شريط الأخبار

نود لو نصدق الرئيس أوباما، لكن.. علي عقلة عرسان

07:50 - 24 حزيران / فبراير 2015

قال الرئيس الأميركي باراك أوباما في خطابه أمام مؤتمر مكافحة العنف والتطرف، يوم الخميس ١٩ شباط/فبراير ٢٠١٥ في واشنطن، كلاماً مسؤولاً يستحق التوقف عنده.. وقبل مقاربة ذلك نورد خلاصة لأهم الأفكار أو النقاط التي جاءت في الخطاب، مما نرى البناء عليه في مقاربتنا لما يفصح عنه من توجه سياسي - فكري - عسكري، مما قال إنه لمواجهة العنف والتطرف.. قال الرئيس أوباما:

[[.. نحن لسنا في حرب مع الإسلام، بل نحن في حرب مع من حرفوه، والإرهابيون، يقصد تنظيم داعش، لا يمثلون مليار مسلم.. هم يشوهون نصوصاً، ويبحثون عن تفسيرات.. هم مجانين. والإسلام هو دين العدالة والتسامح.. من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض..إلخ؛ القول بأن الغرب يحارب الإسلام كذبة بشعة.. نحن ندعم الحرية الدينية، ولا يوجد صراع حضارات، ولا نظرية المؤامرة ويجب على زعماء المسلمين إظهار أن داعش يحارب الإسلام.. على المجتمع الدولي تحمل مسئولياته في مواجه التطرف.. محاربة التطرف العنيف يعني محاربة الأيديولوجيا.. الأيديولوجيا الملتوية، "القاعدة وتنظيم الدولة والنصرة؛، شركاؤنا في ذلك هم المسلمون.. ملتزمون بالتوصل إلى موقف عربي إسلامي لمواجهة التطرف والإرهاب، وسنستمر في محاربة الإرهاب في أي مكان في العالم..

إن الإرهابيين يعرضون أموالًا وخدمات اجتماعية لتجنيد المقاتلين في مناطق محرومة من الخدمات، وفيها ظلم اجتماعي؛ مما يدفع الشباب إلى الانضمام إليها لتحسين أوضاعهم السيئة في مجتمعاتهم.. الشباب المهمشون قد يتبعون هذا الفكر. جذور التطرف "الفقر والأمية والبطالة"، وداعش تستخدم التقنيات الحديثة لتجنيد الشباب. إذا كنا جادين في مواجهة التطرف فعلينا إيجاد حل للمظالم الاقتصادية في العالم. يجب أن نزيل التربة التي يترعرع فيها المتطرفون.. إن الديمقراطية من أهم السبل في مواجهة التطرف.. نعمل على رفع سقف الديمقراطية، حرية التعبير، مناصرة التغيير والتدين الصحيح.

علينا أن نكافح الفساد، ثقافة الرشوة وثقافة العفة. المجتمعات لن تكون ناجحة عندما يكون نصف السكان يحرمون من التعليم.. هناك مظالم تاريخية تاريخ الاستعمار.. شوهت القيم الغربية الإسلام.. نحتاج لأن نكون نزيهين، وإلى أن نلتزم بقيم مجتمعنا.. الإساءة يجب أن تتوقف، وكذلك الشك لأنه مسلم.. يجب مد جسور مع الجالية المسلمة، وتعزيز برامج الشراكة.. الإسلام موجود في نسيج مجتمعنا. هناك مسلمون ضحوا بحياتهم للدفاع عنا. ]].

ما قاله الرئيس مهم، ويلامس الكثير من جوانب المشكلة، وفيه شيئ من النقد الذاتي لأوضاع وسياسات أميركية، ولكنه يتغاضى عن جوانب مهمة أخرى ومنها ما تتعلق بأمرين رئيسين في كل من مجالي التطرف والعنف اللذين فصلهما عن الإرهاب في خطابه لأمور تتعلق بأسلوب المواجهة لكل منهما، وشأن تكتيكي أكثر منه استراتيجي يتعلق بالإسلام والمسلمين، فلمحاربة الإرهاب خيار عسكري ولمواجهة العنف والتطرف مسارات أيديولوجية وثقافة واجتماعية ووعظية.. إلخ. و ولكنه تغاضى عن أمور أخرى أهمها أمران هما: مسؤولية "دور" الولايات المتحدة الأميركية الحقيقي في ممارسة الإرهاب واحتضانه، ومسؤوليتها عن توليد العنف والتطرف وانتشارهما، واعتمادها العنفَ وسيلة فيما سمته " الفوضى الخلاقة". ومسؤوليتها عن هذين الأمرين اللذين يتحدان اتحاداً عضوياً في التأسيس للإرهاب والاستثمار فيه، ومن ثم الارتداد عليه بعد أن يؤتي أُكُله أو حين يرتد عليها بسبب فساد الشراكة بينهما. وهناك الكثير مما ورد في كلام الرئيس مما يعتبر بيئة لنشوء الإرهاب والتطرف والعنف، مما يدخل في تشخيص الداء لكنه لم يتكلم في المسؤولية المباشرة عنه. إن التوجه بحد ذاته يجعل بعض المسؤولين الأميركيين خاصة والغربيين عامة، يقف أمام المرآة ويدقق في القامة التي تظهر أمامه وربما يرى بعض تشوهاتها وما تساهم فيه من تشويه  للآخرين بممارسات "سياسية واقتصادية وثقافية وإعلامية واجتماعية ودينية.. إلخ، وهذا بحد ذاته خطوة إيجابية إذا سلمت من كونها مناورة وتمويهاً على الاستراتيجيات الثابتة، لكن لا بد من أن نراها رسالة موجهة من الرئيس أوباما لجهات عدة.  

نودّ أن نصدق الرئيس الأميركي، سواء أكان باراك أوباما أو أي رئيس قبله، وأن نطمئن إلى وجود إرادة سياسية خيّرة قادرة على الفعل الراسخ والإنجاز، بمبدئية لا تتلاعب بها التيارات السياسية، والمصالح الخاصة، والعنصرية الظاهرة والخفية، ورسيس الكراهية والأحكام المسبقة على الآخرين.. وبأخلاقية ثابتة صحيحة وصريحة قوية لا تلغيها البراغماتية، ولا تحمل أكثر من قناع ولا تتكلم بأكثر من لسان، عملاً بمقولة أو قاعدة سياسية غالباً ما تكون مدمرة للثقة المتبادلة بين الدول والشعوب وهي القائلة بأن " السياسة لا أخلاق لها، أو لا مجال للأخلاقيات فيها"، فتلك النظرة ومبدأ البراغماتية المنفلتة من كل قيد، تشكلان سياسات قوة انتهازية هدامة لمبدأ الاعتماد المتبادل الذي تقوم عليه الشراكة الصحيحة الناجحة بين بني البشر.. نريد أن نصدق الساسة الأميركيين في توجههم نحو المبادئ والقيم والأخلاق أو المعاملات الإنسانية حيال شركائهم في الشرط الإنساني والمصير الإنساني في أرض البشر.. نريد أن نصدق ذلك لأن فيه مصلحة للعالم الذي تلعب فيه السياسة الأميركية دوراً كبيراً جداً: " مدمِّراً ومنفّراً ومتجبِّراً وملتبساً في معظم الأحيان.. ونريد أن تكون سياسات الولايات المتحدة الأميركية بناءة في كل أنحاء العالم وليس في منطقتنا الملتهبة فقط والمكتوية بالنار الأميركية - الصهيونية -الاستعمارية وبالعنصرية دائماً، ونريد أن نطمئن إلى أن " إمبراطورية الشر الأميركية المتآخية مع معلمتها الصهيونية" قد اكتشفت أخيراً أنها إذا ما استمرت في نهجها الشرير في التفكير والتدبير السياسيين، فإنها ستتابع عملها على تدمير العالم وافتراس الدول الصغيرة ومعاداة كل من لا يتبعها بانسحاق تام، وكل من لا يعمل على تنفيذ كل ما تأمر به بدقة متناهية، ويقدم مصالحها على مصالحه.. وأنها بذلك تشقي شعوباً كثيرة، وتدمر ما تدمره في العالم بوحشية، وتنقض معمار الحضارة.. وأن ذلك الفعل لا بد من أن يرتد عليها في يوم من الأيام.. نريد أن يكون ما سمعناه من الرئيس أوباما في مؤتمر محاربة العنف التطرف صادقاً ومعتمَداً بوصفه سياسة ثابتة واستراتيجية قائمة، وليس كلام قناع بلسان وجه أو العكس، كما اعتدنا أن نرى ونسمع من الإدارات الأميركية المتعاقبة، بما فيها إدارته التي كثيراً ما وعدت وأخلفت أو تكلمت علناً بما لا تخفيه سراً، أو عجزت عن تنفيذ ما تعلنه لأن هناك قوى خفية أقوى منها.. نقول ذلك من دون أن ندخل في الأسباب العميقة لذلك مما يتصل بالقوى السياسية واللوبيات والمصالح الخاصة وأصحاب المصانع الحربية والشركات والمؤسسات والمصارف والقوى الخفية التي تتحكم بالسياسة الأميركية وتفرض إرادتها بشكل ما على الإدارات والرئاسات. نعم نريد أن نصدق الرئيس أوباما فيما قال لأن في ذلك مصلحة لنا وللعالم.. بل إننا نرفع أصوتنا بالدعاء متمنين أن يتحقق ذلك الذي فيه خير للبشرية والحضارة الإنسانية، فلجم الشر خير، وقد تكون رغبة الرئيس فيما أعلنه صادقة ولكن إرادته السياسة ليس حاكمة بالضرورة وبالقدر الذي تنفذ فيه قرارات تعترض عليها قوى خفية فاعلة لما تريد..

هناك الكثير مما يجعلنا في توجس وريبة، ومما يدعونا إلى الشك وطرح الأسئلة والدخول في مداخل سوء الظن، وحتى في انعدام الثقة بالسياسة الأميركية.. إذ كيف ننسى كل ما مر بنا وعلينا من عدوان وتواطؤ ومؤامرات ومآسٍ من جراء الولايات المتحدة الأميركية، وكيف نفهم السياسات الأميركية المتناقضة ظاهرياً في مواقف وقضايا والمنصبة دائماً على العدوان والتخريب والتدمير والاستلاب والنهب والتهديد ونشر الفوضى والاستثمار في الإرهاب مع رفع راية مكافحته، لكي نقارب حل المعادلات الأميركية المتناقضة التي يقع في طرف من أطرافها الإعلان السياسي - الديبلوماسي - الإعلامي الظاهري، وفي الطرف الآخر ينتصب الفعل الإجرامي الخفي والعدواني الصريح؟! سواء تلك التي تصدر عن الساسة الأميركيين بين حين وآخر في الإدارة الواحدة، أو تلك التي تنشأ عن الهوة القائمة بين الكلام والممارسة والمخططات والسياسات الخفية التي تقوم بها الأجهزة، لا سيما الـ C.I.A والمؤسسات النافذة القرار. إن حل هذه المعادلات يكاد يكون مستحيلاً لأن التناقض بحد ذاته يكون أحياناً سياسة تعمية وتضليل وليس تضارباً في المواقف أو تخبطاً في مداها البعيد، ويكون أحياناً تعبيراً عن تضارب مصالح وتقاطع مواقف قوى مؤثرة في القرار.

الأميركيون يموِّلون الإرهاب ويستثمرون فيه، ويقومون بمكافحته.. فأي إرهاب يمارسونه ويرعونه ويستثمرون فيه ويُقبلون عليه، وأي إرهاب يحاربون.. ومتى ولماذا وكيف؟! لنأخذ داعش مثلاً، فقد قال الرئيس أوبا في خطابه الذي نقاربه: " حرب الأسد ضد الشعب السوري وتغذيته للتعصب الطائفي أدت إلى انتشار الإرهاب."، هذه وجهة نظر قال بها الأميركيون في وقت متأخر من الحرب في سوريا ولم يقولوا بها من بداية تسلل هذه المنظمات وتمركزها في سورية، وقيامها بأعمال كانت موضع رعاية أو مما هو مسكوت عنه، هذا من جهة.. وتأسيس "داعش" مثلاً مما يدخل في باب " المجهول المعلوم؟!" فقد قالت الوزيرة كلنتون، بصورة مباشرة أو مداورة "إنهم في الإدارة الأميركية كانوا وراء تكوينها". وهي من المنظمات التي ربما أُسّست لتشكل مدخلاً لإعلان دولة الخلافة في عام ٢٠١٣، كما قالت كلنتون باتفاق بين الأميركيين والإسلاميين.. واتصلت كلنتون بمئة وستة وعشرين بلبداً في العالم لتعترف بالدولة بمجرد أن تُعلَن.. والهدف البعيد هو تقسيم البلاد العربية وتمزيقها وفق ما اقترحه الصهويني برنارد لويس وتابعته مدرسته، ومن ثم جاء إدخال البلاد العربية في حروب "الفوضى الخلاقة" والفتن الطائفية التي اعتمدتها الولايات المتحدة نهجاً، لتحقيق مشروع " الشرق الأوسط الكبير، الجديد، الـ.. الذي كان قد اقترحه شمعون بيريز.. بعد أن أخفقت التدخلات والمؤامرات والحروب العدوانية الأميركية - الإسرائيلية في المنطقة عن تحقيق ذلك المشروع المؤامرة.؟!.. وكان الاتفاق مع بعض أطراف "الإسلام السياسي" بشأن الدولة قائماً، كما قالت كلنتون، حتى مع الرئيس محمد مرسي والإخوان المسلمين في مصر، ثم فجأة دُمِّرت تلك المخططات وانقلبت الآيات ومن ثم التحالفات كما قالت كلنتون أيضاً في مذكراتها، وتحول الموقف إلى النقيض.؟!  وأكد الجنرال ويسلي كلارك الذي قاد حلف شمال الأطلسي بين عامي ١٩٩٧ و٢٠٠٠ أن الأميركيين وحلفاءهم هم الذين أنشأوا تنظيم داعش للقضاء على حزب الله، وأنهم هم وحلفاؤهم مولوه ودعموه.. فهل من يفسر لنا ذلك، أو من يحل هذه المعادلة.؟!.

وفي موضوع آخر هو الحرب الدينية المقدسة " أو الحرب الصليبية المقدسة"، كما قال جورج W بوش ومعه بلير اللذين تعهدا ذلك وتعاهدا عليه في كنيسة بواشنطن.. فهل كنا أمام حرب على أفغانستان ثم على العراق ومن ثم أمام توليد الفتنة المذهبية "السنية - الشيعية" عبر الميليشيات المذهبية، ووكالات القتل التي منها " بلاك ووتر"، التي قتلت على الهوية في العراق إبَّان العدوان والاحتلال، وعلى مداخل وبدايات ما يسمونه اليوم "الإرهاب الإسلامي" المنظم.. أم كنا أمام حرب على العروبة والإسلام، خطط لها وساهم فيها اليمين الأميركي المتطرف والصهاينة في فلسطين المحتلة وفي الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وساهم فيها التحالف الغربي المعروف.. ومن ثمّ انتشرت نارها في جسدنا.. وما زالت الأهداف البعيدة لأولئك واحدة وقائمة؟!، ومصطلح الحرب المقدسة مصطلح معروف الدِّلالة جيداً.!؟ ومن الذي قال بصِدام الحضارات يا تُرى، أليس صمويل هنتنغتون، وهو تابع ومتابع لمدرسة أميركية غربية يمينية متطرفة.؟!

يطرحون مناهج وبرامج وسياسات لمواجهة العنف والتطرف، وقد وجهوا مراكز الأبحاث والإعلام لذلك وأسسوا مراكز مختصة منها مركز في دبي.. وفي معهد واشنطن يدعون إلى تشخيص وإصلاح، ويطرحون قضايا وحلولاً، صادرين عن قناعات جديدة.. ومما يقولون به:" أن السجون تعد مدارس للتطرف وتخريج الإرهابيين"، وأن هذا يقتضي منهم اللجوء إلى أسلوب آخر من التربية والعقوبة والمعاملة وتوظيف الجهد داخل السجون؟! والسؤال المر هو: ألم يقوموا هم بجعل السجون بؤراً لنمو العنف والتطرف والإرهاب، بسبب سجن أشخاص من دون أحكام، وتعذيبهم لهم مدة سنوات حتى جعلوهم يختارون العنف والتطرف بعد خروجهم من تلك السجون بسبب ما لاقوه فيها من إذلال وقهر واعتداء جسدي ومس بعقيدتهم الدينية ورموزها، وبسبب التعامل مع مشتبَه بهم أو متهمين بوصفهم مجرمين لأنهم مسلمون فقط، " غوانتنامو وأبو غريب وباغرام أمثلة"؟!

مساء الجمعة ٢٠/٢/٢٠١٥ تحدث خبراء غربيون في ندوة أقامها معهد واشنطن للأبحاث، بعد المؤتمر وبمناسته، عن مشروع طموح للتغيير وعن توجهات لمحاربة العنف والتطرف والإرهاب.. وقالوا في موضوع السجون أنها بيئة ملائمة لنمو العنف والتطرف، ولاحظوا أن عدد رجال الدين المسلمين في السجون،أي الذين يعملون على توجيه المساجين، قليل، وأنه لا بد من زيادة العدد وإجراء تغيير في أسلوب العمل.. وتحدث أحدهم بحماس وتشدد عن مشروع، يبدو أنه جوهر التوجه الجديد، يرمي إلى إحداث ما سماه " الإسلام الأوروبي" كبديل عن "الإسلام في أوربا" لأنه لا يرد ذلك ولا يقبله، فلا بد من تغيير جذري.. ترى ماذا يكون " الإسلام الأوروبي"؟! الذي سيعملون عليه؟! وهل سينطوي على تقديم إسلام غير الإسلام أو على حسابه؟! وبماذ سيختلفون عمن كلفوهم بتشويه صورة الإسلام ليحاربوه من داخل البيت؟! نحن لا يوجد لدينا سوى إسلام واحد، إذ لا إسلام لهذا البلد أو ذاك، هذا الشعب أو ذاك.. إنما لإسلام واحد.

لم يفكر الخبراء في مقاربة موضوع استفزاز الأوربيين والأميركيين للمسلمين من خلال المس برموز دينهم وبمعاملتهم معاملة قائمة على الشك وتنعدم فيها الثقة. وتكثر صور الاستفزاز تحت عناوين حرية التعبير بالدرجة الأولى، وهي عبارة مراوغة تماماً ذات استعمال أكثر من مزدوج.. ذلك لأن القوانين الغربية ذاتها تعاقب وتحاسب على خطاب وتعبير فيه انتهاك وتشهير واستفزاز ومس بمشاعر الآخرين عندما يتصل بالحركة الصهيونية وإسرائيل وبمذاهب وشخصيات مسيحية، بينما تناصر هذا النوع من الخطاب والتعبير باسم حرية التعبير أو تحت غطائها عندما يتعلق الأمر بالمس بالإسلام والرموز الإسلامية وبالمسلمي؟! الغرب أكثر من منافق وأكثر من متواطئ وأكثر من مدمن على الكراهية في هذا الأمر ومن هذه الزاوية. وكل هذا لا ينتج عن ضيق في الرؤية أو عن قصور فيها، ولا عن غفلة ولا عن غباء بالتأكيد، ولكنه ناتج عن نظرة عنصرية استعلائية وعدائية متأصلة في الغربيين إلى درجة لا يمكنهم الشعور بها ولا بضرورة مقاربتها. إنهم يضعون الآخر في موضع المتطرف المحتمَل أو المجرم المحتمَل أو الإرهابي المحتمَل.. لمجرد أنه مسلم.. مع أنه يكون قد ولد وتعلم وتربى وعاش وعانى من الاضطهاد والتمييز والحرمان والتهميش وفقدان الفرص في مجتمعاتهم، وبسبب دينه وأصوله العرقية، ولهذا أبقوه خارج دائرة المواطَنة أو الثقة، وضمن دائرة الشك أو الاتهام بصورة ما.

السياسة الأميركية التي تريد أن تعالج ما تسميه " التطرف في الإسلام، أو التطرف الإسلامي" من الناحية الأيديولوجية " الثقافية - الدينية"، تنسى أو تتناسى أنها في الوقت ذاته أنها تستمر في الاستثمار في الإرهاب والفوضى التي تسميها خلاقة "؟! وهي تدرك أن الفوضى هي الولّادة التي تنجب التطرف والإرهاب وتحضنهما، وليس "الدين ولا التديّن".. إنها تقاتل المسلمين والعرب في أرضهم، مرة باسم الديمقراطية ومرة لانتزاع السلاح النووي الذي سيدمر العالم " والعراق مثلاً"، ومرة باسم حماية المصالح الأميركية، وحماية "إسرائيل النووية العنصرية الإرهابية المحتلة لفلسطين.. إلخ"، ومرة باسم حماية الأقليات تى لو كانت تلك الأقليات هي التي تحكم وتتحكم في بعض البلدان المستهدَفة؟!.. إنها إذا أرادت أن تُفلِح وتصلِح وتصلُح، فإنه توجب عليها أن تعرف أن ما مارسته وما تمارسه هو أفظع أنواع التطرف والإرهاب، وأنه على رأس ما يؤسس لهما وللفساد والإفساد، وأن ذلك يستدعي رد فعل من جنس الفعل، ويتجلى أحياناً بصيغ وممارسات وتنظيمات إرهابية تخرج حتى على الأنظمة في بلدانها، لأن تلك الأنظمة إما تابعة للغرب أو محمية منه، ومسلطة من ثم على شعوبها.. ونادراً ما تتصدى للمارسات العدوانية الغربية بالكلام، لأنها لا تريد، ولأنها في حالات لا تقدر.. ولذا تبقى في حدود التبعية أو التخاذل لأن قرارها ليس بيدها وقدراتها تعجز عن مواجهة تحالفات مدججة بالسلاح والغطرسة والعنصرية والحقد والكراهية.. وفي هذا ما يثير شعوبها عليها ويقود إلى التطرف والعنف.

لن تنجح أساليب ووسائل مواجهة التطرف الأميركية لأنها تنطوي على نوع مستفز من التطرف والتجاهل، ولأن الداء لا يعالج ذاته ولا بداء سواه.. وأكبر الأمثلة المنذِرة بالفشل الأميركي تكمن في التشخيص والمعالجة والغطرسة وما إلى ذلك من صيغ ومقولات تقدَّم هنا وهناك لمعالجة التطرف والعنف، هذا بالإضافة إلى أن المصانع الأعظم للتطرف والعنف والإرهاب هي أميركية. إنهم يقومون بإنشاء مفارخ وحاضنات للتطرف هي الممارسات الطغيانية الأميركية، والسياسات العنصرية والازدواجية المقيتة، والكراهية بثوب التعالي الأخلاقي، والسجون الأميريكة، وتلك التي أنشأتها دول لمصلحة الولايات المتحدة الأميركية في بلدان عربية وإسلامية وفي بعض الدول الأوروبية، .. ومنها في كوبا وأفغانستان والعراق وغيرها،، فالمعاملة هناك والظلم وانتهاك الكرامة الحقوق والقيم الإنسانية بما لا يتصوره عقل بشر، هي التي أوجدت تطرفاً وعنفاً بل وإرهاباً، فقد ولد ذلك في السجون باعترافهم ثم انطلق إلى خارجها. ألم يعرف الأميركيون خاصة والغربيون عامة ماذا كان في غوانتنامو وأبي غريب وباغرام وفي سجون الصهاينة ومعتقلاتهم في فلسطين المحتلة، وفي مئات السجون عبر العالم التي انتهكت فيها إنسانية الإنسان بوحشية هي العار، وأن ذاك الذي مارسوه أو مُورِس لصالحهم بالوكالة، سبَّب ردود فعل عنيفة ودموية ومن ثم انتشر تحت شعارات مختلفة؟! إنهم أجبن من أن يواجهوا الوقائع بمسؤولية أخلاقية وإنسانية وبحس نقدي يحاسب على الجريمة وعلى ما خلقوه من بيئة سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية تساعد على تكوين متطرفين ومن ثم مجرمين يتحولون من العنف إلى الإرهاب، وفاقموا ذلك حين وضعوا أنفسهم وحلفاءهم والموالين لهم فوق القانون والمحاسبة وخارج دائرة مجرد توجيه السؤال لهم عما ارتكبوه من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وما قاموا به من أفعال ومارسوه من ممارسات هي الظلم والقهر والاستفزاز والكراهية والعنصرية والإهانة الوقحة للكرامة البشرية.. وفعلوا ذلك على صُعُدٍ فردية وجماعية ودولية.؟!

يدّعون أنهم لا يحاربون الإسلام.. ولكن الوقائع على الأرض تشير إلى أنهم لا يحاربون سواه.. نعم إنهم يحاربونه، ويحاربه معهم مسؤولون عرب ومسلمون، يهمهم بقاؤهم في السلطة أكثر مما يهمهم بقاء الدين والوطن والشعب والقومية والهوية، بعد أن تماهوا مع ذلك كله ورأوا أنهم الدين والشعب والوطن والقومية والهوية، وأن بقاءهم هو بقاء لذلك كله، وقد تألهوا - جلَّ الله - ورأوا أنهم الأول والآخر والظاهر والباطن.؟!.. ومعظم هؤلاء يدعمهم الغرب أو يحتضنهم أو يأتي بهم إلى السلطة، لكنه يبقيهم مكشوفين أمام مناوئهم إن هم خرجوا على إرادته أو خالفوا أوامره أو إن هم راعوا مصالح بلادهم  وقدموها على مصلحة الغربي الذي يمتص دم شعبهم. إن المعالجات ينبغي أن تقوم على التشخيص الموضوعي وعلى العدالة واحترام ثقافات الشعوب وعقائدها ورفع صور الممارسات المزدوجة والنظر إلى الآخرين كشركاء في الأمن والسلم وفي الشرط الإنساني والمصير الإنساني. إن العقليات الغربية والعربية والإسلامية القاصرة وغيرها من العقليات التي ترسم سياسات عقيمة وتفرضها بالقوة والتعالي، وتمارسها بعد أن تنشئها بتمييز عنصري مقيت وبازدواجية هي النفاق، وبجهل يتزيا بالفهم والمعرفة والاحترام للآخر.. هي التي ينبغي أن تُعالَج أولاً، وهي قطعاً لا تصلُح لأن تكون قيادات عملية معالجة التطرف لا في العالم الإسلامي ولا في سواه، لأن غطرستها هي التطرف بذاته. ارفعوا الظلم والنهب والقتل عن الشعوب وتوقفوا عن انتهاك حقوقها وحرماتها ومقدساتها، واحترموا مصالحها، وهذا كفيل بالقضاء على حواضن التطرف وتخفيضه بما يتجاوز ٧٥٪  ومن ثم تدور عجلة القضاء عليه وحدها. كفوا عن الكذب والنفاق والهيمنة واستخدام القوة للحصول على ما تريدون ومن ثم فالعالم سيصبح أكثر أمناً وتعقلاً وحرية وازدهاراً.. أنتم الداء ولستم الأطباء ولا الدواء بأي حال من الأحوال.

دمشق في الثلاثاء، ٢٤ شباط، ٢٠١٥

علي عقلة عرسان

انشر عبر