شريط الأخبار

الصدوع التي تمزق المملكة الاردنية .. هآرتس

11:38 - 22 كانون أول / مايو 2015

بقلم - تسفي بارئيل


(المضمون: في ظل التوتر الاجتماعي المتصاعد الذي يخلقه تزايد اعداد اللاجئين في المدن الاردنية، فان التهديد الامني الذي يشكله داعش يحتل معظم الانتباه الرسمي والشعبي في المملكة - المصدر).

تلقى أبناء اللاجئين السوريين في مخيم الازرق في الاردن هدايا تتضمن "علبة الافكار"، وهي مجموعة من العلب الملونة التي صممها فيليب ستارك فيها منظومة سينما بيتية، 10 حواسيب، 25 آيبود، كتب الكترونية والعاب تركيب. وكان بادر الى ارسال الهدية التي تستهدف تبديد سأم نحو 18 الف من سكان المخيم جمعية "مكتبات بلا حدود" بالتعاون مع السفارة الفرنسية في الاردن، ليس كبديل عن مساعدات الغذاء والادوية بل اعتراف بان السأم قد يكون خطيرا ويحدث صدامات بين سكان المخيم الذين يسكنون في الصحراء الشرقية للاردن دون قدرة وصول الى مراكز التعليم او الترفيه.

هذه بادرة طيبة جميلة، ولكن السأم لا يوجد بشكل عام في رأس اهتمام جمعيات الاغاثة او الحكومات التي تستضيف اللاجئين، فهذه تقلقها اكثر من أي شيء آخر الاثار الاقتصادية والاجتماعية للتجمعات الكبرى من اللاجئين في اراضيها. والاردن هو الاخر ليس استثناءا. فعندما يكون نحو 680 الف لاجيء سوري ونحو 30 الف لاجيء عراقي آخرون ممن فروا من رعب تنظيم الدولة الاسلامية داعش (اضافة الى عشرات الاف اللاجئين ممن لم يعودوا بعد الى وطنهم بعد حرب الخليج الثانية) يشكل اكثر من 10 في المئة من سكان الدولة – دون أن نأخذ بالحسبان اللاجئين الفلسطينيين – فان تمزق النسيج الاجتماعي والاقتصادي الهش هو التهديد الاساس الذي يحوم فوق الدولة.

نحو 85 في المئة من اللاجئين السوريين في الاردن يسكنون في المدن وليس في مخيمات اللاجئين. رسميا، لا يحق لهم العمل، ولكنهم آخذون في السيطرة على فروع عمل كثيرة ويقصون المواطنين الاردنيين عن اماكن العمل. فحسب معطيات منظمة العمل العالمية، ففي المدن الثلاثة الكبرى التي يسكن فيها اللاجئون، عمان، اربد والمفرق، ارتفع في السنوات الاربعة الاخيرة معدل البطالة بين المواطنين الاردنيين من 14.5 في المئة الى 22.1 في المئة. أكثر من 30 في المئة من الاردنيين ممن عملوا في الماضي في الزراعة وفي البناء، لم يعودوا يعملون في هذين الفرعين لاحتلال اللاجئين السوريين لاماكنهم. فهؤلاء اللاجئون مستعدون للعمل لساعات اطول ومقابل مال اقل، دون شروط اجتماعية ودون تهديد بالاضراب.

صحيح أن ابناء اللاجئين يحق لهم التعلم في المدارس الاردنية، ولكنهم يخلقون بذلك اكتظاظا شديدا في الصفوف مما يشعل استياء بين الاهالي الذين يطالبون بايجاد حلول اخرى لهم لا تأتي على حساب ابنائهم. وخدمات اجتماعية كالعيادات، اخلاء القمامة، الكهرباء والماء تلقي على المملكة عبئا هائلا وتقيد قدرتها على توجيه الميزانيات للتنمية ولتحسين رواتب موظفي الدولة. الاردن، مثل مصر يعتمد على مساعدات السعودية التي التزمت بمنحه مساعدة بحجم نحو مليار دولار وربع كما أن الدول المانحة تساعد في تمويل استضافة اللاجئين. ولكن هذه لا تكفي لتغطية العجز في الميزانية الذي من المتوقع، دون المساعدة، ان يبلغ هذه السنة نحو 1.8 مليار دينار (نحو 2.5 مليار دولار).

هذه معطيات أولية سيئة حتى دون التهديد الامني الذي يحيط بالدولة. فاحتلال مدينة الرمادي في محافظة الانبار في العراق من الدولة الاسلامية وفرار الجيش العراقي من مواقعه في المحافظة، تجعل قوات داعش على مفترقي الطرق 1 و 10 اللذين يصلان بين بغداد والاردن. جغرافيا مع ان المسافة كبيرة بين الرمادي والحدود الاردنية، ولكن السيطرة على هذين الطريقين المركزيين يمنحان الدولة الاسلامية القدرة على الوقف التام للحركة التجارية بين الاردن والعراق، حيث أنه منذ اشهر عديدة يشق السواقون الاردنيون طريقهم الى الخليج عبر السعودية بل أن سيطر داعش على الاجزاء الغربية من محافظة الانبار.

مع ان عبدالله ملك الاردن يحاول اقناع رجال الاعمال في العالم بان الاردن لا يزال دولة آمنة للاستثمار، ولكن عندما تكون الحدود مع سوريا ايضا مغلقة وكلفة التسويق الى الخليج ارتفعت بشكل دراماتيكي، فقد تقلص بالتالي استعداد المستثمرين الاجانب للوصول الى الاردن. فمن حجم استثمارات بمقدار 3.1 مليار دولار في العام 2006، هبط الاستثمار الاجنبي الى نحو 1.5 مليار في السنة في السنوات الاربعة الاخيرة والتي تعني اماكن عمل أقل وتوتر اجتماعي أكثر.

مثال على ذلك قدمته مؤخرا مدينة معن الجنوبية، حيث تطورت مظاهرات ضد الشرطة وقوات الامن على خلفية قتل الشرطة لاحد الشباب. قوات الامن، التي تستعرض في السنة الاخيرة عضلاتها ضد كل مؤشر للاضطراب، عملت بعنف غير مسبوق في المدينة القبلية التي تظاهرت في الماضي ضد الاسرة المالكة ورفع فيها مؤيدو داعش أعلام التنظيم.

صور نشرت في الشبكة عرضت منازل مدمرة ومواطنين مصابين، الى أن فهم الملك عبدالله بسرعة بان هناك ضرورة ملحة لرد عاجل لتهدئة الخواطر. وبشكل غير مسبوق، قدم وزير الداخلي، حسين المجالي استقالته التي سارع الملك الى قبولها، ولاحقا اقال قائد الدرك وقائد الامن العام. وهذا بالتأكيد ليس ردا عاديا ولا سيما عندما يعتبر المقالون مقربين من الملك. ولكن عندما يكون على كفة الميزان التهديد بالعصيان المدني، فانه لم يكن مفر من مثل هذه الخطوة الدراماتيكية.

ليست مظاهر الاستياء جديدة ولكنها آخذة في التفاقم، وكما قال لـ "هآرتس" صحفي اردني "لو كان بوسعنا أن نكتب عما يفكر به الناس ونكشف النقاب عن الظروف الصعبة التي يعاني منها المواطنون الاردنيون، لاندلعت انتفاضة شعبية عندنا. ولكن احدا لا يتجرأ على الكتابة. وحسب تقرير مركز حماية حقوق الصحفيين في الاردن، فما لا يقل عن 90 في المئة من الصحفيين يخشون من انتقاد الملك وعائلته، الكتابة عن سلوك البلاط الملكي او عن الجيش. "الرقابة الذاتية أقوى من الرقابة الرسمية"، قال صحفي لواضعي التقرير، "الصحفيون يعملون كمراقبين بدلا من مراقبي الحكومة". وحسب قانون المنشورات الاردني، فان فتح مواقع انترنت هو ايضا ليس موضوعا بسيطا ويجب تلقي رخصة لفتح المواقع بعد أن أغلقت الحكومة أكثر من 290 موقعا.

"نحن وإن كنا نعيش في فترة متوترة ومهددة"، يقول الصحفي الاردني، "ولكننا لا يمكننا ان نعتمد على ان تتمكن الحكومة من ضمان سلامة المواطنين في حالة قرر داعش التوجه شرقا. فقد رأينا ما حصل في العراق وفي سوريا، ورغم اننا نعتمد على الجيش، الا انه لا يجري حوار علني في الموضوع بين المملكة وبين المواطنين"، قال مشتكيا.

وبتقدير رجال استخبارات اردنيين فليس في نية داعش التقدم باتجاه الحدود الاردنية، ولكن رغم ذلك يستخدم الاردن وسائل خاصة على طول الحدود الشرقية والشمالية مع سوريا كي يتابع كل حركة للقوات. ومؤخرا طلب الاردن من الولايات المتحدة تزويده بطائرات قتالية بدون طيار كي يتمكن من ان يتابع من الجو ويحبط محاولات اقتراض داعش، ولكن بزعم الاردنيين، فان اسرائيل تعارض ذلك بشكل غير معقول والولايات المتحدة التي ردت في الماضي طلبا مشابها، تفكر الان في ان تقرض فقط هذه الطائرات بدون طيار للجيش الاردني.

الاردن، الذي يدرب في اراضيه مقاتلي قوات الثوار السوريين، بل وشارك بشكل نشط في الهجوم الجوي ضد داعش الذي في واحدة من طلعاته فقدَ الطيار معاذ الكساسبة التي أحرقه داعش حيا، لا يفهم لماذا تمنع اسرائيل بيع الطائرات بدون طيار. وقال الجنرال والطيار المتقاعد محمد ارديسات: "لا يهم ماذا، في كل مرة تكون فيها دولة عربية معنية بشراء السلاح تستخدم اسرائيل الفيتو".

الى هذه السوق سارعت الصين الى الدخول ويحتمل أن يشتري الاردن منها الطائرات بدون طيار التي يحتاجها. وذلك عندما نشر قبل سنتين بان الاردن يسمح للطائرات بدون طيار الاسرائيلية بالتحليق فوق اراضيه لتمشيط التطورات في سوريا. ونفى الاردن هذا التقرير ولكن حسب مصادر في الاردن فان التعاون العسكري بين الاردن واسرائيل أعمق بكثير من مسألة حماية الحدود وهو يعنى بسيناريوهات محتملة لرد فعل في حالة تقدم داعش. هذه هي طبيعة التناقض الغريب الذي انبتته العلاقات بين الاردن واسرائيل.

انشر عبر