شريط الأخبار

من زراعة الرحم إلى تجميد المبيض: العلم يملأ المحرومات من الأمومة بالأمل

11:28 - 22 حزيران / مايو 2015

الأمومة
الأمومة

فلسطين اليوم - وكالات

كانت “س” في الخامسة عشرة عندما تلقت صدمة حياتها الكبيرة، قال لها الأطباء في ذلك اليوم أنها لن تصبح أماً أبداً، وأن الأمر مستحيل العلاج، همسوا في أذنها بمواساة “ليس لديكِ رحم، فكيف يكون لديكِ طفل؟”

ربما بكت “س” كثيراً، لكنها بالتأكيد تقبلت الأمر في النهاية، ككثير من النساء اللاتي يولدن بعيب خلقي، فلا تكون في أجسادهن أرحام، وهن لسن قليلات، فواحدة من كل 5000 امرأة تعاني هذه الصدمة عندما تكتشف الأمر، لكن “س” ربما لم تكن تعرف وهي تراقب الأطفال وهم يركضون في الحديقة وأمهاتهم بحسرة، أنها سوف تصبح بعد عشرين عاماً أول أم في العالم تلد بعد زراعة ناجحة للرحم.

الوالدان اللذان رفضا الإفصاح عن اسمهما قالا إنهما يأملان أن يكونا أملاً لأولئك الأزواج الذين يئسوا من إنجاب الأطفال، سميا طفلهما “فينسنت” وهو اسم يعني الانتصار، رمزاً لانتصارهما في نهاية الرحلة الشاقة والطويلة نحو الأبوة، كما قالا أنهما يشعران دائماً بالامتنان لتلك المرأة، صديقة العائلة ذات الواحدة والستين عاماً التي قررت التبرع للزوجة الشابة برحمها.

وكان فريق طبي في السويد هو الذي أجرى هذه العملية بعد تدريب كثيف لمدة عشر سنين على الحيوانات للوصول إلى هذه اللحظة، وقد قام الفريق بهذا عبر تخصيب 11 جنيناً للزوجين عبر تقنية أطفال الأنابيب، ثم قاموا بتجميد الأجنة، وزرعوا الرحم للمرأة ، ثم بدأت تأخذ أدوية تثبيط المناعة لمنع حدوث رفض جسمها للعضو الممنوح ، وبعد سنة من هذا الأمر، وصلت أخيراً إلى اللحظة التي قال لها فيها الأطباء “سوف نزرع الأجنة المجمدة فيكِ الآن”.

تقول “س” أنها لا تصدق حتى الآن أنها أصبحاً أماً، كما تقول أنها لا تزال تفكر مع والده كيف ستخبر الطفل عندما يكبر أنه كتب تاريخاً طبياً بولادته، وأنها ستريه كل المقالات التي كتبت عنه، وتحكي له الرحلة الصعبة التي خاضتها كي تصل إليه، وقد سبق أن أجريت عمليات زراعة الأرحام من قبل في السعودية وتركيا، لكن العمليات الناجحة كانت في السويد فقط، حيث جرت لتسع نساء أخريات، نجحت ثلاث ولادات منهم، ولا يزال البعض الآخر في مرحلة الحمل، ويقول الأطباء أن هذا سيكون حلاً للنساء اللاتي ولدن دون أرحام، أو للنساء اللاتي تعرضن لسرطان انتزع فيه، لكن ماذا عن النساء اللاتي يعانين العقم لأسباب مختلفة، ما هي الخيارات الأخرى الجديدة التي لا نعرفها بعد ؟

تجميد نسيج المبيض: أن توقف عقارب الساعة في اللحظة المناسبة

ساعة المرأة البيولوجية موجودة في المبيض الخاص بها وليس في الرحم، لهذا فكر العلماء، ماذا لو جمدنا عقارب الزمن، ماذا لو جمدنا المبايض أو جزء منها على الأقل في سن ذروة الخصوبة عند سن التاسعة والعشرين أو الثلاثين، ثم “أيقظناها” عندما تصبح المرأة جاهزة لإنجاب طفل؟

سميت هذه التقنية الحفظ بالتبريد، حيث تؤخذ شرائح نسيج من مبيض المرأة، أو يؤخذ كله أحياناً بالجراحة ثم يتم حفظه بشكل مجمد، ثم ينقل في الوقت المناسب إلى جسدها ثانية، وقد نجحت هذه التقنية الجديدة بالفعل في ثلاثين امرأة حامل الآن، وجميعهن كن قد شخصن بالسرطان وتعرضن للعلاج الكيماوي الذي يدمر أنسجة المبايض لكن تجميده قبل تعرضهم له أنقذ أمومتهن من السحق تحت قسوة السرطان، و هذا العلاج لا يزال تجريبياً حتى الآن.

بدل بنوك النقود: النساء يذهبن إلى بنوك البويضات

في خريف السنة الماضية أعلنت شركتا آبل وفيسبوك بأنهما سوف تغطيا تكلفة تجميد البويضات للموظفات الإناث العاملات لديهن، ما أثار ضجة إعلامية حول تلك النقلة النوعية التي ستسمح للنساء بتخزين بويضاتهن في ذروة الخصوبة، دون الحاجة لانتظار الحيوان المنوي للرجل.

ولطالما كان بإمكان الأطباء أن يخصبوا الأجنة في الأنابيب ثم يجمدوها، لكن، لم يكن من الممكن تجميد البويضة لوحدها، حيث أن معظمها ماء، لذلك فإنها عندما تتجمد، فإن هذا يكسّر المادة الجينية الموجودة فيها، لذلك فقد جاءت هذه التقنية التي بقيت تجريبية حتى وقت قريب وسميت بـ”البويضات الزجاجية” حيث تبرد بسرعة فائقة، ونجحت هذه التقنية في 2000 طفلاً ولد حتى الآن، ولذلك فقد أعلنت الجمعية الأمريكية للطب التناسلي عام 2012 أن هذه التقنية لم تعد تجريبية.

لكن هذه التقنية لها عيوبها أيضاً، فقبل أن تهرع المرأة لتخزين بويضاتها في البنك عليها أن تدرك أن الأمر مكلف، فقد تنفق كل هذا المال ثم لا تحتاجها في النهاية، حيث أنها تدفع في البداية 10 آلاف دولار، ثم تدفع كل شهر 500 دولار لتخزينها، كما أن هناك مشكلة عدم قدرتنا على اختبار سلامة الكروموسومات في البويضة مثلما كنا نفعل في الأجنة المخصبة، واكتشاف جهاز يستطيع ذلك يحتاج عشر سنين على الأقل قبل أن يكتمل، لذلك يفضل تجميد الأجنة عن البويضات.

ماذا إن لم يكن لدى الرجل او المرأة امشاج أصلاً؟

إن هذا أمر يبدو مستحيل الحل تماماً، فالعلم قد استلزم عشر سنين ليتغلب على عدم وجود رحم، كما استطاع التحايل على السرطان وتجميد المبيض، لكن يبدو أن الطريق مسدود هنا، فما الذي بوسعه فعله في هذه الحالة؟

لكن يبدو أن العلماء لا يتوقفون عن محاولة جعل المستحيل ممكناً، فقد أعلن العلماء في جامعة كامبريدج أنهم استطاعوا للمرة الأولى استخدام خلايا جلد الرجل أو المرأة لإنتاج خلايا جرثومية بدائية في المعامل، وهي الصورة الأولية من الأمشاج المذكرة أو المؤنثة، وصحيح أن الأمر سيحتاج عشر سنين قبل أن يدخل حيز التنفيذ، لكنه سيكون ثورياً، وسيصبح بإمكان الآباء الذين فقدوا الأمل تماماً أن يحظوا بحياة طبيعية وسط أطفالهم.

الطريق الطويل نحو الأبوة: تاريخ المحطات الثورية

الطريق للأبوة بالنسبة  لزوجين لا يستطيعان الإنجاب، طويل ومتأرجح بنهارات الأمل وليل اليأس، لكن هذا الطريق لا يسير عليه الآباء وحدهم، بل يسير عليه اطباء وعلماء يصلون الليل بالنهار، وينامون على الكتب وبين أنابيب المختبرات كي يصلوا إلى هذا الكائن الصغير عند نهاية النفق.

إليك تأريخ أهم خمس محطات ميزت العقود الماضية حققت ثورة حقيقية ونافذة في علم الخصوبة:

1-السبعينات: أطفال الأنابيب:

نحن نسمع عن الذين حصلوا على “طفل أنابيب” هذه الأيام كثيراً، إلى درجة أنه أصبح أمراً معتاداً كالولادة الطبيعية، لكنه لم يكن كذلك عام 1978، حين ولد أول طفل في العالم بهذه التقنية، ليليه ملايين الأطفال في العالم، فكرة هذه التقنية تقوم على مزج الحيوان المنوي للأب مع بويضة الأم لتكوين الجنين، ثم زرعها في رحم الأم بعد عدة أيام.

2-تصوير أجنة اطفال الأنابيب Time-Lapse Photos of IVF Embryos

عبر هذه التقنية تتم مراقبة الجنين الذي تم تخصيبه لمدة 5-6 أيام، لمعرفة الوقت الذي ينتج الجنين فيه “الكيسة” وهو أنسب وقت لزرعه داخل الرحم، أما إذا كونه الجنين متأخراً عن هذا الوقت، فإنه يعني أن هذا الجنين فيه مشاكل، وحينها قد يتخلى الطبيب عن فكرة زرعه ويستبدله بآخر.

3-نقل جنين واحد

بعد ابتكار طريقة أطفال الانابيب، اعتاد أطباء النساء والتوليد أن ينقلوا عدة أجنة للرحم، فالأمر مكلف، وهم يقولون إن فشل البعض فسينجح على الأقل واحد، لكن العلماء قالوا إنه من الأفضل أن نترك الجنين ينمو أكثر قبل أن نزرعه، لأن فرص ثباته سوف تصبح أفضل، كما قالوا إن كونه واحداً فقط يقلل فرص حدوث التوائم أو مولد الطفل مبكراً أو نزيف الحمل.

4-الثمانينات: تجميد الأجنة

ولد أول طفل من حيوان منوي مجمد في 1953، كما ولد أول طفل من جنين مجمد عام 1984، يليه بسنتين فقط مولد أول طفل من بويضة مجمدة، والأطباء يستخدمون هذه التقنية مع تقنية أطفال الأنابيب، فيزرعون بعض الأجنة ويجمدون البعض الآخر، كي يزرعوه في مرة أخرى إن فشل الحمل.

5-التسعينات: الحقن المجهري Intracytoplasmic Sperm Injection (ICSI)

ولد أول طفل بالحقن المجهري في أوائل التسعينات، أحياناً يحتاج الحيوان المنوي إلى مساعدة، ربما لا يسبح جيداً، أو ربما تكون قشرة البويضة أسمك من اللازم،وهنا يأتي دور الحقن المجهري، حيث يقوم الأطباء في المختبر بحقن الحيوان المنوي داخل البويضة، وتبلغ نسبة نجاح هذا التخصيب من 50% إلى 80%، وقد صنعت هذه التقنية فارقاً حقيقياً بالنسبة للآباء الذين يعانون من انخفاض عدد الحيوانات المنوية أو مشاكل خصوبة أخرى.

أما هذا العقد فقد ميزه كما أسلفنا نجاح أول زرع رحم، وتجميد المبيض لمريضات السرطان، وبنوك البويضات، ولا أحد يعلم ما سيميز العقد القادم أيضاً غير إمكانية تحويل خلايا الجلد العادية إلى أمشاج، هذه المحطات كلها تصر على فتح أبواب الأمل عند الأزواج اليائسين من طول الرحلة، أن العلماء لم ييأسوا بعد، وأن الغد ربما يحمل لهم شيئاً منتظراً.

انشر عبر