شريط الأخبار

فوائد الشعور بالملل !

09:26 - 12 تموز / يونيو 2015

الملل
الملل

فلسطين اليوم - وكالات

إذا ما سنحت لك الفرصة يوماً للابتعاد عن شاشة هاتفك المحمول والنظر إلى الأشخاص المتواجدين حولك، سترى أن كلاً منهم منصب على أداء مهمة معينة، فمنهم من هو ملتصق بشاشته وغارق في خضم حرب ملتهبة مع لعبة (Candy Crush)، أو حديث ما مع أصدقائه، ومنهم من يكون غارقاً في قراءة كتاب الكتروني، وجميعهم يفعلون كل ما في وسعهم لتجنب التواجد لوحدهم، والشعور بالملل أثناء رحلة ركوب المترو الطويلة.

يبدو أن التقنيات الرقمية قد استطاعت توفير مشاركة افتراضية مستمرة مع من حولنا، ولكنها أدخلتنا في معركة مع الملل، حيث تبدو أي لحظة تمضي دون الحصول على ما يرفهنا أو يشتت انتباهنا كـ”خسارة” للمعركة، ولكن كما اتضح، فإننا قد نكون نفكر في الملل بطريقة خاطئة تماماً، حديث تشير البحوث إلى أنه من الجيد أن نشعر بالملل (المعتدل)، حيث أن التوازن الجيد بين الملل المزمن والانخراط المستمر بالأعمال يمكن أن يثبت أنه مفيد لعقولنا وحتى لأدائنا الوظيفي.

ماذا يعني أن يشعر الإنسان بالملل؟

على الرغم من أن الملل قد يبدو وكأنه ظاهرة خاصة بالقرن الواحد والعشرين، وهو من هذا المنطلق عبارة عن نتيجة مؤسفة للانفصال المؤقت عن الاتصال الشبكي، إلّا أنه تم تسجيل ظاهرة الملل منذ عدة قرون، فذلك الركود الذي نألفه جميعاً كان متمثلاً في الكتابة على الجدران في بومبي، وقد تم وصفه في الفلسفة الرومانية كنوع من الغثيان، كما أنه موثق في التقليد المسيحي بأنه “شيطان الظهيرة” وبذلك يمكن القول بأن الجميع تقريباً – ابتداء بسقراط وانتهاء بالطفل الذي يوجد في مترو الأنفاق- يشعرون بالملل.

على الرغم من أن مفهوم الملل يعود في قدمه إلى قدم الزمان، إلّا أن العلماء ما يزالون يبحثون فيما يعنيه، وكيف يحدث، والكيفية التي يمكن فيها تصنيف الأنواع المختلفة من الملل، فالتعريف الوصفي الأكثر قبولاً من الناحية العلمية حتى الآن يندرج تحت تصنيف الاهتمام، حيث يقول بأن الملل هو تجربة محبطة تتمثل في إرادة الانخراط في نشاط معين دون القدرة على القيام بذلك، وهذا يعني أن الشخص المصاب بالملل لا يمكنه تسخير العوامل الداخلية (الأفكار أو المشاعر) أو الخارجية (البيئة) اللازمة لإنتاج النشاطات التي يريدها.

الملل يؤدي إلى الإبداع

قد يبدو الملل وكأنه شعور مزعج يجب أن نتجنبه بأي ثمن، ولكن العلم يقول بأنه يمكن أن يكون مفيداً بالفعل لأفكارنا وحياتنا، فقد وجد الباحثون أن ما يسمى بالأنشطة السلبية “المملة”، مثل القراءة أو حضور اجتماعات العمل، يمكن أن تؤدي إلى خلق المزيد من الإبداع، لأن الشعور بالملل يمكن أن يعزز من أحلام اليقظة التي تسمح لنا بتصنيع المزيد من الروابط الجديدة والمبتكرة.

قد تكون هذه الفكرة مستحدثة، ومن هذا المفهوم، قد لا يتقبلها العالم الحديث الذي يتصف معظم سكانه بالإدمان على العمل، فالكثير من الأشخاص يشعرون بالضغط الدائم الذي يدعوهم لأن يكونوا مشغولين بشيء ما، خوفاً من الظهور بمظهر الكسالى، سواء كان ذلك يندرج تحت إطار البحث، أو الاتصال بالعملاء، أو طلب المزيد من العمل في حال الانتهاء من أداء العمل المكلفين به، فلا أحد يريد أن يمر به مديره ويراه وهو يحدق في الفراغ، وذلك ينطبق على الأغلب على رؤساء العمل أيضاً، كما وقد بينت إحدى الدراسات أن العديد من الشركات تنظر إلى الملل باعتباره عقبة في طريق الكفاءة التنظيمية والابتكار.

ولكن في بعض الأحيان، فإن المرور بتلك الحالة من الملل – ولا نعني هنا النوع المزمن منه – التي تزيد من أحلام اليقظة، يمكن أن تساعد فعلاً في الوصول إلى حالة الإبداع التي تسعى إليها معظم الشركات، كما وجد علماء النفس أن أمريكا بدأت تشهد انخفاضاً في المستوى الإبداعي، حيث أن المعدلات الإبداعية بدأت تنخفض بشكل سنوي منذ عام 1990، وذلك على الرغم من أن معدلات الذكاء الإجمالي كانت تتزايد منذ تلك الفترة.

تشير أبحاث أخرى أن الملل يشجع على السعي لتحقيق أهداف جديدة عندما لا تعود الأهداف السابقة مثيرة للاهتمام، فإذا كنت تشعر بالملل من وظيفتك، فقد يكون هذا بمثابة علامة على أن هذه الوظيفة ليست مناسبة لك، أو أنك لا تشعر بالتحدي اللازم للمتابعة فيها، فإذا ما لاحظت ذلك فقد تقوم حينها بالطلب من مديرك بأن تتولى المزيد من المسؤوليات أو قد تسعى للبحث عن فرص أخرى، ولكن هذا لا يعني بأن يقوم أي شخص بالتخلي عن وظيفته إذا ما مرت عليه بعض الأيام المملة في المكتب، ولكن وتيرة الملل يمكن أن تكون محفزة للسعي لتحسين الحالة الوظيفية.

الملل الشديد مضر بالصحة

في حين أن المرور ببعض الأوقات المملة يمكن أن يلهم الإبداع والعمل المدروس، إلّا قد يؤدي أيضاً إلى سلوكيات غير صحية، وأحد أكثر الأمثلة شيوعاً هي تناول الوجبات الخفيفة الطائشة أو تناول الطعام بشكل مفرط، وهذا التصرف عادة ما يحدث لدى كل من الأشخاص البدناء وغير البدناء، حيث يعتقد بعض الباحثين أن عقولنا تستمتع بالأكل عند الشعور بالملل، وذلك لأن عملية تحضير وطبخ الطعام ومن ثم مضغه يبعد عقولنا عن حالة الملل ويدخلها في حالة حسيّة للغاية، وهذا الأمر يخفف مؤقتاً من حالة الركود التي نشعر بها.

بالإضافة إلى ذلك فقد تم ربط حالات الملل المزمن بالتسبب بالعديد من حالات الأمراض العقلية الخطيرة، حيث كشفت إحدى الدراسات أن مدى استعداد المشاركين للملل كان مؤشراً قوياً على إصابتهم بجنون العظمة، كما وجدت دراسة أخرى أن الأشخاص الأكثر عرضة للملل يكونون أكثر ميلاً للتعرض للأمراض النفسية، مثل القلق، والاكتئاب، والإصابة بالوسواس القهري، وعلى الرغم من أن هذه البحوث لا تعني أن الملل هو المسبب الرئيسي لهذه الحالات، إلّا أنها تشير إلى أن الملل قد يكون أحد الأسباب المساهمة في حدوث بعض الحالات المرضية الخطيرة على الصحة العقلية، لذلك فإن المفتاح الأساسي للحصول على حياة صحية هو، على ما يبدو، الاعتدال.

احتضان الملل

إن الملل قد يكون في الكثير من الأحيان أمراً لا مفر منه، حيث أنه يمكن أن يحدث في كثير من الحالات ولأسباب عديدة ومختلفة، والهدف ليس أن نقوم بالقضاء على الملل أو أن نشعر بالملل كامل وقتنا، إنما الهدف هو الحصول على جرعات صحية منه، لذلك فإن المرور بفترة من الملل لا يجب أن ينظر إليها كظرف سيء، بل كفرصة للانخراط في أحلام اليقظة، والسماح لعصائر الإبداع التي توجد داخلك بأن تتدفق، وإذا كنت بحاجة لمزيد من الأدلة، فإليك هذا الدليل الإضافي، يزعم أن نيوتن كان يجلس بملل تحت شجرة التفاح عندما اكتشف الجاذبية.

انشر عبر