شريط الأخبار

قبر من خمس غرف بغزة!

08:29 - 23 حزيران / فبراير 2015

فلسطين اليوم - غزة- فادي العمارين

"طابق واحد مقسموم إلى قسمين الأيمن والأيسر..توجهنا بدايةً للقسم الأيمن فوجدنا عدة غرف تحمل أرقاماً لا تستطيع أن تحمل عدد زوراها من صغرها ..أما القسم الأيسر ..فكان المكان الأشد قساوةً فيتواجد بينها خمس غرف فقط بينها ثلاثة للعزل ...." ولكن الازدحام والفوضى تخيل لنا أن المكان ليس في مستشفى , إنما سوق ..أو مكب للنفايات ...من الرائحة المنبعثة من الغرف "

البعض يمكن أن يستبعد أن يكون المكان الذي وصفناه هو القسم الخاص بعلاج ومبيت مرضى السرطان المتواجد بمجمع الشفاء الطبي بقطاع غزة , والذي يجب أن يكون الأكثر مثالية من ناحية  التعقيم , كون أن مرضى السرطان يصبحون بلا مناعة بمجرد أخدهم للجراعات الكيماوية , والعلاج.

وجه عابس..ملامح حادة ..إقدام تحاول أن تثبت جسده النحيل ..على كرسي متأرجح بالي قديم يخشي على نفسه السقوط ...ولكن ما لفت نظرنا أنه يتلقى جرعة الكيماوي على كرسي بالى ...ويخشى على المحلول أن يتحرك من يده , وهو يحمل في كيسة جرعات وقطرات من الكيماوي التي طالما سمعنا عن مدى قسوتها على من يتلاقها ...

مأساة ان تسمع غرف تُعد على الأصابع , لاستقبال عشرات الحالات بل المئات يومياً من مرضى السرطان لتلقي العلاج في غزة , وخاصة بعد ان أغلقت أمامهم كافة الأبواب..

مراسل "فلسطين اليوم" زار غرف المبيت الخاصة بالمرضي وتحدث إليهم الذين عبروا عن غضبهم واستيائهم من تجاهل إدارة المستشفى لنظافة وأثاث غرفهم ومعاناتهم في حجز سرير لهم لتلقي العلاج.

لا تصلح للحياة

الطفل وسام محمد يبلغ من العمر (12 عاماً) والذي يجلس على سرير قديم متهالك لقلة الاهتمام بها بجانبه والده الذي يجلس على كرسي مترنح وبجواره أكياس من القمامة متروكة جانباً ..وينعث منها روائح كريهة للغاية دون ان تفتح الشبابيك للتهوية خشية من البرد ان يتسلل الي جسد "وسام" النحيل

بدأ حديثه لمراسلنا متسائل:" الغرفة لا تصلح ليعيش فيها الإنسان السليم فكيف بمصاب يحتاج لرعاية دائمة"؟؟!! وأضاف: "هل أصبحت حياة المرضى لا تهم أحداً، وعلى المريض  مجبراً للعيش في ضوضاء دون أي مراعاة من احد "؟؟!!.

وسام الذي يعاني من لوكيميا في الدم منذ عام 2007 يرقد في غرفة تسمي "غرفة عزل"، أبدى والده استغرابه من الحالة السيئة للغرفة المخصصة لمرضى السرطان في المجمع قائلا:" المكان يفتقر الى أدني مقومات البيئة العلاجية فهو أشبه بالسجن الذي فيها الفرد بتهمة انه على قيد الحياة".

وتابع حديثه" هناك نقص في الأجهزة اللازمة ومقومات المساعدة في العلاج , التي تجعل الشفاء ضعيف  فاقلها توفير مكان علاجي مناسب لهم".

وناشد والد وسام المسؤولين "ارحموا مرضى السرطان في غزة، فيكفيهم نقص في الأدوية وأجهزة علاجهم , وتحمل الضوضاء واكتظاظ المرضى ومرافقيهم المترددين على المكان والروائح المنبعثة نتيجة الضيق .

الموت ارحم

حال الشاب رامي عبد الله لم يختلف عن سابقه فالمعاناة نفسها والإهمال الكبير من قبل القائمين على القسم حسب قوله.

عبد الله الذي وجد صعوبة كبيرة في حجز سرير له أوضح لمراسلنا:" انه انتظر مدة طويلة حتى تمكن من الحصول على سرير" متسائلاً" هل مريض السرطان يحتاج لكل هذا الوقت للحصول على سرير"؟.

رامي صاحب الــ(35عاما) الذي يجلس في غرفة لا تتعدي مساحتها الستة أمتار وبجانبه اثنين من المرضي قال:" كان أهلي يقاتلون من أجل الحصول على سرير لعلاجي، لكن كما تري المكان ضيق والنظافة غائبة ".

 ويتابع حديثه:" حين يقوم أحد المرضى بدخول الحمام تعم رائحته الكريهة الغرفة، فتشعر وقتها أنك بجوار مكب للنفايات من قوة الرائحة، ناهيك ان الحمام لا إضاءة فيه".

فكان سؤالنا لهم ماذا تفعلون في الليل حال قضاء حاجتكم؟؟ فقال:" نضطر الي فتح باب الحمام الخاص في الغرفة لنستمد الإنارة من الغرفة حينها تكون الغرفة كلها حمام كبير بسبب الرائحة القوية التي لا يتحملها الإنسان الطبيعي ".

ويضيف:" من المنظر العام للمكان يولد لك شعور أنك في غرفة شعارها (لا حياة فيها) فعامل النظافة لا يزورها الا مرة واحدة في اليوم وبعدها يقوم مرافق المريض بالتنظيف ".

المكان لا يستوعب الاعداد

ويشار إلى تزايد أعداد المصابين بمرض السرطان يوماً بعد آخر في قطاع غزة، في ظل واقع صحي يعجز عن توفير رعاية صحية مناسبة تواجه المرض في مختلف المراحل التي يمر بها.

ويرجع أطباء متخصصون أسباب ارتفاع عدد المصابين بأمراض السرطان في غزة إلى استخدام الاحتلال الإسرائيلي الأسلحة المحرمة دوليا كالفسفور واليورانيوم المخصب, حيث أثبتت منظمة الصحة العالمية أن تلك الأسلحة تسبب الإصابة بمرض سرطان "الرئة والدم".

استشاري علاج الأورام بمجمع الشفاء الطبي د. زياد الخزندار، قال إنه يتم اكتشاف (75) مصابًا بمرض السرطان في مجمع الشفاء الطبي بشكل شهري.

وأكد الخزندار أن عدد المرضى المسجلين في مجمع الشفاء الطبي في قسم الأورام (4500) مريض، مضيفاً: "إن سرطان الثدي للإناث يشكل (31%)، في حين يشكل سرطان الرئة للذكور (19%) من مجموع الإصابات".

وأشار إلى وجود زيادة في عدد الحالات المكتشفة والمصابة بمرض سرطان القالون والتي بلغت نسبة الإصابة به قرابة (18%) من مجموع الإصابات، بالإضافة لسرطان البروستاتا والمعدة.

وأرجع الخزندار أسباب ارتفاع عدد المصابين بأمراض السرطان، إلى تعدد الحروب الإسرائيلية على قطاع غزة واستخدامها الأسلحة المحرمة دوليا كالفسفور واليورانيوم المخصب التي أثبتت منظمة الصحة العالمية أن تلك الأسلحة تسبب الإصابة بمرض سرطان "الرئة والدم".

ويبقي هنا أسئلة كثيرة تحتاج الي جواب لعل أولها الي متي سيبقي مرضى السرطان الأضعف لمصابهم بالمرض القاتل " كما يسمونه"  في قطاع غزة معاناتهم مستمرة ؟؟.. 

ولعل تبادل الاتهامات بشأن إلقاء مسؤولية المأساة من قبل طرفي الانقسام على الأخر سواء من المحافظة على نظافة او توفير العلاج او بناء مبنى خاص للأورام لا يعفى أي منهما من  التنصل من المسؤولية , وخاصة وأن حكومة التوافق الغائبة هي من تدير الكفة الان في قطاع غزة , والمريض هو من يدفع الثمن و دون أي شفقة او رحمة من أصحاب الضمائر, ليبقى المكان للغلابة , يتنصل أصحاب النفوذ والأموال بالتهرول للحصول على تحويلات للعلاج بالخارج والخروج من القبر الذي وضعت أساساته لعلاج مرضى السرطان قبل سنوات.

عدسة الزميل : داود أبو الكاس

انشر عبر