شريط الأخبار

ضوء في نفق الحرب المظلم ..فهمي هويدي

02:50 - 14 تموز / أبريل 2015

إشارات انفراج الأزمة اليمنية بدأت تلوح فى الأفق، على نحو يمكننا من القول بأننا مقبلون على أسبوع حاسم قد يضع نهاية للحرب العبثية الدائرة هناك.

(١)

إعلان تعيين السيد خالد بحاح نائبا لرئيس الجمهورية (الأحد ١٢/٤) يعد أبرز تلك الإشارات. فالرجل البالغ من العمر خمسين عاما يلقى قبولا من كل الأطراف. ولذلك عين فى العام الماضى رئيسا لحكومة التوافق الوطنى (كان فى السابق وزيرا للنفط ومندوبا لليمن بالأمم المتحدة). وإلى جانب انتمائه إلى الجنوب (من حضرموت) وخبرته الطويلة فى العمل العام، فالمهم أنه كان مرشح الحوثيين فى وقت سابق ليكون على رأس المجلس الرئاسى الذى اقترحوه لحكم اليمن. وهو ما يعنى أن اختياره نائبا للرئيس إلى جانب رئاسته للحكومة بمثابة نقطة التقاء بين الطرفين المتحاربين. والذى لا يقل أهمية عن ذلك أن تعيينه فى المنصب يعد مقدمة لتراجع دور الرئيس عبدربه هادى منصور، والتمهيد لخروجه من المشهد السياسى. خصوصا أنه أبدى رغبة فى ذلك بعد إجرائه عملية القلب المفتوح، وقد أصبح خروجه من السلطة فى المرحلة القادمة مسألة وقت متفق عليها بين مختلف الأطراف، بمن فيهم المملكة العربية السعودية.

وفى حين أعلن نبأ تعيين السيد بحاح نائبا للرئيس فى الرياض، فإن اجتماعات مهمة كانت تعقد بعيدا عن الأضواء فى صنعاء بين الطرفين المتحاربين لإيجاد مخرج من الأزمة. وحسب معلوماتى التى استقيتها من سياسى يمنى رفيع طلب عدم ذكر اسمه فإن الاجتماعات بدأت بعد انطلاق غارات التحالف، فى وقت متزامن مع انعقاد قمة شرم الشيخ (فى ٢٨ مارس). وقد استضافها فى مقره بصنعاء أحد الدبلوماسيين اليمنيين السابقين المستقلين، الذى اشترك معه نائب سابق لرئيس الوزراء شغل قبلا منصب وزير الداخلية وهو مقرب من حزب المؤتمر. ومن الطرف الممثل للحوثيين كان هناك محافظ سابق لصعدة، ومعه أحد ممثلى الطائفة الإسماعيلية. وقد انضم إلى المباحثات هذا الأسبوع ممثلون عن الناصريين والحزب الاشتراكى. ولم يبق خارج الحوار من ممثلى القوى السياسية الفاعلة غير حزب الإصلاح الذى اعتقل الحوثيون أغلب قياداته.

حسب تعبير السياسى اليمنى المتابع لمشاورات صنعاء فإن موضوع البحث الأساسى هو كيفية وقف الحرب وإنهاء السلطة العسكرية للحوثيين تمهيدا لمشاركتهم فى السلطة السياسية. وهو ما يقتضى ثلاثة أمور هى: انسحاب الحوثيين من المناطق التى تمددوا فيها ــ وتحول أنصار الله الذى يمثلهم إلى حزب مدنى ــ ومشاركتهم فى السلطة جنبا إلى جنب مع الأحزاب اليمنية الأخرى. وتحت هذه العناوين تندرج تفصيلات كثيرة يفترض أن يحسم أمرها هذا الأسبوع. لكن ورقة الاتفاق النهائى لم تستكمل بعد. وحسب المعلومات المتوفرة فإن السيد عبدالملك الحوثى القيادى المعروف يتابع المباحثات بصورة يومية من مقره فى صعدة، وهو الآن من مشجعى التوصل إلى اتفاق. خصوصا بعد إضعاف موقف أنصاره عسكريا، رغم تمددهم النسبى على الأرض الذى اقترن بالنقص الكبير فى الوقود والمواد الغذائية، إضافة إلى الشلل الذى أصاب المرافق العامة.

(٢)

الذى لاشك فيه أن كثافة الضربات الجوية التى شنتها طائرات التحالف الذى قادته السعودية (١٢٠٠ طلعة حتى الآن) وحجم الدمار والترويع الذى حدث نتيجة لذلك كان لهما وقع الصدمة التى قلبت موازين المواجهة. ذلك أن الثمن الباهظ الذى دفع لم يعرفه اليمن فى تاريخه الممتد، منذ عهد مملكة سبأ فى القرن العاشر قبل الميلاد كما ذكر السياسى اليمنى. وهو ما ينطبق عليه القول بأن العملية العسكرية نجحت لكن اليمن انكسر ودمر العمران فيه، حتى وصفت عدن مثلا بأنها أصبحت مدينة أشباح. لذلك لم يبالغ تقرير خبيرة مجموعة الأزمات الدولية الذى أعدته «ابرل لونجلى آللى»، حين ذكرت أن هذه من قبيل الحروب التى لا يخرج فيها أى طرف منتصرا. فالهوة صارت أعمق بين الزيود والشوافع. والحوثيون الذين تمددوا فى أرجاء اليمن ضعفوا كثيرا. والرئيس السابق على عبدالله صالح اللاعب الأكبر والأخطر فى الساحة انتهى سياسيا والجيش الذى أعده تلقى ضربات قاصمة، ودمرت معه القدرة العسكرية اليمنية. وحزب الإصلاح (إخوان اليمن) الحليف الرئيسى للسلطة الذى أيد غارات التحالف خسر التأييد الشعبى له. والسعودية التى كسبت المعركة العسكرية خسرت تأييد الشمال اليمنى وحملها المثقفون مسئولية الدمار الذى حدث. ومجلس التعاون الخليجى الذى حسمت مبادرته على عبدالله صالح وحصنته، أصبح غيابه محل سخرية وتندر. وإيران خسرت أيضا بوقوفها إلى جانب الحوثيين ومساندتها الاستيلاء على صنعاء وتمددهم صوب عدن فى الجنوب. وإذا صح أن تنظيم القاعدة حقق بعض المكاسب، سواء باعتباره حائط الصد ضد الحوثيين أو لأن أنصاره أطلقوا سراح المئات من رفاقهم المسجونين، فتلك أيضا خسارة من وجهة نظر المصلحة اليمنية العليا.

يرى البعض أن ما جرى لم يخل من إيجابية. تمثلت فى انكشاف الدور الخطر للرئيس السابق على عبدالله صالح الذى أعد عدته للعودة إلى السلطة بعدما أمضى فى منصبه ٣٣ عاما. فهو من شجع الحوثيين على احتلال صنعاء وهو من دفعهم إلى الزحف على الجنوب، ثم أبدى استعدادا للانقلاب عليهم بعد بدء غارات التحالف. وكانت النتيجة أنه فقد ثقتهم ولم يتخل عن عدائه للقوى الوطنية، كما أنه فقد ثقة المملكة السعودية التى رعته طول الوقت، وقد أدرك الرجل أنه بات مرفوضا من الجميع، حتى بات يبحث الآن عن مكان يلجأ إليه فى خارج اليمن. وكانت المملكة المغربية مرشحة لاستضافته فى السابق، إلا أنه أرسل فى الأسبوع الماضى وفدا يمثله إلى سلطنة عمان كانت قد استضافت بعض قادة الحزب الاشتراكى اليمنى فى الجنوب. ورأس الوفد وزير خارجيته أبوبكر القربى. ورغم ما قيل عن أن الوفد يطرح مبادرة للسلام، وأنه بعد مسقط يعتزم زيارة القاهرة وموسكو وواشنطن، إلا أن فكرة المبادرة ليست سوى غطاء لمحاولته البحث عن مكان يلجأ إليه بثروته التى نهبها طوال سنوات حكمه بعدما صار مرفوضا من جانب كل الأطراف (الشائع أنه هرب أمواله إلى الخارج وله استثماراته الكبيرة فى دبى، التى نشط فى تحويلها إلى مصارفها بعدما عين ابنه أحمد سفيرا فى أبوظبى).

هكذا فإن خروج على عبدالله صالح الذى يوصف بأنه «رأس الأفعى» من المعادلة السياسية ومن اليمن، بات يعد فى نظر الطبقة السياسية الإيجابية الوحيدة للحرب التى وقعت.

(٣)

الأطراف الخارجية ليست بعيدة تماما عن المشاورات الراهنة للخروج من الأزمة، صحيح أن الدول العربية التى أيدت «عاصفة الحزم» لم تعد طرفا فى الحل السياسى، وأن دور سلطنة عمان بات مقصورا على حدود الوساطة التى لم تتهيأ ظروفها بعد. كما أن السفراء الأجانب غادروا صنعاء، وكان السفير الروسى آخرهم، حيث غادر هذا الأسبوع بعد إجلاء آخر خبير روسى فى اليمن، إلا أن هناك دولتين لاتزالان فى قلب المشهد هما: الولايات المتحدة وإيران،. فالولايات المتحدة ظلت طول الوقت على صلة بكل الأطراف لأسباب عدة على رأسها أنها تعتبر وجود تنظيم القاعدة فى اليمن بالقرب من باب المندب. بمثابة تهديد مستمر لمصالحها. وقد سبق أن أشرت إلى ما نقلته الصحافة الإسرائيلية عن اتصالهم بالحوثيين وعلمهم المسبق بمخططاتهم. لذلك فإنه فى حين عاد السفراء الأجانب إلى بلادهم، فإن السفير الأمريكى لدى صنعاء مايتو تويلر لم يعد إلى واشنطن، لكنه نقل محل إقامته ومعه نشاطه إلى الرياض. بالقرب من ترتيبات الوضع اليمنى المقبل. وحيث يوجد الرئيس عبدربه ونائبه خالد بحاح، وإذ يتابع ما يجرى بهذا الخصوص من العاصمة السعودية، فإنه على اتصال بالمشاورات التى تجرى فى صنعاء، ومعلوماتى أنه يتابع نتائجها أولا بأول.

إيران ليست بعيدة عما يجرى. وحضورها ليس ممثلا فى البوارج التى أرسلتها إلى باب المندب فحسب، ولا فى الجولات التى يقوم بها وزير الخارجية والمبعوثون الذين تم إيفادهم إلى مختلف دول المنطقة داعين إلى حل سياسى للأزمة، إلا أن لهم حضورا أهم وأخطر. إذ لم يعد سرا أن طهران تظل المرجع الأساسى الذى يرجع إليه الحوثيون فى قراراتهم السياسية. وهو ما كشف عنه الدكتور عبدالكريم الإريانى المستشار السياسى للرئيس اليمنى ورئيس الوزراء الأسبق، الذى كان أحد المفاوضين مع الحوثيين قبل احتلال صنعاء فى حوار نشرته له صحيفة ٢٦ سبتمبر اليمنية فى ١١ ديسمبر عام ٢٠١٤. إذ قال إن أمورا تم الاتفاق عليها مع الحوثيين لم يحسم أمرها إلا بعدما تلقت صنعاء موافقة طهران عليها، من خلال وسيط عمانى.

لسنا نبالغ والأمر كذلك إذا قلنا إن ما ستسفر عنه المشاورات الجارية التى تتم الآن فى صنعاء، سيؤخذ فيها رأى طهران. ولن يلتزم بها الحوثيون إلا إذا تلقوا تلك الموافقة. بسبب ذلك فإننى أزعم أن التصعيد المتبادل الحاصل الآن بين الرياض وطهران لا يخدم مساعى الحل السياسى، وهو ما يسرى أيضا على مجمل التعبئة الحاصلة من مختلف المنابر فى العديد من الدول العربية ــ مصر من بينها ــ التى بالغت كثيرا فى الخطر الإيرانى وأججت المشاعر ضد الفرس تارة وضد الزيود تارة أخرى. ولم تقصر الأبواق السلفية فى ذلك حتى أن أغلب خطب الجمعة خصوصا فى الحرم المكى باتت مكرسة للهجوم عليهم باعتبارهم من «الروافض». (من سخرية الأقدار أن المصطلح أطلقه مؤسس المذهب الزيدى زيد بن على زين العابدين (حفيد الإمام على بن أبى طالب) حين طلب منه نفر من أهل الكوفة أن يتبرأ من الصحابيين أبو بكر وعمر، وحين امتنع عن ذلك وقالوا له إنا نرفضك فرد عليهم قائلا: اذهبوا فأنتم الرافضة، ثم دارت دورة الزمن وأصبح السلفيون يتهمون الزيود بأنهم رافضة!).

كنت أحد الذين انتقدوا سياسة إيران فى اليمن ودعمهم غير المتحفظ للحوثيين، كما انتقدت التصريحات التى خرجت من طهران على لسان مستشارى المرشد ورئيس الجمهورية وبعض الكتاب، التى تباهت بتمدد النفوذ الإيرانى إلى أربع عواصم عربية (بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء) وكان رأيى ولا يزال أن ما خص اليمن كان راجعا إلى سوء تقدير وغرور غير محسوب إضافة إلى الجهل بحقائق الوضع فى اليمن وحتى المذهب الذيدى ذاته. لكن نقد السياسة الإيرانية والاختلاف معها شىء، واعتبار إيران عدوا إلى جانب إشعال نار الفتنة بإعلانها حربا بين الشيعة والسنة شيئا آخر ما كان ينبغى التورط فيه. ولئن تمنيت أن يعطى الأمر حجمه الطبيعى فى حينه، فإن هذه الدعوة أصبحت الآن أكثر إلحاحا ليس فقط لأسباب استراتيجية مفهومة، ولكن أيضا لأننا بحاجة فى الوقت الراهن إلى التهدئة وإلى صوت العقل فى إيران، للإسهام فى إنجاح مفاوضات الحل السلمى الجارية فى صنعاء ووقف كارثة الحرب الدائرة.

(٤)

لا أستطيع أن أختم دون أن أنقل تعبيرا صادقا عن مشاعر المواطن اليمنى العادى، سجلته فى قصيدة تتناقلها مختلف المواقع اليمنية، لست أعرف اسم صاحبها للأسف، لكننى تلقيتها من يمنية مقيمة فى النرويج هى السيدة رانيا المهدى. عنوان القصيدة هو: ضدهم وضدكم، وفيها يقول الشاعر:

أنا ضدهم وأنا كذلك ضـدكم ولذا سأكرهكم وأكره من تحالف ضدكم

أنا ضد «عاصفة» اللئام صراحة وأنا كذلك ضد زيف صراخكم

أردتــم دمــار بلادنــا وخــرابهـــا فليس من جلب «العواصف» غيركم

يا معشر الأوغاد إن بلادنا ليست دمى يلعب بها صبيانكم

يا معشر الأوغاد إن كرامتى تأبى وترفض أن تقر لظلمكم

فكفى سكوتا وانهضوا وتكلموا يا شعبنا إن السكوت يذلكم

ما بين صرخة كاذب تشقوا بها وبين «عاصفة» تهب لقتلكم

هذا مع إيران يخطب ودها وذاك يستجدى الخليج لضربكم

فكفى مراهنة على أعدائنا وكفى فقد مل الكلام كلامكم

انشر عبر