شريط الأخبار

من سلَّط داعش علينا؟ ..فهمي هويدي

02:10 - 17 تموز / ديسمبر 2014

من سلط «داعش» على الإسلام والمسلمين؟ هذا السؤال أصبح يلح علىّ كل صباح كلما وقعت على شىء مما تتناقله الصحف ووكالات الأنباء عما ينسب إلى ممارساتها وبلاويها، التى تجاوزت حدود سوريا والعراق ووصلت إلى أوروبا، ولم تستثنِ أستراليا. حصيلة يوم أمس الأول كانت شاهدا على ذلك. إذ تناقلت وسائل الإعلام أخبار احتجاز شخص رفع رايتهم لرواد أحد المقاهى فى سيدنى بأستراليا، وحين احتجز أربعة أشخاص آخرون رهينة فى بلجيكا فإن الأصابع أشارت على الفور إلى داعش بعدما أصبحت المرشح الأول لأى ترويع يحدث فى أى مكان بالكرة الأرضية. بل إن جريدة الأهرام حين نشرت على صفحتها الأولى أمس عنوانا ذكر أن: 50 ألفا يشيعون ضحايا بدر الإسلام بالدقهلية. فإن أذهان البعض كانت مهيأة لإضافة الجريمة إلى سجل داعش الملطخ بالدماء أو الإخوان عند الحد الأدنى (وهو ما نبهتنى إليه قارئة حصيفة انتابها القلق حين قرأت العنوان). لكن الخبر تحدث عن شىء مختلف تماما أساء العنوان التعبير عنه. لأن «بدر الإسلام» لم يكن سوى اسم مركب صيد صدمتها سفينة نقل بضائع عملاقة فى البحر الأحمر وأغرقت ركابها!

صحيح أن البعض يدعى أن بعض ما ينسب إلى داعش مبالغ فيه أو مغلوط، إلا أن ذلك لا ينبغى أن يقبل كتبرير لسوء سمعتها، ذلك أنه لا يوجد دخان بغير نار وراءه، كما يقول المثل العامى. لذلك فما كانت سمعة داعش لتسوء إلى تلك الدرجة المزرية والمنفرة لولا أن ممارساتها على أرض الواقع هى التى أوحت بذلك. وهى الممارسات التى لطخت سمعة الدولة الإسلامية وأهانت الخلافة وابتذلت شعار «لا إله إلا الله» حتى حولته إلى راية تثير الخوف والرعب وتمهد لقطع الرءوس وسبى النساء وسحق المخالفين. وبسبب داعش فقد شوهت صورة المقاومة، وأصبح الطرف الإسلامى موصوما بكل ما يشينه وينفر الناس منه. ليس ذلك فحسب، وإنما تسببت ممارسات داعش فى رفع منسوب كراهية المسلمين فى العالم الخارجى. كما أنها أهدت الاتجاهات اليمينية والفاشية فى أوروبا حججا قوية عززت مطلبها الداعى إلى طرد المسلمين وإعادتهم إلى أقطارهم الأصلية باعتبارهم أنهم أصبحوا خطرا يهدد أمن واستقرار المجتمعات الغربية. حتى قرأت شتائم لداعش من جانب بعض المسلمين خلال مواقع التواصل الاجتماعى، حيث كالوا لهم السباب بسبب العملية التى تمت فى سيدنى، معتبرين أن ذلك يمكن أن يغلق الأبواب أمام هجرة شبابهم إلى أستراليا.

هذه الشواهد وغيرها أثارت لدى شكوكا قوية فى مشروع داعش وحكاية الخلافة والدولة الإسلامية. ذلك أن المفاسد التى حققها ذلك المشروع تتجاوز بكثير أية مصالح يبدو أنها حققتها. وقد لا أعترض على مقولة إن ذلك التنظيم يعبر عن غضب أهل السنة وثورتهم على ما حاق بهم من ظُلم فى ظل الحكم الطائفى المهيمن فى العراق. وإذ اعتبر ذلك أمرا مفهوما، إلا أن ذلك لا يبرر ولا يغفر كم الجرائم التى ارتكبت أو الدماء التى أريقت أو الممارسات البشعة التى تمت بحق الأقليات فى سوريا والعراق.

منذ وقت مبكر أشرت فى كتابات منشورة إلى احتمال أن يكون لأبالسة النظام السورى يد فى انطلاق داعش والنفخ فيها لإخافة الجميع من البديل الذى يمكن أن يحكم سوريا لو قدر للثورة الراهنة على نظام الأسد أن تنجح. وكان تقديرى أن الرسالة التى أريد توصيلها من وراء ذلك تعلن على الملأ أنه إذا كانت للنظام السورى سوءاته، فإن الطرف الذى يرشح نفسه بديلا له أسوأ وأضل سبيلا.

كان ما قلته مجرد استنتاج لا دليل عندى عليه. إلا أننى وجدت فى التقرير الذى نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية يوم الجمعة الماضى (12/12) قرينة تؤيد ما ذهبت إليه. ذلك أن التقرير الذى كتبه مارتن جولوف أحد الخبراء المعنين بالشرق الأوسط، اعتمد على معلومات من مصدر فى داخل قيادة داعش، كانت تربطه به علاقة وثيقة منذ وقت مبكر. مما ذكره الكاتب نقلا عن مصدره العراقى أن المخابرات السورية لم تكن بعيدة عن أنشطة داعش. وأن الذى توسط فى العلاقة بين الطرفين كان الضباط البعثيون فى جيش صدام حسين الذين تعرفوا عليهم وتفاعلوا معهم حين جمعتهم الزمالة أثناء الاعتقال فى سجن «بوكا» جنوبى العراق. وهؤلاء الضباط هم الذين رتبوا للجماعة لقاءاتهم مع أقرانهم من الضباط البعثيين فى سوريا.

تحدث القيادى فى داعش الذى انتحل له اسم أبو أحمد عن اجتماعين سريين عقدا فى منطقة الزبدانى قرب دمشق فى ربيع عام 2009، حضره قادة بعثيون عراقيون سابقون لجأوا إلى سوريا وممثلون عن المخابرات السورية، إلى جانب شخصيات مهمة من عناصر القاعدة فى العراق (التى تطورت بعد ذلك وأصبحت تحمل اسم داعش). وكان هذان الاجتماعان من بين حلقات التعاون بين المخابرات السورية وبين التنظيم داخل العراق، الذى كان ينشط ضد الاحتلال وضد حكومة نورى المالكى، لكنه أدى إلى جانب ذلك، وبمضى الوقت إلى ممارسة ضغط قوى على حكومة المالكى. والأهم من ذلك أنه أسهم فى تضخيم صورة تنظيم القاعدة وتوسيع نطاق عملياتها، ومن ثم صرف الانتباه عن حكومة بشار الأسد فى سوريا. وهو مسلسل تتابعت حلقاته على النحو الذى نعرف، وانتهى بنجاح مخطط أبالسة النظام البعثى فى سوريا، الذين استطاعوا الإبقاء عليه. ولم يبالوا بالكوارث والخرائب التى حلت بالمنطقة جراء ذلك.

انشر عبر