شريط الأخبار

هل تُعيد الانتخابات التونسية إنتاج النظام القديم ؟ ..بقلم د. وليد القططي

10:52 - 25 حزيران / ديسمبر 2014

بعد فوز السيد الباجي قائد السبسي في انتخابات الرئاسة التونسية , ومن قبل ذلك فوز حزبه – نداء تونس – بالمركز الأول في مجلس النواب التونسي دافعاً حزب حركة النهضة إلى المركز الثاني , تزايدت المخاوف من إعادة إنتاج النظام القديم بثوب جديد , بعد أن أراد الشعب التونسي الحياة بإسقاط النظام القديم فاستجاب له القدر الذي يسير وفقاً لسنن التغيير الثابتة التي وضعها الله تعالى في هذا الكون , وبالتالي فإن المخاوف تزداد من أن يكون مصير أول ثورات  ( الربيع العربي ) كمصير باقي هذه الثورات الذي يتراوح بين انتصار الثورة المضادة , أو اندلاع الحرب الأهلية ,أو تفكك الدولة وانهيار مؤسساتها أو نظام توافقي فاشل يجمع بين القديم والجديد .

فهل لهذه المخاوف ما يبررها ؟ أو بمعنى آخر هل يوجد أساس لإمكانية عودة النظام القديم من بوابة السبسي وحزبه ؟ والحديث هنا لا يعني عودة نفس رموز النظام السابق بشخوصهم , بل عودته بمضمونه ومحتواه - الاستبداد والفساد -الذي ثار عليه الشعب بعد أن يأس من التغيير السلمي للنظام , وإن كانت هذه الفرضية غير مستبعدة على اعتبار أن السيد السبسي هو من رموز النظام القديم , والقديم جداً .

وهناك ثلاثة أسباب تعزز إمكانية إعادة إنتاج النظام القديم بعد فوز السبسي وحزبه في رئاسة الجمهورية والبرلمان ,  أولها أن الباجي قائد السبسي من رموز النظام القديم الذي حكم تونس بعد الاستقلال منذ عام 1956 الذي كان يقف على رأسه الحبيب بورقيبة ثم زين العابدين بن علي  , وبواسطة الحزب الدستوري الحاكم , والسبسي لم يكن يقف على هامش النظام , بل كان في قلبه من خلال المناصب الوزارية التي تقلدها في العهدين – بورقيبة وبن علي – حيث كان وزيراً للداخلية وللدفاع وللخارجية , ورئيساً لمجلس النواب , وسفيراً ..... وهذه السيرة الذاتية التي امتدت لعشرات السنين منذ منتصف القرن العشرين , واستغرقت معظم حياته , وكل تاريخ تونس بعد الاستقلال , قد طبعت الرجل بطابع النظام القديم الذي ظاهره الليبرالية والديمقراطية وباطنه الاستبداد والفساد , بل ان الاستبداد والفساد هما الأصل في النظام بينما تراجعت الليبرالية والديمقراطية لتصبح مجرد زينة جوفاء ليس لها رصيد من الواقع .

والسبب الثاني الذي يعزز هذه الفرضية هو أن حزب نداء تونس الذي أسسه الباجي قائد السبسي بعد الثورة , مستنداً على شرعية الثورة التونسية , قد اعتمد في قاعدته الشعبية وحراكه الحزبي على كوادر الحزب الدستوري الحاكم   بالرغم من أنه قدّم للناس وجوهاً ورموزاً يسارية وليبرالية ونقابية ثورية نظيفة , ورجال أعمال وطنيين مستقلين , إضافة  لبعض رموز النظام السابق الذين لم يتورطوا مباشرة في الفساد والاستبداد , جمعهم الخوف من حكم حزب النهضة الإسلامي , الذي قد يشكل – في اعتقادهم – بوابة لدخول الجماعات الإسلامية المتطرفة إلى سدة المشهد التونسي , ولذلك أعلن السبسي صراحة في برنامجه الانتخابي أن من أهداف حزبه الأساسية هو التصدي لهيمنة حزب النهضة الإسلامي ,وأن حزب نداء تونس هو الضمان الوحيد لتخليص البلاد من (مخاطر الوهابية والإرهاب والأفغنة والمشروع الظلامي ). وهذه القاعدة الحزبية المستندة إلى قاعدة الحزب الحاكم القديم ستكون قوة جذب للخلف نحو عودة النظام القديم , يساعدها في ذلك خوف القوى الليبرالية واليسارية والقومية من فوبيا الإسلام السياسي الذي تمثله في نظرهم حركة النهضة .

والسبب الثالث هو أن الإيديولوجية النظرية التي يستند إليها حزب نداء تونس تقف على نفس الأرضية الفكرية التي شكلت فلسفة الحزب الحاكم  على اختلاف أسمائه منذ الاستقلال عام 1956 وحتى سقوط بن على في بداية عام 2011 , وهي الإيديولوجية التي تتبنى الفكر العلماني المتطرف المعادي للاتجاه الإسلامي , والذي يعّرف نفسه بأنه ليبرالي وديمقراطي وإصلاحي وينادي بقيم الحرية والعدالة الاجتماعية , ومبادئ الدولة المدنية والمواطنة والحداثة والمساواة وحقوق المرأة ... فما يجمع حزب نداء تونس والحزب الدستوري القديم من أرضية فكرية تستند إلى أيديولوجية واحدة تتلخص في العلمانية والليبرالية وهذا لا يعني التشكيك في القيم التي تنادي بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة وغيرها , ولكن يعني الحذر من الأرضية الفكرية المشتركة التي أنتجت التطرف العلماني وإقصاء الآخر المختلف , واحتكار السلطة والثروة التي أدت بالضرورة إلى الاستبداد والفساد .

 وفي الختام فإن فرضية إنتاج النظام الحاكم القديم ليست قدراً لا مناص منه , فالشعب التونسي العظيم الذي فجّر الثورة الأولى في ثورات ( الربيع العربي ) , والتي ربما تكون النموذج الوحيد الناجح منها , سيحافظ بالتأكيد على مكاسب الثورة التونسية من خلال مراقبته للنظام الجديد الذي في طور التكوين والتبلور , ولن يسمح بعودة الاستبداد والفساد الذي دمّر حياة التونسيين في العهد السابق للثورة ,  وسيحافظ على مبدأ تداول السلطة بالطرق السلمية الذي سيضمن حرص الحكام على مصلحة المحكومين الذين قد يجددوا البيعة لهم إذا أحسنوا , أو يتم عزلهم عن الحكم إذا أساءوا .

والأهم من ذلك  كله هو أن تبقى الثورة التونسية نموذجاً ناجحاً للثورات الشعبية العربية التي تجاوزت اسقاط النظام القديم إلى بناء النظام الجديد, وذلك من شأنه ان يعطي الأمل لبقية الشعوب العربية المقهورة في إمكانية التغيير نحو الأفضل .

انشر عبر