوم المرأة العالمي نشرت أمه فيرهان دراغمة رسالة روت فيها قصة ابنها الذي أصبح أصغر أسير في سجون الاحتلال.

كان عنوانها: من يعيد شادي طفلا؟ (نشرتها جريدة الشرق الأوسط في 8/3) في الرسالة تساءلت: كيف لعيني أن تغفوا وهما لا تريان إلا طفلي الصغير وحيدا في زنزانة باردة مظلمة؟ وهو لم يكن يستطيع النوم إلا في حضني وهو يضع أصبعه في فمه؟

وفي ختامها، دعت جميع الرجال والنساء إلى الانضمام إليها لاستعادة شادي وأمثاله من ضحايا سياسة الاحتلال الإسرائيلي المسكون بالغطرسة والظلم والقهر.

انشر عبر