شريط الأخبار

لكل انتخابات حربها

10:28 - 27 تشرين أول / ديسمبر 2014

أطلس للدراسات

دورتين انتخابيتين سابقتين للكنيست، ترافقت فترة حملاتهما الانتخابية بعدوان عنيف على القطاع، ففي ذروة الحملة الانتخابية للكنيست الثامنة عشرة التي كان مقرراً اجراؤها في العاشر من فبراير 2009 قامت حكومة أولمرت – باراك – ليفني بحرب "الرصاص المصبوب" في السابع عشر من ديسمبر 2008، وأيضاً في ذروة الحملة الانتخابية للكنيست التاسعة عشرة التي كان مقرراً اجراؤها في الثاني والعشرون من يناير 2013 شنت حكومة نتنياهو – باراك حرب "عامود السحاب" في الحادي والعشرين من نوفمبر 2012 التي بدأت باغتيال القائد الجعبري، فهل يمكن ان يشكل ذلك مؤشر لتكرار سيناريو الحرب في ظل الانتخابات، لا سيما في ضوء التصعيد والتسخين والقصف الأخير الذي استهدف حسب الناطق العسكري الاسرائيلي مصنعاً للإسمنت؟

استناداً الى التاريخ والتجارب مع حكومات اسرائيل في الفترات الانتخابية، فمن الطبيعي ان نشعر ان موسم الانتخابات هو موسم لزيادة التصعيد، وبات من الصحيح القول ان الدم الفلسطيني والكيان الفلسطيني كله يعتبر مكوناً رئيسياً في بورصة الانتخابات الإسرائيلية، حيث يصبح الفلسطيني في الضفة والقطاع كيساً للكمات يتنافس المتنافسون في الحلبة الانتخابية على ضربه، وأحياناً عند بعضهم على تجاهل وجوده.

فأجواء الانتخابات الاسرائيلية تضاعف مقدار الحساسية تجاه الموضوع الأمني تحديداً، لا سيما من قبل أحزاب الائتلاف الحاكم الذي لا يريد ان يظهر بمظهر الضعيف أو من يهمل أمن المواطنين الإسرائيليين، كما ان للحروب في ظل الانتخابات تأثير مباشر على أجندة الانتخابات وعلى نتائجها، وذلك ارتباطا بنتائج الحرب وفقما يراها الناخبون، ففي حرب الأيام الثمانية "عامود السحاب" أطلق نتنياهو حملته الانتخابية فور انتهاء الحرب تحت شعار "نتنياهو قوي ضد حماس" رغم ان باراك الذي كان وزير الحرب انسحب من الانتخابات نتيجة لأن حزبه "الاستقلال" لم يكن ليتجاوز نسبة الحسم حسب الاستطلاعات.

لذلك نعتقد ان ثمة رابط حقيقي بين الانتخابات والحرب لا يمكن تجاهله، ففي حرب 2008 كان بإمكان الحكومة الاسرائيلية احتواء ما اعتبرته تصعيداً فلسطينياً عبر رفض تجديد التهدئة كما كان يحدث سابقاً، لكنها قررت اعلان حرب بشعة حددت توقيتها وأدواتها، فقتلت في الضربة الجوية الأولى أكثر من ثلاثمائة شرطي ومدني، وفي حرب 2012 بادرت الى حرب مباغتة باغتيال الشهيد القائد أحمد الجعبري رغم ما ساد آنذاك من أجواء انفراج وتهدئة، ويبدو ان نتنياهو وباراك كانا متيقنين من ان رأس الجعبري يساوى الكثير من المقاعد الانتخابية.

في هذه الأيام بات هاجس حرب قريبة على غزة يأخذ حيزاً أكبر في الاعلام، ولدى المحللين العسكريين الإسرائيليين، ويزداد صداه اتساعاً في أوساط المواطنين والفصائل في غزة، وأيضاً في أوساط المستوطنين الذين يعيشون داخل المستوطنات المحاذية للقطاع، يتغذى ذلك من:

- المبالغة في الحساسية الأمنية تجاه الموضوع الأمني في ظل الحملة الانتخابية، ومحاولة فرض هاجس التهديدات الأمنية على أجندة الانتخابات.

- التصعيد الخطابي لنتنياهو؛ حيث لوح الأسبوع المنصرم بتوجيه ضربات عسكرية إلى قطاع غزة، معتبراً أن "أمن إسرائيل يأتي قبل أي شيء آخر، ولن أمر مرور الكرام حتى على إطلاق صاروخ واحد على أراضينا، ولذا رد سلاح الجو على إطلاق هذا الصاروخ بتدمير مصنع إسمنت استخدمته حماس لترميم أنفاق تم ضربها أثناء عملية الجرف الصامد، حماس تتحمل المسؤولية عن أي تصعيد، ونحن سنحافظ على أمن إسرائيل".

- الوضع المأساوي للقطاع في ظل الحصار وتأخير إعادة الاعمار؛ تأجيل المفاوضات غير المباشرة لاستكمال اتفاق وقف إطلاق النار، حيش يعيش القطاع تحت وطأة نتائج حرب مدمرة دون تحقيق أي انجاز، مما يجعل مشاعر المرارة والخيبة والاحباط والغضب تشكل وقوداً لمرجل يغلي مهدداً بالانفجار، لا سيما مع استمرار العدوان الاسرائيلي باختراق التهدئة قصفاً وإطلاقاً على الصيادين والمزارعين وتجريفاً للأراضي؛ الأمر الذي يترجمه قادة حماس بالتهديد والتحذير من الانفجار في حال استمرار الوضع المأساوي والخروقات الإسرائيلية، وقد فهم الاسرائيليون رسائل القطاع على انها "الإعمار أو الانفجار".

- تركيز وسائل الاعلام الاسرائيلية تحديداً على ما تعتبره قيام حركات المقاومة بترميم وزيادة قدراتها التسليحية وحفر الأنفاق الهجومية، وتركيزها على الاستعراض العسكري لكتائب القسام، وقراءته على انه رسالة باقتراب ما أسمته بجولة العنف القادمة، فضلاً عن ربط كل ذلك مع ما تعتبره تآكل وفشل الردع الإسرائيلي، وهنا نلاحظ ان وسائل الاعلام الإسرائيلية، التي توظف صفحاتها وشاشاتها لتسليط الضوء على فشل الردع، وعلى تعاظم القدرات العسكرية للمقاومة؛ تقوم بذلك ليس بهدف التحريض على حرب جديدة بقدر ما توظف ذلك لإظهار فشل نتنياهو في تحقيق الهدوء والاستقرار الأمني رغم الحرب الكبيرة التي خاضها على مدار واحد وخمسون يوماً، حيث غالبية الاعلام الاسرائيلي يتوحد في تحريض الناخبين على نتنياهو، خدمة لأجندة (كله إلا نتنياهو).

- التقديرات الخاطئة في قراءة كل طرف للطرف الآخر في ظل الاجواء الانتخابية والمناكفات السياسية الاسرائيلية تجعل كل إطلاق فلسطيني أو خرق إسرائيلي، مع غياب الوسيط القادر على التهدئة والاحتواء، قادراً على إشعال حرب جديدة.

 

الحرب خيار قائم

غزة تبقى جبهة حرب مفتوحة، وكل أوقات التهدئة هي عبارة عن وقت مستقطع بين حربين؛ حرب انتهت وأخرى قادمة، والحرب خيار قائم، وهو الثابت الوحيد في العلاقة بين القطاع واسرائيل طالما بقيت العلاقة الضدية بين الاحتلال والمقاومة المسلحة، وخيار الحرب لن يزول إلا بزوال الاحتلال أو زوال المقاومة، أما الأسباب المباشرة فيكمن دورها في تحديد توقيت الحرب ووتائرها.

العقلية الاحتلالية لا تريد ان ترى السبب الحقيقي لكل الحروب، وتحصر بحثها دوماً في الأسباب المباشرة التي نسميها "أعراض الاحتلال"، لذلك ليس لديهم سبيل لدرء خطر الحرب إلا من خلال سياسات تكتيكية عبر المنظور الأمني، المزيد من الردع والتهديد، والمزيد من استخدام القوة الفتاكة أو احتواء وتهدئة (تخفيف الحصار وتسهيلات ...الخ) أو تفعيل معادلة (مزيد من الاستقرار والأمن يساوي المزيد من التسهيلات ودعم حكم حماس).

وبناءً عليه؛ محق من يعتقد ان الأجواء السائدة اليوم عموماً، تنذر بالتصعيد والانزلاق نحو الحرب، وأخذاً بالاعتبار كل ما سبق فيجوز الاعتقاد اننا ربما نكون على أبواب حرب.

بيد انه ورغم التصعيد الخطابي الحربي لنتنياهو، ورغم الأجواء وحساسية الانتخابات للأوضاع الأمنية؛ فإننا نعتقد ان اسرائيل نتنياهو لا تريد حرباً الآن، وهي ربما تقوم بكل ما بوسعها من تحت رادار الاعلام لتجنب الحرب، وذلك لأسباب كثيرة نوجزها سريعاً؛ الوضع الأمني القائم اليوم على جبهة غزة يعتبر جيداً من ناحية إسرائيل، والخوف من نتائج الحرب على مستوى الفشل في تحقيق انجازات جدية، وعلى مستوى إحراج الحكومة فقد بات خوفاً حقيقياً لا سيما في ظل نتائج الحرب الأخيرة، كما لا توجد لإسرائيل أهداف سياسية أو أمنية تسعى لتحقيقها في ضوء استمرار الهدوء.

ما يؤكد ذلك تصريح يعلون بعد إطلاق الصاروخ على "اشكول"، حيث قال ان "فصيلاً صغيراً متمرداً هو الذي أطلق الصاروخ، وأن حركة حماس قامت باعتقال من أطلق الصاروخ، وأنها وعدت باستمرار الهدوء"، لكن من المعروف أيضاً ان المقاومة الفلسطينية تعتبر طرفاً رئيسياً في معادلة تقرير وتوقيت الحرب؛ فهي بإمكانها إن أرادت ونتيجة لأسباب وأهداف معينة ان تفرض على اسرائيل حرباً في التوقيت الذي تريد، يبقى أن نقول أخيراً ان امكانية التصعيد كامنة مع كل خرق اسرائيلي أو إطلاق فلسطيني.

انشر عبر