شريط الأخبار

هل ستجعل هذه "الآلة الجديدة" أطباء التخدير يجلسون في البيت؟

11:37 - 29 تشرين أول / مايو 2015

ألة التخدير
ألة التخدير

فلسطين اليوم - وكالات

تجلس نانسي يوسف، المرأة البالغة من العمر 59 عاماً في عصبية ملحوظة على السرير إلى جوار النقالة وهي تنظر إلى الآلة التي يفترض بها أن تخدرها لعمل منظار للقولون لكشف السرطان إن وجد، لكنها كانت قد قامت بالبحث المطلوب قبل هذه الخطوة، وحصلت على الإجابة بكل وضوح من طبيب تخدير صديق للعائلة: هذه الآلة تستطيع أن تحل محلي!

هذه الآلة التي سميت Sedasys تمثل آخر صيحة في الاتجاه الجديد الذي تتبناه المستشفيات بالاعتماد على الآليين في المجالات الممكنة، والاستغناء عن الموظفين، وقد كان منطقياً الاعتماد عليهم في نقل الأغراض، أو تقديم المساعدة في الجراحات، لكن هذه هي المرة الأولى التي يستبدل فيها الآلي الطبيب بشكل كلي، وليس أي طبيب، بل هو أحد أعلى الذين يتقاضون أجراً في المستشفيات، وهذا قد يكون مبشراً للبعض، ومخيفاً للبعض الآخر.

في جراحة نانسي، تحلق العديد من أطباء التخدير حول السرير ليروا كيف سيبلي هذا الجهاز، ولقد قام “سيداسيس” بالمهمة على أكمل وجه، ووصل بالمريضة إلى بر الأمان.

حتى الآن لا يستخدم سيداسيس في أكثر من أربعة مستشفيات فقط في الولايات المتحدة، مع أنه نال موافقة إدارة الغذاء والدواء في 2013، بسبب الحذر من استخدام التكنولوجيا الجديدة، كما أن أطباء التخدير قد كونوا لوبي لمحاربة هذه الآلة الدخيلة التي تريد أن تأخذ مكانهم، فطبيب التخدير يحتاج إلى أربع سنين التدريب بعد كلية الطب، ولا يبدأ مزاولة المهنة قبل الثلاثين، وهذا ما يجعل مرتبه من أعلى المرتبات، كما أنهم يقولون أن التخدير فن، فإن أعطيت نسبة قليلة شعر المريض بالألم، وإن أعطيت نسبة كبيرة، مات المريض، وهم يعتقدون أنه لا يمكن لآلة أبداً أن تستبدلهم، فما الذي ستفعله إن حدثت طوارئ؟

هذا ما جعل إدارة الغذاء والدواء ترفض في البداية عام 2010، بسبب المخاوف الأمنية،  لكن شركة “جونسون آند جونسون” التي عملت عليه لمدة عشر سنين كاملة فازت بالموافقة عندما أعلنت موافقتها على أن يكون هناك طبيب تخدير وممرضة جاهزين للتصرف فوراً في حالة حدوث طوارئ، كما وافقت على أن تحد هذا الجهاز بالعمليات البسيطة مثل المناظير في الأشخاص السليمين فقط، وهو ما دفع بالمدير العام للشركة أن يقول مطمئناً: دواعي استخدامها ضيقة جداً، هذا مريح لأطباء التخدير.

لكن هذه الراحة سرعان ما ستنتهي عندما يعرف هؤلاء الأطباء أن العمل يجري على آلات أكثر تطوراً من هذه، مثل الباحثين في جامعة كولومبيا في فانكوفر، والذين يقومون باختبار آلة تقوم بالتخدير دون أي مساعدة في عمليات المخ والقلب المعقدة، في الكبار وفي الأطفال أيضاً.

هذا جعل الأطباء يغيرون تكتيكاتهم، فقد خفضت الجمعية الأمريكية لأطباء التخدير من مطالبها حين شعرت أن سيداسيس في الطريق للموافقة عليه، فلم يعارضوا وجوده بشكل كلي وإنما قالوا إن الأمر “يجب أن يخضع لضوابط”، وقالت الطبيبة ريبيكا تويرسكي أحد أعضاء لجنة الحكم على سيداسيس، أنه من نوع الابتكارات المزعجة فعلاً، لكنه لن يغني عن أطباء التخدير.

صحيح أن سيداسيس محاصر الآن، لكن قد يكون تأثيره عظيماً، فمناظير القولون تعد أحد أكثر الإجراءات الطبية شيوعاً في دولة مثل الولايات المتحدة، وهو غير مريح ومؤلم للشخص، ومعظم المرضى يتهربون منه، وقد أصبح التخدير شائعاً مؤخراً في هذا الإجراء، فقد كلف في 2009 1.1 مليار دولار، لدرجة أن التخدير يكلف أكثر من الإجراء نفسه، ما يصل إلى ألفي دولار، وبالمقابل فإنه لا يكلف أكثر من 150 إلى 200 دولار مع استخدام سيداسيس.

في جراحة نانسي ضغط طبيبها الزر، فتدفقت جرعة محسوبة بدقة إلى دمها، وبدأت الآلة العمل، قامت بمراقبة تنفسها ومستوى الأكسجين في دمها ومعدل ضربات القلب، فيما يخرج صوت كمبيوتر يقول لنانسي بين الحين والآخر أن تضغط على جهاز تحكم في يدها، فقد كان هدف الآلة أن تخدرها بدرجة تجعلها غير واعية لكن قادرة على الاستجابة.

تمت برمجة الآلة سيداسيس على الانتباه حتى لأبسط المشاكل، إذ تقوم بإبطاء أو قطع حقن المخدر، والصفير عند مستوى الأكسجين المنخفض ما يجعل الأطباء يصيحون بالمريض أن يأخذ نفساً عميقاً، وقال الطبيب أنه قبل سيداسيس كان يلجأ إلى أحد الخيارين، إما أن يستعين بطبيب تخدير متوافر، وهو ما يصعب العثور عليه في فريق مستشفاه المحدود، أو يخدرهم بنفسه باستخدام عقار ميدازولام الضعيف، والذي لا يعمل مثل العقارات القوية التي لا يسمح باستخدامها إلا لأطباء التخدير، كما أنه يبقي المريض مشوشاً لبقية اليوم، لدرجة أنه يعد من العبث أن تخبر المريض بنتيجته أو إرشادات معينة، لأنه ينساها بالتأكيد.

أما سيداسيس فيستخدم البربوفول، الشهير وسط العامة بعد موت مايكل جاكسون بجرعة زائدة منه، لكن الجرعة المضبوطة منه مثالية لتنظير القولون، ويفضله الكثير من الأطباء، ويستطيع المريض أن يغادر بعد ربع ساعة فقط بدل قضاء اليوم في السرير، فهل يأتي اليوم الذي يستمر فيه سيداسيس في التوسع حتى نستغني عن أطباء التخدير تماماً؟ الإجابة غير ممكنة بعد.

انشر عبر