خبر الفساد مؤهلات:أليس ما أحاط بالمحكمة الدستورية هو الفساد والاستبداد؟!..أيوب عثمان

الساعة 07:00 ص|12 ابريل 2016

بقلم: الدكتور/ أيوب عثمان

 كاتب وأكاديمي فلسطيني

    جامعة الأزهر بغزة

في مقال نشرته قبل نحو ثلاثة أعوام وتحديدا في 5/2/2013 تحت عنوان: « سؤال إلى سيادة الرئيس: هل ترى أمناء مجلس الأمناء أمناء؟! »، خاطبت سيادة الرئيس قائلا:

« بكل جرأة الواثق وانضباطه وصراحته مع ذاته قبل غيره وصادق التزامه، أصرح بأنني أختلف في قضايا الوطن - يا سيادة الرئيس - معك، غير أن اختلافي هذا معك لا ينسيني أمرين مهمين، أولهما أنك الرئيس الذي يسأل نفسه وغيره ويسأل عن كل شيء في قضايا الوطن وهمومه، وثانيهما أنك لم تغلق بابك - البتة - دوني كلما طلبت في سابق الأوقات لقاءك، وما أكثر أن كان ذلك في شأن جامعة الأزهر وأوضاعها وأوجاعها وكثير عثراتها وتعدد أزماتها وتنوعها. أما اختلافي في قضايا الوطن معك، فما كان له ان يكون لولا حق العودة الذي قلت في شأنه ما لا تملك، ولولا تلك الشهادة التي أصدرتها مجانا لإسرائيل حين قلت - أثناء استقبالك لوفد من حاخاماتها اليهود المتطرفين في مكتبك في رام الله في 27/8/2012 - »إن إسرائيل وجدت لتبقى، دولة لها كيانها، لا لكي تزول!«

وبالأمس القريب وقبله، جرت في حياة همنا الوطني أنواء وعواصف وأزمات وكوارث كان جلها من صنع سيادة الرئيس واختياره إلى أن أهان شعبنا وقضيتنا إذ قدم تعازيه لدولة الاحتلال وجيشها في وفاة الجنرال منير عمار إثر سقوط طائرته، حيث عبر عن شديد حزنه وأعمق مشاعر مواساته فيما الحاخام يتلو (آياته!) التلمودية على رأسه!!!

وبعد انقضاء ما زاد عن ثلاثة أعوام على ذلك المقال الموجه إلى سيادة الرئيس جله، بدءا من السؤال الكبير الذي كان عنوانا له إلى آخر الكلام فيه مذيلا ببيت من الشعر للإمام الشافعي في شأن الفساد ومقاومته عبر تجديد الحياة بتغيير أنماطها ونماذجها والإجادة في اختيار رجالاتها ورموزها من بين الراشدين من أشخاصها ليجيدوا اختيار الأفضل من بين مسالكها ودروبها، ما زلت أجدني أملك الجرأة ذاتها، والتي من شأنها أن تستنهض همة المسؤولية القيادية في (سيادة الرئيس!) الذي ينبغي له أن يسأل نفسه وسواه، ويُسأل هو عن كل شيء في قضايا الوطن وهمومه، ذلك أن سؤال المواطن الناقد لرئيس بلاده أو ملاحظاته الانتقادية لفكره وسلوكه وأدائه لا ينبغي أن تكون - بالضرورة - ذات طابع شخصي صرف له دلالة محبة أو تأييد أو ارتياح أو دلالة بغض أو نفور أو استنكار.

واليوم، وبعد أن لم يحرك (سيادة الرئيس!) ساكنا حيال ما كان قد وصله، أكثر من مرة، عن جامعة الأزهر من فساد بالغ وكثير وطافح وخطير أحاطه بعناية رئاسية فائقة قوامها استخفاف رهيب وصمت غريب ومريب، ها هو (سيادة الرئيس!) يطلع علينا فيستفزنا وينتهك أبصارنا وأسماعنا بفصل جديد فيه من مشاهد الفساد والإفساد والاستبداد ما لا يسكت عنه، فالمحكمة الدستورية التي يجري الحديث عنها قد تجاوز أمرها سياق القانون ليعبر إلى حماية الفساد بالاستبداد.

ولأننا سألنا (سيادة الرئيس!) ولم يجب - شأنه في ذلك دائما - سؤالا على هامش تشكيل المحكمة الدستورية نصه: »كيف لبعضهم أن يحكم بالعدل يا سيادة الرئيس؟!« ،

ولأننا سألنا (سيادته!) أسئلة بلاغية تتابع واحدها فوق الآخر إلى أن كان سؤالنا الفارق: »أيُعقل أن يصل الإيغال في الفساد، يا سيادة الرئيس، حد اختيار قضاة مارس بعضهم الفساد في أحط مستوياته وأبشع صوره وأرخص مشاهده؟! أيعقل أن يكون من قضاة المحكمة الدستورية في فلسطين الثائرة من خان الأمانة العلمية، وسطا على كتب غيره.....؟!... هل بلغ العقم في بلادنا الولادة إلى أن تختار للمحكمة الدستورية يا سيادة الرئيس، قضاة يصلح بعضهم عناوين فساد وإفساد؟!«

ولأن (سيادة الرئيس!) لم يجب عن سؤالنا واسئلة غيرنا، لا بالقول ولا بالفعل، وكأننا نصرخ في واد سحيق، فيما حالنا هو حال خرق ما زال على الراتق يتسع،

ولأن (سيادة الرئيس!) لف أسئلتنا وتساؤلاتنا ومطالباتنا ومناشداتنا ولفعها بصمته المستخف الرهيب والعجيب والمريب، وكأنه يقول: »قولوا ما شئتم، أما أنا فأفعل ما أشاء!« ،

ولأن (سيادة الرئيس!) لم يقف عند حد الصمت والاستخفاف حيال فساد كبير تم نشره والإعلان عنه وتمت إحاطته به، فتجاوزه ليس فقط إلى الطبطبة على مرتكبيه، وإنما إلى تحفيزهم وتشجيعهم ومكافأتهم عليه، دونما محاولة منه للتوقف بغية الوقوف عليه والاستزادة في المعلومات والوثائق والمستندات لتكون لديه إما حجة على الفساد وأربابه، أو حجة على من يرمون الناس بالفساد فيما هم أولياء الفساد وأعوانه ورموزه،

ولأن (سيادة الرئيس!) قد أصمَّ - ولو عن شبهة الفساد إن لم يكن عن الفساد بعينه - أذنيه وأغلق عينيه، فكان ما أتى عليه في شأن المحكمة الدستورية ليس خطأَ أو انحرافاَ عن الجادة فحسب، بل كان إيغالا في تحديه للحق وانتصاره للباطل وتسويقه للفساد الذي يكفي أن يكون من أبرز عناوينه ذلك الانحراف الفاضح والواضح عن القسم الذي يقول منطوقه في جزء منه: »... وأن أحكم بالعدل« ، لاسيما وإن (سيادة الرئيس!) لم يجب حتى اللحظة، ولن يجيب عن سؤال وجهناه إليه مفاده: »كيف لقاض في المحكمة الدستورية أن يحكم بالعدل وهو ساط على كتب غيره إذ سرق أحدها من مبتداه إلى منتهاه حتى طالت السرقة علامات الترقيم في الكتاب وهوامشه ومراجعه وحواشيه؟!« ،

ولأن (سيادة الرئيس!) قد بلغ إيغاله في التحدي للأصول وللأعراف وللقوانين حداَ بلغ فيه أن كف بصر نفسه وصم أذنيه عن فساد كبير قوامه انتهاك القانون الأساسي وانتهاك قانون تشكيل المحكمة الدستورية، فضلا عن معاكسته القصدية للفطر القويمة، ومخالفته المتعمدة للطبائع السليمة،

فإنه يكون بما أصر على فعله قد اختار طريق الاستبداد حماية للفساد، فكان ذلك المشهد العبثي الاستكمالي لحلف اليمين شاهد فساد كبيرا وفاقعا وخطيرا على المستوى القانوني الذي كان الشاهد فيه استبدال وجود رئيس المجلس التشريعي (وفقا للقانون) بوجود كل من رئيس جامعة الأزهر ورئيس مجلس أمنائها اللذين كانا قبل أكثر من ثلاثة أعوام محور مقالنا الذي أشرنا إليه آنفا: »سؤال إلى سيادة الرئيس: هل ترى أمناء مجلس الأمناء أمناء؟!«

أما آخر الكلام، فمتى يفهم من استخلفوا فينا أن »أهم عناصر قوة الأمة جودة تعليمها، ونزاهة قضائها، وحسن اختيار قادتها، ومحاربة الفساد على كل مستوى في كل مناحي حياتها« (عبد الله عبد الكريم السعدون)، وأن »الأمة التي تحسن أن تجهر بالحق وتجترئ على الباطل تمتنع فيها أسباب الفساد« (عباس محمود العقاد)، فيما »مكافأة الفساد« - على نحو ما فعل سيادة الرئيس في تشكيله للمحكمة الدستورية - »لم تكن يوما سوى ديناصور لا يعرف الشبع« (ياسر ثابت)، غير أن (سيادة الرئيس!) ينبغي له، بل يتحتم عليه، أن يعرف أن »الفساد عندما يصل الكتب، فقد اهترأت حتما كل النظم"، كما يرى محمود أغيورلي، فما بالك، إذن، إذا كان تشكيل المحكمة الدستورية على النحو الذي نرى دليلا على وصول الفساد إلى القضاء كي يستبد به، بعد أن استبد الفساد بالكتب عبر الخيانة العلمية والسكوت عليها ومكافأة مقترفيها؟!.