شريط الأخبار

خضر عدنان: لماذا تركنا الفارس وحيدًا؟

11:46 - 29 تموز / مايو 2015

الاسير خضر عدنان
الاسير خضر عدنان

فلسطين اليوم - وكالات

في سجننا الكبير وحده ما زال يسير، تنبهنا عزيمته وتصفعنا بالسؤال الذي طرحه الصحافي والناشط الشبابي عبد القادر عقل من قضاء سلفيت منذ يومين حول تضاؤل مستوى التضامن الشعبي قبل الرسمي مع قضية إضراب الأسرى عن الطعام، وحول السبب الذي يجعل مستوى هذا التفاعل مع حرب الأمعاء الخاوية لا يرتقي لحجم معاناة الأسرى وتضحياتهم..

وما الذي يجعل 12 شخصًا فقط يشاركون في وقفة تضامنية مع خضر عدنان في مدينة نابلس؟ على سبيل المثال لا الحصر، عدة تساؤلات طرحها (عقل)  ونكرر جميعنا سؤالها وعنوانها الملح الصارخ يوميًا، لماذا ترك الفارس وحيدًا؟ ولماذا تنحت روايات الثائرين خلف الجدران؟ ولماذا كانت تجند الحملات المستمرة كلمةً وفعلًا من أجل الأسير محمود السرسك وأيمن الشراونة وسامر العيساوي في رواية صموده المتفردة،  ثم إنزوينا الآن عن نصرة قضيته رغم إعادة  أسره وفق محكوميته السابقة دون وجه حق قانوني وإنساني وأخلاقي، وهل سننتظر ما  حدث مع الأسير ميسرة حمدية الذي استشهد وهو مكبل في سريره وحيدًا بسبب الإهمال  الطبي وغياب السؤال، كذلك الحال يتشابه مع ما حدث مع الشهيد عرفات جرادات الذي ارتقى شهيدًا في ظروف غامضة في أقبية الجلاد والذي تم التعتيم عليه عمدًا، ولن تكون حكاية الأسير الشهيد جعفر عوض الأخيرة في روايات انتظار الموت والثبات لمنبت  الرجال.

هل الأوجاع الممتدة عبر الأوطان المحاصرة  بقبضة تمدد الإرهاب وشيطان الفتنة وتنحي  وسائل الإعلام عن أداء دورها الفاعل غير الموسمي في دعم قضايا الأسرى، وسيادة  ثقافة "بدنا نعيش" وتكرار الحديث عن الأولويات الأهم، كمبررات لكي ننسى من  يكتبون ملاحم الإباء والكرامة والعزة وراء قضبان العدو الصهيوني البغيضة رافضين الإنصياع لقرارات المحاكم الصهيونية الجائرة.  وهل بتنا ننتظر قرار الموت المؤجل لأسرى وأسيرات الحرية لأن حياتنا كلها أصبحت مؤجلة أسيرة الأغلال الكبرى؟ أسئلة تتزاحم كما الطعنات اليومية في خاصرة كل الأوطان الحرة تدعونا إلى استعادة فرط الإنتباه هناك صوب الرفيق المقاوم جورج عبد الله الذي يقبع منذ أكثر من ثلاثين عامًا وسط حالة من التسويف والمماطلة من عدالة فرنسية مشلولة ومرهونة لقرار من ولايات الطغيان، وتجاه كل أسير يقاوم الجلاد بإرادة من حديد. أليسوا هؤلاء هم من قال عنهم حكيم الثورة  أنهم "رفاقنا الحقيقيون هناك في سجون العدو وعندما يخرجون سوف ترون ذلك"..

واليوم، ومع دخول الشيخ خضر عدنان مفجر ثورة الأمعاء الخاوية إلا من الكرامة اليوم السادس والعشرين من الإضراب عن الطعام، حيث يقبع عدنان الوطن إبن بلدة عرابة  قضاء جنين في غرفة صغيرة قرب السجناء الجنائيين يتحدى سياسة الإستفزاز اليومية من عدو يمارس كل تعبيره المغرور عن الجبن والخوف عبر  سياساته التعسفية فيغلق النافذة الوحيدة في زنزانة الكرامة قاطعًا  الهواء عن الجسد المنهك تحت وطأة الإصرار على الإضراب ورفض كل المدعمات والخضوع لسلطات الإحتلال، معلنًا بيان الشرف: "لن أتراجع عن حقي المشروع في الحرية، ولن أسمح للعدو باستمرار تمرير سياسة الإعتقال الإداري وكل ما نريده السند لمعركتنا من الأحرار". رسالة لا تختلف في مضمونها الحاسم عن الرسالة الأولى التي  كتبها الشيخ خضر عدنان "أنا ولدت حرًا ولن أذهب إلى السجن طواعية، وإحتجاز حريتي وإعتقالي هو إعتداء على هويتي ووجودي". الشيخ  خضر عدنان لن يكون يومًا في قافلة  الجياع، بل هو الرواية الأبدية التي يجب أن تحكيها كل أم لأبنائها عن الحرية عوضًا عن الحكايا المستوردة الناعمة المحتوى المترفة المضمون، كأضعف الإيمان بقضية العدالة  والحقيقة الناطقة ضوءًا وسط عتمة السجون المتلاصقة..

تقول الرواية إنّ الشيخ خضر عدنان المولود بتاريخ 24/03/1978 وأب لخمسة أطفال؛ لم تبدأ سطور  مسيرة نضاله منذ الإضراب المفتوح عن الطعام  في الخامس من الشهرالجاري، فهذا هو الإضراب الرابع له عن الطعام والإعتقال العاشر في حجرات الظلم  والقهر الصهيوني، حيث أصبح إسم الشيخ خضر عدنان معروفًا محلياً ودوليا،ً ولن نقول  مشهورًا لأن الأحرار  أرقى من كل  معاني  الشهرة  الزائفة التي طالت كل الأسماء الباهتة من  نجوم  تفتقد للضوء الحقيقي الذي جسد قمة بريقه الشيخ خضر عدنان عندما خاض الإضراب الأطول عن الطعام في تاريخ الجلاد الصهيوني قبل ثلاث سنوات، والذي امتد لـ66 يوماً رفضاً للإعتقال الإداري، حين تم نقله في مرحلة متقدمة من إضرابه إلى مستشفى زئيف في صفد، حيث أمضى تلك المدة مستلقياً بين الحياة والموت، وبنفس الوقت مقيداً بقيد حديدي بيديه ورجليه إلى سرير المستشفى في مشهد محفور في وجدان كل حر، حين حقق مطالبه كاملة، والتي لم تثنِ العدو عن توالي الإعتقالات بعد حريته، حيث اعتقلته سلطات الاحتلال  مجددًا بتاريخ 08/07/2014 وحولته للإعتقال الإداري، دون تهمة أو محاكمة بحيث أمضى ما مجموعه 6 سنوات في السجون الإسرائيلية كانت في معظمها تحت مسمّى الاعتقال الإداري.

في أحد الإعتقالات فقط تمت محاكمته، بينما تم تحويله للإعتقال الإداري في الاعتقالات التسعة الأخرى لشهور أو سنوات حتى بدون أن يتم تبليغه بأي من التهم الموجهة إليه، ويعتبر الشيخ خضر عدنان أول من بدأ معركة الأمعاء الخاوية ضد قانون الإعتقال الإداري الذي يهدف أولًا إلى سحق إرادة الأسرى عبر أسرهم دون وجود  تهمة، ولكن صمود الأحرار كان دومًا عائقًا حديديًا أمام كل القوانين السادرة في غيها، حيث تم الإفراج عن الحر خضر عدنان في 17 نيسان عام 2012م لسبب واحد  فقط هو عدم ركوعه أمام  كل إشتراطات العدو وإستمراره في معركة الأمعاء الخاوية وإرتفاع مستوى السخط الشعبي التضامني مع  قضيته. كلها عوامل ساهمت في حرية البطل وفي تقديم نموذج الجوع الثائر، وقد إعترف العدو وإن كان  بكلمة حق ظاهرية فيها كل الإدعاء والكذب العلني لا المبطن، حين قال جدعون ليفي: "إن السلطات الأمنية الإسرائيليةولم تقدم في كل سنوات اعتقال القيادي في حركة الجهاد الإسلامي خضر عدنان المعتقل في سجونها أي دليل قانوني لإثبات ادعاءاتها في التهم التي توجهها له".

يجدر الذكر أن عدنان خاض اضرابًا تحذيريًا عن الطعام لمدة أسبوع عند تجديد اعتقاله الإداري للمرة الثانية في كانون الثاني /يناير الماضي؛ وأعلن صراحة أنه سيدخل إضرابًا مفتوحًا عن الطعام في حال تم تجديد اعتقاله للمرة الثالثة؛ وهذا ما تم فعلاً بتاريخ 05/05/2015؛ إذ أعلن إضرابه المفتوح عن الطعام ضد سياسة الاعتقال الإداري التعسفي.  وكما اعتقل الشيخ خضر من قبل سلطة التنسيق الأمني بتهمة رشق جوسبان بالحجارة لدى زيارته جامعة بيرزيت عام 1998 لمدة 10 أيام أمضاها مضربًا عن الطعام إحتجاجًا على اعتقاله، كما لم تتوقف سلطة التنسيق عن مطاردته.

هذه الليلة، تنطلق حملة تغريدات دعمًا لأسطورة السجون الثائرة، ويبقى السؤال هل تكفي وتفي هذه الحملات حق رواية وطن ثائر  يختزل بقضية إنسان حر مختلف في  تحديه لكل أشكال الحصار، ومعاندته للسلاسل والقيود وراء أسوار التعذيب والإصرار والصمود؟ وهل تكفي ثقة رفيقة درب وحياة الشيخ خضر عدنان بعزيمته التي لا يمكن أن تضعف يومًا لمن رفض أن يطأطئ يومًا هامته الشامخة، أم أنّ كل هذه الحملات ما هي إلا حلولًا مؤقتة تعويضًا عن الشعور بالتقصير  أو فرارًا من خبر رحيل مفاجئ  لبطل ما زال يقارع العدو ويعلن وحدته الوطنية بطريقته الأرقى والأنبل؟ ويكفي  في هذا الجانب إستعادة قراءة سيرة عدنان  فلسطين  لنرى أجمل مشهد، فحيث يكون حين تتوحد كل رايات الفصائل وترفرف في حضوره على أكتاف الأحرار  فرحًا وغبطة  بالأسير الحر الذي طالما كان وما زال المنتصر لقضايا  كل الأسرى بعيدًا عن ضيق الإنتماءات الحزبية  في حربهم  ضد كل القوانين  التعسفية، من الإعتقال الإداري إلى العزل الإنفرادي، إلى المطالبة الدؤوبة ببقية الحقوق المنتهكة من قبل عدو لا يعرف إلا لغة التسلط،  حيث لا يمكن لأحد أن  ينسى حضور الشيخ  خضر عدنان الدائم  في الساحات التضامنية، مرة في وقفة دعم مع أسير جبهاوي وآخر فتحاوي وثالث حمساوي ، فهكذا هم الطلقاء دومًا يقدمون دروسًا في الأخلاق لكل القيادات المستفيدة من حالة الإنقسام وتمديدها أطول فترة ممكنة تحت غطاء مبررات بلا حق ولا منطق.

علامات إستفهام تطرحها قضية الأسير الصامد الذي يعاني المرض والمهددة حياته  كل لحظة، بانتظار إجابات كما هو حال  فلسطين الماجدة الكبرى التي أغلقوا أبوابها على الشعب السجين.

انشر عبر