شريط الأخبار

بين إرهاب وإرهاب الفتنة على الأبواب ..علي عقلة عرسان

11:35 - 18 تشرين أول / فبراير 2015

علي عقلة عرسان
علي عقلة عرسان

فلسطين اليوم

بانوراما الدم في سورية والعراق واليمن وليبيا.. تعطي مؤشرات كثيرة على إمكانية إغراق الوطن العربي كله، أو معظم بلدانه وبعض بلدان العالم الإسلامي، في مستنقع الدم والفتنة المذهبية التي تزحف شيئاً فشيئاً، وبصورة تفوق كل ما جرى وما يجري الحديث عنه اليوم في جبهات قتال يفتحها الإرهاب أو تُفتَح عليه، أو تُخاض تحت عناوين معه وضده فيما يشي بحرب إرهاب على إرهاب.. ذلك لأن مؤشرات الأحداث ومجرياتها تشير بوضوح إلى انخراط دول عربية وإسلامية، على رأسها إيران، في حرب تتوسّع وتتدرّج لتصبح مذهبية فاقعة بين السنة والشيعة.. وهي حرب تثيرها وتحرض عليها وتضريها وتستثمر فيها الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها العضويون، وعلى رأسهم الحركة الصهيوني بكيانها الإرهابي العنصري " إسرائيل" دولة الإرهاب التي ترعاها إمبراطورية الإرهاب الكبرى من العاصمة واشنطن. والهدف الأبعد لأولئك المتحالفين ضد العروبة والإسلام، ضد الهوية والدين.. هدف معروف مكشوف معلن في أوقات وحالات منها حالة تدمير بوش الإبن للعراق وحرب أوباما اليوم. وعلى الرغم من ذلك الانكشاف يساهم معظم المستهدَفين العرب والمسلمين في تنفيذه مباشرة أو مداورة، منخرطين في الحرب/الفتنة لتحقيقه، بأنفسهم وأموالهم وسياساتهم.. وسواء أكانوا يستَدرجون إلى ذلك أم يُقبلون عليه إقبال الفَراش على النار، بوعي أو من دون وعي، فإنهم يفتحون أبواب المجهول على الأمتين وعلى الإسلام لصالح أعدائهما.

في العراق ينسحب السُّنة من الحكم أو يهددون بالانسحاب منه، تحت ضغط ممارسات واغتيالات وتحديات ينسبونها للشيعة، وتقوم بها ميليشيات مسلحة تتكون بمعرفة الدولة وتعمل تحت إمرتها.. ولكنها فيما يبدو مجيّرة لحساب فريق عراقي ضد فريق، كما يقول ساسة عراقيون يدهم في النار.. وفي العراق أيضاً يتراكم العسكريون الأميركيون من جديد باسم مستشارين وخبراء و.. ويمهدون لتدخل عسكري مباشر يطلبه بوش من الكونغرس، يضاف إلى تدخل طيران التحالف ضد داعش ومن في حكم داعش.. ذلك التنظيم الذي يخسر ويربح ولكنه يتلقى دعماً بشرياً ومادياً ومالياً بعض مصادره مجهولة، ويتوسع من خلال انضمام قوى منظمة إليه في بلدان عربية منها اليمن وليبيا.

وفي سورية يستمر القتال ضد الإرهاب المتمثل في داعش والنصرة ومن في حكمهما، وضد المعارضات التي تقاتل داعش أو يقاتل بعضها بعضاً، وتقاتل جميعُها الجيشَ العربي السوري ومعه القوى الشعبية ومن يقاتلون معه من محور المقاومة/الممانعة، كحزب الله وإيران وبعض التنظيات العراقية الشيعية. وقد شكلت مشاركة مقاتلين إيرانيين على الخصوص في المعارك الدائرة في جنوب سورية " حوران والقنيطرة" في الوقت الراهن، شكلت صيغة حُسِبَت مذهبياً وصبت في الفتنة المذهبية لتغذيها.. وفي سورية أيضاً من يقاتل لتقسيمها ولتدمير ما تبقى من قوة لها بصورة لا تقبل تفسيراً سوى التآمر عليها في وقت المحنة.. وفي سورية ما يسوِّغ أموراً وضدها مما يدمي الشعب ويكرِّه الناس بالحياة جراء ممارسات وأوضاع لا يطيقها الإنسان.. وكل ذلك يصب في إضعاف الدولة، وتمزيق المجتمع، وإضرام نار الفتنة بصورها وأشكالها المذهبية والعرقية والطائفية و..؟!

ولا يكاد يختلف الوضع في اليمن كثيراً عنه في العراق وسورية من حيث الاصطفافات المذهبية على الخصوص ومخاطرها، والسعي لتقسيم البلد إلى دولتين على الأقل، ولنيل محاصصات على حساب الدولة ووحدة الشعب في وطن متماسك.. فهناك في اليمن يأخذ خروج الحوثيين على الدولة وإحكام قبضتهم عليها، صبغة مذهبية، شيعية سنية، على الرغم من وجود شركاء آخرين للحوثيين في خروجهم ذاك. وتُتهم إيران بالوقوف خلفهم كما في العراق وسورية.. وقد أصبح اليمن مهيئاً بصورة خطيرة ومثيرة لحرب أهلية مدمرة، ويوحي بها أكثر سحب سفارات غربية وعربية منه بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء العاصمة.. وفي اليمن أيضاً كما نعرف أماكن وقواعد للقاعدة ولداعش، وفيه مواجهات بين القاعدة والجيش اليمني منذ سنوات، وكل ذلك أصبح اليوم يؤطر لحرب تصب في الفتنة المذهبية، السنية الشيعية، ولحرب كانت تجري تحت شعار محاربة "الإرهاب"، أتاحت وتتيح تدخلاً لتحالف دولي تقوده الولايات المتحدة الأميركية، الدولة العظمى التي هي مصدر الأدواء والكثير من البلاء.

وفي ليبيا يستمر الانقسام، وتستمر الحرب المجنونة، وإحراق الذات بالذات، وتتواصل الاتهامات وتتفاعل، وتتضاعف صور الانفلات وأشكاله وألوانه، فيصبح هناك من يُحسَبون على الإرهاب، ومن يبايعون داعش، ومن يخوضون حرباً ضد الإرهاب، وأخرى تعلن عن رغبة في تقسيم ليبيا إلى دويلات، وهناك أيضاً من يخوضون جهاداً لإعلانها دولة إسلامية.. وفيها من يمارس أفعالاً تؤدي إلى إثارة فتنة طائفية بوحشية دموية كريهة لا أظنها تتم من غير تحريض أو تطرف أعمى..

ويضاف إلى كل هذه الأفعال المأساوية، مما سبقت الإشارة إليه هنا، وإلى الظروف التي تخلقها والتفاعلات التي تتم بسببها في الدول والمجتمعات العربية والإسلامية، ما كان من أسباب ودوافع لها ومحرضات عليها، ومن دعم وتمويل وتحريض وتجييش.. مما أسس ويؤسس لانقسامات اجتماعية عميقة وخطيرة، وإلى اصطفاف وتحشيد مذهبييين، وإلى تشكّل مفارخ وحواضن للفتنة " سياسية وثقافية وإعلامية واجتماعية ودينية..".. وكل ذلك يخلق مناخ الحرب/ الكارثة ويفتح باب الاحتمالات على مصراعيه أمام انتشارها الكبير، وبصورة لا يمكن التحكم بها.

إن ما يلفت النظر وما يضاعف من حجم الخطر في هذه الأوضاع المثيرة المتسارعة باتجاه التحول إلى فتنة مذهبية مرعبة، ومما ينبغي أن يدخل في تقدير الاحتمالات وفي الحسابات المتصلة بها، وما يمكن أن يفضي إلى انتشارها وتطورها، ومن ثم خروجها عن السيطرة، فيؤسس لتدخل قوى دولية خارجية في شؤوننا بسببها.. وجود الرسيس التاريخي والعقائدي للفتنة المذهبية في النفوس، والاستعداد الفردي والجمعي لخوض غمارها الدامي بنوع من " القداسة" نتيجة للشحن المذهبي المستمر، والوعظ الديني القاصر المستفز، والإساءات المتواترة لرموز إسامية تثير الإساءة إليها تحديات وغلياناً وثورات في الأنفس، وبسبب التثقيف التربوي المنحرف، والسياسات الغبية، والعداوات والحروب بين دول " سنية وشيعية" وبسبب الممارسات والمواقف والمظالم التي ترتكب تحت عناوين مذهبية أو تجيَّر لتصبح تحت تلك العناوين، ولما يُضْمَر أو يعلَن من شحن مذهبي وإعلامي وثقافي واجتماعي ذي محتى مذهبي فيه تطرف وغلوّ.. ولكل بعد من تلك الأبعاد تاريخ ومواريث ومثيرات وثارات..إلخ مما يجعل هذه النار تشبّ بأسرع مما يتوقعه المرء أو يتصوره.

ومن الأمور اللافتة في هذه الأوضاع والظروف والكاشفة لإمكانية مسارعة دول عربية، تعمل تحت إمرة غربية، إلى دخولها بحميَّ التبعية واستعمال لأسلحتها بثأرية قبيلية ذات أبعاد سياسية استرضائية للغرب أولاً ولمن عداه ممن يهمها أمرهم ثانياً.. على حساب كل صلات قد تربطها بغيرها من الدول والمجتمعات العربية، وعلى حساب ما قد يسنفر الأنفس أو يتخمّر فيها من عداوات وشرور تُزرع وتُروى وتُرعى فتُثَمَّر خراباً وموتاً.. وذلك نتيجة للاستغلال الشعبي الذي تمارسه أجهزة وجهات مختلفة تحت ذرائع وتفسيرات شتى.. ومن ثم يؤدي ذلك إلى صراعات وعنف وإرهاب وانعدام ثقة وتقطيع أواصر وعلاقات دينية وتاريخية وقومية، مما لا ينجو معه الأبرياء خصوصاً من دفع الثمن الفادح في الحروب والصراعات السياسية والمذهبية، الباردة منها والساخنة والدامية. لقد مررنا كعرب في صراعنا مع العدو الصهيوني بمراحل من العدوان الهمجي والمذابح والحروب بما اسنفر المراقب البعيد جداً ضد المعتدي الصهيوني ودفعه لتحرك إنساني على الأقل، بينما لم نشهد شيئاً من ذلك في دول عربية، ومن شرائح اجتماعية لم تتعاطف مع الضحايا ووقفت مكلَّسة أو محايدة، وفي حالات مشينة جداً ساعدت العدو وحرضته على الاستمرار في العدوان والذبح والتدمير.. حصل ذلك بشكل محزن ومهين في أثناء اجتياح كيان الإرهاب الصهيوني للبنان واحتلاله لبيروت، وفي الحروب على جنوب لبنان، وفي الحرب المتكررة على الشعب الفلسطيني في الانتفاضات المشهودة وفي الحروب الكثيرة على غزة والحصار المفروض عليها، وهو ما تشارك فيه دول عربية.. وفي كل ذلك لم نسمع بوجود طيران عربي يمكن أن يقلع من مطارات لينصر عرباً ومسلمين يذبحون على مدار أيام وأسابيع بسلاح الإرهاب الإسرائيلي باسم الصهيونية العنصرية المحتلة لفلسطين، ولا سمعنا بمجرد تصريح يهدد باستعمال القوة ضد هذا النوع من الإرهاب ولوقف إبادة شعب هو منا وفينا، شعب فلسطين، في غزة أو الضفة أو في القدس.. بل سمعنا العكس في حالات من بعض الساسة ورجال الإعلام والثقافة والُمفتين في وطن العرب والمسلمين.. سمعنا بتحريض إسرائيل على القتل، وإطالة زمن العدوان حتى اجتثاث مقاومة مشروعة ضد الاحتلال؟! أما اليوم فنتعرف على وجود طيران عربي يخترق أجواء دول عربية ليشارك في المعارك ضد إرهاب تشنه منظمات باسم الإسلام، وانتقاماً لشخص أو أشخاص تقتلهم تلك التنظيمات.. إن محاربة الإرهاب أمر مشروع ومطلوب ومحمود، والدفاع عن الإنسان والمواطن ضد الوحشية والتطرف واجب السياسي والمثقف والإنسان.. والدفاع عن سماحة الإسلام وقيمه ضرورة دينية وشرعية.. ولا أحد يقف ضد عمل من هذا النوع.. لكن لمَ التمييز بين إرهاب وإرهاب؟! ولمَ يوضَع إرهابي صهيوني عدو للعروبة والإسلام فوق المساءلة والرد على إرهابه، بل ويفتح له مجال ذبح العرب المسلمين، ويقرَّب ويُناصَر وتتم مشاركته في حصار شعب بريئ، وفي القضاء على مقاومة تدافع عن نفسها وعن شعبها الواقع تحت الاحتلال والإرهاب؟! هذا أمر يثير أسئلة.. وأسئلة. جميل أن نكتشف كعرب وجود سلاح جو فاعل في بلدان عربية، وطيارين وطيارات يخوضون الحروب دون استئذان بذريعة الدفاع عن الإسلام والحق وضد الإرهاب والوحشية والتطرف.. ولكن الأجمل أن نخوض مثل هذه المعارك من أجل حماية شعبنا من الإرهاب ومن أجل تحرير فلسطين من الاحتلال، ومنعاً لتدمير الأقصي وتهويد القدس؟! ومن المفيد والمانع للمضاعفات ألا نخوض حرباً في بلد عربي من دون تنسيق أو تفاهم إو تعاون مع دولته التي تتمتع بسيادة، حتى لا نؤسس مستقبلاً لانتهاكات للسيادة القطرية التي تعلو على الدين والقومية، تلك التي نركض من أجلها إلى مجلس الأمن الدولي ولا نتواصل مع بعضنا بعضاً لحمايتها بالتفاهم والتكامل.. بينما تنتهك سيادة بلداننا دول غربية من دون استئذان ولا نناصر بعضنا في قضية حق هي لنصرة العدل والحق؟!     

توقفت عند هذا لكي أشير إلى أمر ذي صلة وطيدة مع الموضوع الأساس في هذا القول، أي موضوع الفتنة المذهبية واحتمالات انتشارها بسرعة نتيجة لوجود عوامل واستعداد وحواضن ومسببات أخرى.. ومن هذه المسببات استعدادُ دول عربية لاستنفار جيوشها واستخدام أسلحتها، بعضها ضد بعض، أو ضد مواطنيها، أو ضد شرائح من مواطنيها.. حسب الحاكم والمحكوم، وكل ذلك  بتآمر أو بأوامر أو بإيحاءت أو بابتسامات وتلميحات مشجِّعة من السيد الأميركي - الصهيوني الذي يستثمر في حرب عربٍ على عربٍ ومسلمين، وفي حرب مسلمين على مسلمين وعرب؟!

إن المراجع الدينية العليا مسؤلة عن الحالة النفسية - الدينية التي وصلنا إليها، والسياسات القاصرة مسؤولة عن ذلك أيضاً، والجهات والشخصيات والتنظيمات والمؤسسات.. كل ذلك مسؤول عما نحن فيه وعما يمكن أن يؤول إليه أمرنا ونحن في غمار هذه المحنة.. لكن ليس الآن وقت التلاوم وأنما وقت الاحتشاد على قلب رجل واحد لإبعاد شبح الفتنة وإيقاف الحروب القائمة على قادم وساق باسمها، وتغليب منطق الحوار والاحتكام للشرع والعقل بإيمان يزيد المرء إيماناً، وبوعي يكشف لكل ذي بصر وبصيرة خطورة الراهن والقادم على الآمة والدين، ومن الذي يستفيد من حرب الأخوة ومن التطرف والتعصب والإرهاب والظلم والطغيان وإشباع غرور السلطة والتسلط.. تلك الأدواء التي تهلك شعوباً وتقضي على دول وتريق الدماء وتزهق الأرواح.

إن معظم ما يجري من مواجهات في وطننا الكبير يتم بدعم ظاهري وتخطيط في وتدبير تآمري من دول على رأسها الولايات المتحدة الأميركية والحركة الصهيونية اللتان تقودان حرباً قذرة لتدمير وطننا ومقدرات شعبنا وقيم ديننا تمهيداً للسيطرة التامة علينا.. فهل نتعظ ونتدبر أمورنا قبل فوات الأوان؟!

 

انشر عبر