شريط الأخبار

ما هي آفاق علاج البشر عن طريق تعديل الحمض النووي؟

11:11 - 12 حزيران / مايو 2015

الحمض النووي
الحمض النووي

فلسطين اليوم - وكالات

في العام الماضي قام (توني بيري) بجعل الفئران التي كان من المفترض أن تكون مكسوة بفروة بنية تكبر لتمتلك فروة بيضاء عوضاً عن ذلك، ولكن ما قام به (بيري) -وهو عالم أجنة جزيئية من جامعة باث- ليس بجديد، فالعلماء يقومون بتصنيع ما يسمى بالفئران المعطلة (knock-out mice)، أي الفئران التي تم تعطيل عمل بعض الجينات لديها، ومنذ أن تم اختراع هذه التقنية في عام 1989، وهذه العملية تتطلب التعامل مع إجراءات طويلة ومرهقة تنطوي على الجمع بين قطع من الحمض النووي في الخلايا الجذعية الجنينية وتربية الفئران.

ولكن ما يميز العمل الذي قام (بيري) بنشره في شهر كانون الأول من العام الماضي، هو أنه لم يستخدم هذا الأسلوب، فبدلاً من ذلك قام (بيري) باستخدام تكنولوجيا جديدة تعتمد على تعديل الجينوم بدلاً من إيقافه، وهذه التقنية تعتبر واحدة من التقنيات التي اجتاحت العالم العلمي منذ أن تم تطويرها لأول مرة من الجهاز المناعي للبكتيريا في عام 2012، وتبينت فعاليتها في الخلايا البشرية في عام 2013.

إن الأداة القوية المعروفة باسم (Crispr) تسمح بالتلاعب بشكل دقيق وسهل بالحمض النووي في نواة أي خلية، وهذا التلاعب يمكن أن يتم على الحيوانات المنوية والبويضات أو على الخلية الجنينية الواحدة والتي تكون على وشك أن تبدأ بنسخ الحمض النووي، بحيث يندمج التلاعب بشكل دائم في ما يسمى بالخط الجنسي، ويتم توريثه للأجيال القادمة، وباستخدام هذا الإجراء على الخط الجنسي، استطاع (بيري) تعطيل الجين الرئيسي المسؤول عن لون الفراء لدى الفئران.

لكن عمل (بيري) أضاف لمسة فريدة من نوعها، حيث أنه لم يقم بإجراء التعديل على خلية جنينية واحدة – وهي الطريقة التي يتم من خلالها إجراء التعديلات على الخط الجنسي لدى معظم الحيوانات باستخدام (Crispr) حتى الآن – بل قام به في وقت أبكر من هذا، خلال عملية الإخصاب، وذلك عن طريق حقن مكونات (Crispr) والحيوانات المنوية للفئران في بويضة الفأر، وهو ذات الأسلوب الذي يستخدم على نطاق واسع في عمليات التلقيح الصناعي، وبحسب البحث الذي نشر في مجلة (Scientific Reports)، فإن هذا النهج أو أي نهج مماثل قد يمكّن البشر في يوم ما من استهداف الجينومات البشرية أو إجراء التعديلات عليها خلال وقت مبكر جداً من تطورها، فإذا ما تم استخدام تقنية تعديل الخط الجنسي على الإنسان سريرياً، فلا بد وأن تتضمن هذه العملية إدخال (Crispr) إلى مرحلة الحقن المجهري أثناء إجراء عملية التلقيح الصناعي.

هذا الاحتمال كان دائماً بمثابة هاجس لـ(بيري) لأنه يثير إمكانية توليد نسل لا يحمل أي خطر للإصابة ببعض الأمراض الوراثية، أو على الأقل يقلل من حدة ظهور أعراضها، ويشير (بيري) أنه قد يكون من الممكن في يوم من الأيام أن يتم تصحيح الطفرة الضارة في جين (BRCA1) مما قد يوقف توريث الشخص للجين الذي يوفر الاستعداد للإصابة بسرطان الثدي.

يمكن اعتبار (Crispr) كزوج من المقصات الجزيئية يتم قيادتها من خلال جهاز ملاحة موصول بأقمار صناعية، هذه المقصات هي إنزيمات تقوم بتقطيع الحمض النووي، حيث أنها تقوم بقص نقطة محددة من الحمض النووي الموجود داخل الخلية التي يحددها الباحثون باستخدام جزيء دليل معدل حسب الطلب، والذي عادة ما يكون قطعة قصيرة من الحمض النووي الريبي “RNA”، وعلى اعتبار أن الأنزيم الذي يقطع الحمض النووي يعرف باسم (Cas9)، فبالتالي غالباً ما يتم كتابة اسم التقنية (Crispr-Cas9).

يحدث التعديل الجينومي أثناء اندفاع الخلية بشكل طبيعي لإصلاح الانقطاع الذي سببته المقصات، ولكن غالباً لا يكون إصلاح الخلية دقيقاً بما يكفي ليستمر الجين الذي تم قطع بأداء عمله، وبهذا يتم تعطيل الجين أو إيقاف عمله على نحو فعال، كما أن هناك طريقة ثانية أكثر تعقيداً ولكن أكثر دقة يمكن أيضاً من خلالها تصحيح الجينات أو إضافة جينات جديدة كاملة، تعتمد على تضمين قطعة جديدة من الحمض النووي في آلية (Crispr)، يمكن أن تلتصق مع الحمض النووي الأساسي أثناء عملية الإصلاح الخلوية.

تعتبر عملية تعديل الخط الجنسي في الجينيوم عملية مثيرة للجدل، حتى بالنسبة لاستخدامها في الأغراض طبية، فمنذ تطور الهندسة الوراثية في سبعينيات القرن الماضي كان هناك إجماع إلى حد ما على أن التعديل الوراثي للخط الجنسي لدى الإنسان هو خارج الحدود، وذلك تبعاً لـ(بيتر ميلز)، المدير المساعد للمجلس نوفيلد في المملكة المتحدة الذي يعنى بأخلاقيات البيولوجيا ورئيس المجلس فيما يخص تعديل الجينوم.

أقرت الحكومة البريطانية في شباط الماضي السماح باستبدال الميتوكوندريا في العيادة لمنع تطور بعض أمراض ميتوكوندريا لدى الأجنة، وهو شكل من أشكال علاج الخط الجنسي، وقد استند هذا القرار على أساس أن التعديل يجري على كمية صغيرة فقط من الحمض النووي الذي يوجد داخل الميتوكوندريا التي توجد بدورها خارج نواة الخلية، أي أنه لا يتم إجراء أي تعديل على الحمض النووي في نواة الخلية، وهو الحمض النووي الحقيقي الذي يجعلنا ما نحن عليه.

ولكن أيضاً لم يكن هناك في الماضي أي أداة أثبتت فعاليتها أو موثوقيتها بما فيه الكفاية للنظر بجدية في إجراء الهندسة الوراثية على البشر، فتبعاً لـ(دانا كارول)، وهو أخصائي في الكيمياء الحيوية في جامعة يوتا يعمل على تحسين تقنية الـ(Crispr)، على الرغم من وجود العديد من الأدوات الدقيقة لتعديل الجينوم – نوكلياز أصابع الزنك (ZFN) والـ(TALEN) – منذ فترة طويلة، إلّا أن تقنية (Crispr) تعتبر تقنية أسهل وأرخص للاستخدام بكثير، وهذا يسرع من تطوير وظهور تطبيقات العلوم المحتملة.

ما يزال احتمال إجراء التعديلات الوراثية على البشر يشغل عقول بعض العلماء، ولا سيما بعد أن نشر باحثون صينيون بحثاً في الشهر الماضي يفيد بأنهم قاموا باستخدام (Crispr) لتعديل الجينوم في الأجنة البشرية لأول مرة، وكان الهدف من هذه التجربة هو تصحيح الخلل الجيني الذي يسبب اضطراب الدم بيتا الثلاسيميا والأجنة الغير قابلة للحياة، وهما داءان يؤديان إلى ولادة أجنة ميتة.

في مقال نشر في مجلة (Science) في شهر آذار الماضي، أوصت مجموعة من العلماء الأمريكيين خبيرة تقنية (Crispr) (جنيفر دوبنا) من جامعة كاليفورنيا – بيركلي ، باتخاذ الخطوات اللازمة لمنع أي محاولات للقيام بعلاج عن طريق تعديل الخط الجنسي الذي يمكن أن يؤدي إلى إنتاج بشر معدلين وراثياً وذلك بعد أخذ الآثار الاجتماعية والأخلاقية بعين الاعتبار، وهم حالياً يدعون لعقد اجتماع دولي للنظر في طريقة للمضي قدماً في استخدام التقنية بشكل ملائم، في حين ذهبت مجموعة ثانية في بحث نشر في صحيفة (Nature) أبعد من ذلك، حيث تم اقتراح تعليق جميع البحوث التي تتضمن تعديل الخلايا الجنسية لدى الإنسان خوفاً مما يمكن أن تؤدي إليه هذه التجارب.

من جهة ثانية، إن استخدام تقنية (Crispr) على الخلايا غير التناسلية – الخلايا الجسدية – يمكن أن يوفر علاجاً لكثير من الأمراض، ويعتقد الباحثون أنه من المرجح أن تجد هذه التقنية طريقها نحو العيادات عاجلاً، حيث يمكن لهذه التعديلات أن تكون دائمة بالنسبة لخلايا الفرد بالقدر الذي تتكاثر فيه تلك الخلايا أو تبقى على قيد الحياة، ولكن هذه التعديلات لن يتم توريثها للأجيال القادمة، لذلك فإن هذا التعديل على الخط الجنسي لن يحمل أي أعباء أخلاقية يمكن أن يتذرع بها المعارضون، لكن الجانب السلبي هو أن استخدام (Crispr) على الخلايا الجسدية هو أكثر تعقيداً من استخدامه على الخلايا الجنينية، حيث يمتلك الجسم البشري تريليونات الخلايا ذات الأنواع المختلفة، وآلات ترقيع الجينوم لابد من أن يتم إيصالها إلى الخلايا المحددة التي تحتوي على المشكلة لإحداث التأثير العلاجي المطلوب.

حتى الآن تعتبر تقنية (Crispr) حديثة للغاية لكي يتم وضعها في التجارب السريرية التي تتضمن إجراء العلاجات باستخدام تعديل الخلايا الجسدية، ولكن (جنيفر دوبنا) تتوقع أن يبدأ العمل بها في غضون بضع سنوات، حيث أنها تشير إلى أنه إذا ما سارت الأمور على ما يرام، فإننا من الممكن أن نرى علاجات معتمدة على تعديل الخلايا الجسدية خلال عشر سنوات من الآن، وحالياً يقوم العلماء في المختبرات باستخدام كل من الخلية الجسدية الإنسانية والنماذج الحيوانية لإجراء تجارب لإيجاد علاجات لأمراض مثل فقر الدم المنجلي ونقص المناعة الشديد (SCID)، والبيتا ثلاسيميا والناعور، وضمور العضلات والتليف الكيسي.

الجدير بالذكر أن تعديل الخلايا الجسدية هو نوع من التطوير الذي تم إجراؤه على التقنية السابقة لعلاج الاضطرابات الجينية التي تعرف باسم العلاج الجيني، وقد ظهرت هذه التقنية للمرة أولى في تسعينيات القرن الماضي لكنها واجهت معارضة شديدة، ولكن في عام 2012 تمت الموافقة على العلاج الجيني لأول مرة في أوروبا، بعد استخدام هذه التقنية لعلاج مريض كان يفتقر إلى البروتين اللازم لتحليل جزيئات الدهون.

انشر عبر