شريط الأخبار

سؤال برسم الأخسرين أعمالاً ..علي عقلة عرسان

10:29 - 27 حزيران / مايو 2015

قال تعالى: ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)/ سورة الكهف.

نطرح سؤالاً مُراً، نضعه برسم المتقاتلين في بلاد الشام والعراق واليمن، وفي سورية من بين تلك الأقطار، على وجه التخصيص.. نطرحه للتأمل والتفكر والتبصر والتدبر، وليس لكي نحصل على إجابة. والسؤال للمتقاتلين بلا أفق مصالحة أو سلم أو تسامح أو رحمة: إذا ما أعلن كل طرف منكم النفير العام، واحتشدت جموعكم تحت راياتكم الكثيرة، ودارت بينكم رحى الحرب المذهبية، أو الأهلية المهلكة، لأشهر أو لسنوات أخر، إضافة إلى السنوات الخمس العجاف التي مضت وتركت أوزارها.. واستفحلت مذهبية أقل تمويهاً مما هو كائن حتى الآن.. وبقي من عديد أحد طرفي الصراع بينكم ربعه، وبقي من عديد الطرف الثاني نصفه أو أكثر أو أقل، وبقي الشعب المفجوع المنهوب المسبيّ الشقيّ، هائماً في أصقاع الأرض بلا أمن ولا كرامة ولا أمل.. وأعلنتم، أعلن كلٌ منكم، بالطبل والزمر ووسائل إعلام العصر: "نصره المبين على عدوّه الألد، من العرب والمسلمين، أي من أبناء الأمة والعقيدة والبلد.. فمن تراه يكون المنتصر الحقيقي منكم، مع تنازعكم، أنتم الطرفين، على احتكار الانتصار الفادح.؟! وذلك وفق حسابات العلم والمنطق، والعقل والدين، والواقع القائم.. بعد أن تضع حربكم أوزارها؟! أهم الشيعة أم السنة، اللاتكفيريون أم التكفيريون، العلمانيون والمقاومون والممانعون من جهة، والمعارضون بأنواعهم وأصنافهم وتنظيماتهم، ومن بينها داعش والنصرة، من جهة أخرى؟! أم من منكم، وفق التصنيف الفتنوي - المذهبي المعلَن حرباً، والقائم على قدم وساق، في تجمعات وأنفس وعقول، ولدى مرجعيات وإثنيات، وفي وسائل إعلام، وحسب صريحات فصيحة، وسياسات فضيحة؟! هو الباني الباقي المنقذ الذي كتب لنفسه الخلود، وضمن الجنة، والتفت حوله الحوريات زرافات ووحدانا، وكرسه الدهر خليفة أو حاكماً أو قائداً وسلطاناً.؟!

لا أطلب جواباً، ولا أتوقعه، ولا أريده لكي أبني عليه.. ذلك لأنني مقتنع تمام الاقتناع، بأنه لا يوجد منتصر ولا معصوم في حرب الفتنة العمياء، التي تستعيد صفين جَزَعَة، وتؤسس لما بعدها لمئات سنين أخرى. ولا يوجد أفق ولا مجال لقوة تريد أن تصون وتبني وتحرر، وتنصر المظلومين على الظالمين، وتوفر للإنسان الأمن والكرامة والحرية والاستقرار والازدها، لأن آفة الصراع " البيني" لن تتوقف، بينما ينعم المحتل وغيره من أعداء الأمة بالراحة التامة، ويتفرغ لمشروعه الأكبر.. ذلك لأن " المكتوب يقرأ من عنوانه كما يقال"، فحرب تدفن الأحياء وآمالهم وتطلعاتهم في رمالها وتطمرهم بأوحالها، وتشغل العقول والقلوب بعقابيلها وثاراتها.. لن تؤسس إلا لما هو في هذه المناحي؟! الكل، في حروب الفتن المذهبية المجنونة، ظالمون ومظلومون، مسؤولون ومدانون، يتحملون وزرها أمام الله والتاريخ والناس، لكنهم يتملصون من المسؤولية عنها في زمن التملص الرحب، وينزلقون من حال إلى حال، ومن موقف إلى موقف، ومن عذر إلى عذر.. انزلاق الزئبق عن السطح  الصقيل.؟! كلُّ منغمس في الحرب اليوم، والغ في الدم والإثم، يتحمل مسؤولية تقسيم البلاد وتفريق الأمة وتشويه المفاهيم الصحيحة للإيمان والانتماء.. وكلٌ مكلوم مهزوم مأزوم، يجلله الخسران حتى لو بقي وحده رافعاً أنفاً وسلاحاً في الميدان، لأنه جزء من النكبة المتجددة، وغارق في الجريمة إلى ما فوق أذنيه. وخسران أولئك جميعاً، في الصفين المتحاربين، أو في الصفوف المتحاربة.. لا ينعكس عليهم فقط: بؤساً، وإفلاساً، وضعفاً، ونقمة، وكوارث لا حدود لها.. بل ينعكس على الأمتين العربية والإسلامية، على العروبة والإسلام، على القومية والدين، على العقل والنقل، السنة والشيعة، المؤمنين والملحدين، الأقليات والأكثرية، الحاضر والمستقبل، المسلمين وغير المسلمين في وطن الجميع، شرق الجميع، حضارة الجميع.. وينعكس مرارات وكوارث مستقبلية على المجتمعات التي عانت وتعاني مرَّ المعاناة، من قصور السياسات، ووحشية الممارسات، وجنون عظمة من يحكمها ويتحكم بها، ويزجّها في الحرب وفي صراعات مقيتة، ويقودها إلى المهالك والمسالخ البشرية، المنتشرة في سورية والعراق على الخصوص، من بين بلدان عربية وإسلامية تعرِّش فيها المصائب.؟! لا يوجد رابح حقيقي، في هذا الصراع الهمجي الجهنمي، ولا يوجد منتصر حقيقي فيه.. إلا عدو الطرفين المنكوبين، الرابح والمنتصر هو: " إسرائيل، والصهيونية، والولايات المتحدة الأميركية، والغرب الاستعماري، وكل دولة من الدول وتحالف من التحالفات التي تساهم في صنع الكوارث العربية الإسلامية بطريقتها، وتنطلق من مصالحها، لتعزز وجودها، واستراتيجياتها، ونفوذها.. على حساب دمنا، ومصالحنا، وحقوقنا، ووجودنا كله. فاتقوا الله وارشدوا، ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) الأنفال - آية ٢٥.

من المؤسف القول، بأن المنغمسين في الصراع الفتنوي الدامي: فقدوا الرؤية، والإحساس بالآخرين الضحايا والأدوات، وفقدوا القدرة على تشخيص المصلحة العليا للوطن والإنسان، فضلاً عن عجزهم عن مراعاة تعاليم الدين القويم وقيمه، والمفاهيم السليمة لمعانيه ومراميه، وتجاهلهم لكل ما يبني الأوطان ويبقيها للأجيال، التي ينبغي ألا يُصادر حقُّها في الحياة على أرض وطن ذي سيادة، وقوة، ومنعة، وكرامة.. لقد انغلقت أمام أبصارهم وبصائرهم، عقولهم وقلوبهم.. فضاءات الشرع والعقل والحكمة، وأصبحوا أسرى الكراهية والدم والثأر، وأدوات للمتلاعبين بمصائر الشعوب والدول، ومادة للحقد والموت، ومحركات قوية لقوى الشر، والقتل، والفوضى، والهدم، والدمار.. ولِمَا ينتجه كل ذلك من ذل وخسران وعار. إنهم لا يسمعون الصوت، ولا تقنعهم الحجج إن هم استمعوا إليه، ولا يعنيهم إلا " النصر = الهُلْكَة"، والمضي إلى آخر بؤر الاحتراق في نار الفتنة التي يؤججونها بزج الناس فيها. ومن عجب أن كلاً من زعماء الحرب، وأمرائها، وقادتها، وتجارها، والمحرضين عليها، والمنتفعين بها، يشد شعر السماء لتظله وحده، وترفعه منقذاً أو شهيدا، وتكتبه "الفئة الناجية"؟! رغم ما يريقه من دم، وما يستبيحه من حُرَم، وما يشيعه من فساد في الأرض، وما يخربه ويبيده، أو يتسبب في تخريبه وإبادته، من حرث ونسل، وما يقتله من أمل قد يتفتح في عيون الأطفال.؟! ترى ألا يصح في أولئك قوله، سبحانه وتعالى: ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)/ سورة الكهف؟!. 

إن قراءة المحيط، وقراءة السياسات المؤثرة دولياً، فيما يتصل بالحرب الدائرة في سورية والعراق، أكثر من أمر في غاية الأهمية، لأنه لا ينفصل عن دراسة الواقع على أرض المعارك الدائرة، وذلك بسبب تشابك الخارج مع الداخل السوري والعراقي بأطيافه المختلفة من حيث التخطيط والتمويل والتقرير. بل يمكن القول إنه لا بد من هذه القراءة الواعية المسؤولة، ووضع الاستخلاصات منها في إطار تطور الأحداث اليومية.. ومن ذلك الذي ينبغي أن يُقرأ بعناية، وتُستَخلَص منه نتائج:

١ ـ اتفاق المملكة العربية السعودية، وقطر، وتركيا، على دعم المعارضات، والعمل على توحيدها، وتدريب عناصر مختارة منها في تركيا والأردن بإشراف أميركي، ومدها بالسلاح والمال، لإسقاط النظام في سورية، ومن ثم التصدي للمنظمات الإهابية.

٢ ـ اتفاق الولايات المتحدة الأميركية وتركيا، على تقديم دعم جوي، يشكل حماية للمعارضة التي دخلت أو ستدخل المعركة في سورية، بعد أن تنجز تدريبها.. وإلا فإنه: ".. لا الجدوى من ذلك التدريب، ولا من إرسالها للقتال"، كما قال مسؤولون في البلدين. وهذا يعني تطوير المعارك في بعض المناطق السورية، بصورة نوعية، ليدخل فيها سلاح الجو من طرفي الصراع، والتمهيد لمناطق حماية جوية.

٣ ـ ما جاء في خطاب السيد حسن نصر الله الأخير، في ٢٥ أيار /مايو ٢٠١٥، لا سيما الدعوة إلى النفير العام، وإلى صِفِّين جديدة، وقوله: "بدون أي تحفظ، نعم لم نعد موجودين في مكان دون مكان في سوريا. نحن موجودون اليوم في أماكن كثيرة، وأقول لكم اليوم سنتواجد في كل مكان في سوريا تقتضيه هذه المعركة، ونحن أهلها، ونحن رجالها.. إلخ".. وما بناه الطرف الآخر على تلك الأقوال، وما دعا إليه بعض مقاتليه، من نفير عام مقابل.. وقد تبع ذلك تصعيد في المناطق الساخنة، وفي السياسة والإعلام، وفي البيت اللبناني، والشيعي ذاته.

٤ ـ ما يقال عن توافق أولي، بين وزيري خارجية الدولتين العظميين، قد ينطوي على تقسيم في سورية والعراق. وعلى الرغم من أن هذا الأمر ترفضه الشعوب، إلا أن هناك من تقبله ويقبل عليه من أطراف الصراع، ومن بعض الأقليات.. ولا تستطيع سياسات مهزومة أو مأزومة أن تحبطه حتى لو رفضته، لأنها محكومة بأوضاع، وتحالفات، ومواقف، ووقائع، وظروف معروفة.

٥ - الحرب في اليمن التي أخذت منحى مذهبياً، بين الحَوثيين مدعومين من إيران والسنة الذين تدعمهم السعودية، وما تجره من تفاعلات على المستوى الشعبي، داخل اليمن وخارجه. على الرغم من رفض يمنيين كثر لهذا المنحى من التصنيف والتفسير، وتركيزهم على الطابع السياسي للأزمة اليمنية.

٦ - حالة الاحتقان المذهبي في البحرين التي تتفاعل منذ زمن بعيد، وتضاف إلى الأوضاع الحالية. والتفجير الأخير في قرية القديح في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، حيث رفعت تظاهرة لبعض الشيعة في القطيف أعلام حزب الله، ونادوا السيد حسن نصر الله "لإنقاذهم".. وقد تبع هذا الحدث بيان حكيم لعلماء الشيعة في المنطقة الشرقية، محذراً من الفتنة، نابذاً لها، داعياً إلى معالجة سريعة للجريمة بحكمة، وإلى تجفيف منابع الفتنة، بالنص: ".. وندعوهم للإسراع في تجفيف منابع الفتنة والتفاهة الطائفية، ومحاكمة منابرها الإعلامية في هذا الوطن بالخصوص، وأن يُسن قانون يجرّم كل من يذكي روح الكراهية، ويسعر لهيب الفتنة الطائفية، ويكفر الآخر، ويؤلب عليه الآخرين..إلخ". وهذا عمل مسؤول، ويكتسب أهمية خاصة في هذه الظروف.. ونحتاج إلى أمثاله.

إن في هذا الذي أشرت إليه في السابق، ما فيه من تطورات، تستدعي قراءات واعية، وقرارات مسؤولة، وإدراكاً عميقاً للعواقب، ولمخاطر توسيع مجالات الاشتباك نوعياً وكمياً.. كل ذلك يقتضي العمل العاجل لتدارك الأمور، قبل أن تتحول الأوضاع إلى مجازر أبشع وأوسع مما شهدنا من مجازر، وإلى تدخل عسكري مباشر للدول والتحالفات التي تقف وراء المتقاتلين جميعاً.. ولهذا عواقبه الوخيمة على المنطقة وشعوبها، في المديين البعيد والقريب، وله خطره على الأمن والسلم الدوليين، إلا أن الراكبين رؤوسهم يمضون في طرق اختاروها وفرضوها، أو فُرِضت عليهم، وهي المؤدية إلى أعماق الهاوية.. ومهما صرخت لا يسمعون، ومهما قلت يبقون على خيارات الحرب والحسم بالاسلاح، وينادون بالثبور وعظائم الأمور، وينبذون ظهريَّاً كل من/وما عدا ذلك الذي يختارن.؟!

ونحن لا نملك حيال ذلك إلا الحسرة والغضب والشكوى والصراخ.. ولكن في صحراء الأنفس لا يجدي الصراخ، ويُجلد العقل، ويُدان من لا يتكلم بكلام الجنون، ومن لا يخوض الفتنة وهو مزهو بها، عاشق لها، وأكثر من مفتون.. ؟!

ألا أيها الماضون إلى علياء من وهْم، وسقم، وهَم، ومن توهم وفتون وطغيان، وفجور مجنون: ألا.. تقاتلوا بمزيد من " الشهامة"، والشجاعة، والوحشية، وبمزيد من العنف الدنيوي - الدَّني، والفوضى الدموية.. بأنواع من الإرهاب والذبح والتعذيب والهمجية. تقاتلوا، وارفعوا راياتكم، ودقوا طبول الحرب، وصيحوا جميعاً، جميعاً، جميعاً.. وما الصارخ والصوت وصداه ومفعوله، إلا قول من مشى إلى الحرب صارخاً: " أعلُ هُبَل". ولن يعلوَ هُبل.. لن يعلوَ هُبل. اقتلوا أنفسكم، وأولادكم، وأوطانكم.. اقتلوا دينكم، وحضارتكم، وقيمكم، وتاريخكم.. اقتلوا.. واقتلوا، واقتلوا.. وارفعوا رؤوسكم من قبوركم الجماعية، ارفعوها بمعجزات فتنوية تدْعونها، وتدّعونها، وتصنعونها.. ارفعوا رؤوسكم لتروا كم أنتم في ضلال مبين، وكم ألحقتم بخلق الله من شرور وآلام وشقاء وظلم ورعب، وعيش مهين. تقاتلوا، فإن خير من يرتجى منه الخير فيكم، يحرض على الفتنة، ويدعو إلى الموت، بعبثية لا تدانيها عبثية، وبكلام يمليه تفكير عاجز عن التدبير، وعن قراءة الواقع، وما يعتمل في المحيط البشري، القريب منه والبعيد عنه، قراء واعية، مدركة للأبعاد ولما يدور في دهاليز السياسة من أمور، ولما يدبّر لمنطقتنا وأهلها من خطط ومصائر، هي في أحسن الأحوال: تفتيت لها، جغرافياً وبشرياً. وغرس للصراعات بين مكوناتها إلى مدى غير منظور، وجعل الساسة والقادة فيها: خولاً، وتبعاً. وتحويلها إلى مواقع استثمار لأصحاب الاستراتيجيات الكبرى ومن يتحالفون معهم، وجعل حكامها أدوات في الحرب والسلم.. بل وجعلهم عاجزين وعن تبيّن ما يقود إليه القول التحريضي غير القبول وغير المسؤول، من جنون وعَتَهٍ وحمق، لا يقدّر معها المرء وقع تأثير قوله وفعله في الأنفس، ولا تفاعلاته بين من يتبعونه ومن يعادونه، ولا يضع في الاعتبار نتائج ما سيكون، على الناس في بلدان ضاق بها الناس وضاقت بهم. وحين يقوم كل " مرتجى، ومنظور إليه في جماعة، وكل متسلط على قرار وشعب، وكل منتفع برؤوس يربطها به، ويجلبها إلى سوق الفتنة والموت جماعة بعد جماعة.. حين يفعل " المرتجى منه العقل"، ما لا يقبله العقل من سياسة وفكر وتحريض ودعوة إلى الحرب في كل مكان، وإشعال النار في كل موقع.. فإنه لا يلام من لا يملك من الأنام إلا أن يكفُر ويفجُر ويقتُل ويسلب وينهب ويغتصب، ويموت مقامراً ومغامراً، يقول: " عليَّ وعلى أعدائي يا رب.".

أيها الكبار في حرب الفِجَارِ أو الفُجّار، إياكم أن تقبلوا الصلح، ووإياكم أن تأخذوا بقوله تعالى: ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم) الآية ( 61 ) من سورة الأنفال. فذاك سيكون بنظر الناس عار ترفضوه، حتى لو كان بنظ رب الناس وخالقهم فضلاً يندب المرء إليه؟! فحربكم أولى بكم من ربكم، ومذاهبكم أعلى من إسلامكم..؟!.." والعياذ بالله ثم العياذ بالله".. وحقدكم عزيز أثيل لا يرويه محيط، ولا يشفيكم منه سلم، ولا تستشرفون مداه في تقوى الله.. فهو أعمق، وأكبر، وأدوم من وجودكم ذاته.

ردوا على مذابحكم بمذابح، وارفعوا نعوشكم بوجه نعوش خصومكم، لكي تبرّروا ويبرّروا مزيداً من القتل ومزيداً من النعوش.. اصرخوا بجنون: هذه مذبحة "كذا" التي تنادي بثأرها، لترتفع بوجوهكم أصوات تقول: وهذه مذبحة "كذا" تنادي بثأرها..؟! تبادلوا كؤوس الثأر إلى أن يسفر صبح ترون فيه أنكم لم تكونوا سوى ثمالات حنضل الحروب وثِفَالها.. هكذا كونوا، لأن ذلك، كما يبدو، هو وحده الذي يليق بكم، فتابعوه دواليك، إلى أن يَفني بعضكم بعضاً، ويرتاح أعداؤكم منكم، ويجلس الساقط منهم فوق جثثكم، ثم ينثرون عظامكم من لحودكم، ويحولون مقابركم إلى شوارع يدوسونها، ويبنون لهم على أنقاض مجدكم مجداً، بعد أن أشبعتم مجدكم هدماً.

ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

انشر عبر