شريط الأخبار

نتنياهو الممثل .. خشبة المسرح انهارت ..!..بقلم: أكرم عطا الله

09:44 - 07 تموز / ديسمبر 2014

لى وقع التفجيرات وزعزعة الأمن دخل نتنياهو قبل ثمانية عشر عاما رئاسة الحكومة كأصغر رئيس وزراء في تاريخ إسرائيل بدا كأنه المنقذ .. المخلص .. غنوا له "ملك إسرائيل" كان قد تجاوز منتصف الأربعينات بقليل شابا مندفعا مفعما بالحيوية والقوة، كان هذا عام 1996 والآن بعد ثمانية عشر عاما يقول عنه أحد كبار كتاب الأعمدة في إسرائيل ناحوم برنياع أن نتنياهو "دخل فيما يشبه الاكتئاب".
بدا وحيدا ومعزولا في أيامه الأخيرة، لم يكن أمامه سوى فك حكومته بعد أن فقد ثقته في الجميع، كان يشك بكل من حوله يعتقد أن كلهم تآمروا عليه، يتهم شركاءه بالانقلاب، لديه شكوك بأنهم يجرون اتصالات من خلف ظهره لإقامة حكومة بديلة، حين سقط بالانتخابات عام 99 وألقى خطاب التنحي كان يخطب بعصبية قائلا "خونة ..خونة ..خونة " كان يقصد الصحافيين والكتاب الإسرائيليين متهما إياهم بالتآمر وإسقاطه.
أكثر رؤساء حكومات إسرائيل قدرة على التعامل مع وسائل الإعلام لكن على مستوى الإدارة الأمر مختلف فقد وصف بأنه رجل اللاعمل واللاحسم ويتهرب من اتخاذ قرارات سواء في السلم أو في الحرب، وأكثر من مرة اتهموه بالجبان وقد كانت حرب 2014 هي الوحيدة التي قرر فيها المحاربة خلال الولايات الثلاث التي قاد فيها إسرائيل ويبدو أنه كان على حق، فبعد هذه الحرب ألصق به لقب "الجبان" وهو أحد أسباب ضعفه بالإضافة للأسباب الأخرى.
بدا ضعيفا أكثر مما اعتقد الإسرائيليون، فقد حاول أن يخفي ضعفه لسنوات، شاكس وقاتل للعودة بعد انتكاسته أواخر التسعينات، عاد لمنافسة شارون على قيادة الحزب، فشل وبقي حتى غادر شارون الحزب فكانت فرصته، ومع ضغوط منافسيه عاد مرة أخرى تجنب اتخاذ قرارات مصيرية، حاول أن يكون الأكثر ذكاء، أراد أن يكسب الجميع، سار في منتصف كل الطرق، سار مع التسوية وتوقف، سار مع الحرب وتوقف، كما قال عنه شمعون بيرس يريد أن يمشي بين حبات المطر دون أن يبتل ولكنه خسر الجميع، غضب منه أصحاب التسوية فخسر الولايات المتحدة والوسط واليسار، وغصب منه المستوطنون والمتطرفون ودعاة الحرب فاتهموه بعدم الشجاعة وعدم إنجاز المهمة، أراد أن يمثل كل الأدوار كممثل بارع لكنه فشل وانهارت خشبة المسرح.
قالت ليفني التي التقته في مكتب الرئيس الإسرائيلي يوم الثلاثاء ظهراً وقد جلسا جنباً إلى جنب خمسة وأربعين دقيقة، وبعد أن استقل كل منهما سيارته بثلاث دقائق فقط .. هاتفها ليبلغها قراره بإقالتها فقالت له ساخرة "أنت جبان لأنك لم تستطع النظر في عيني وإقالتي" وقد كتب باروخ ليتسم في "يديعوت" على لسان ليفني حيث قالت "إنه مشكلة كبيرة، رئيس وزراء يخاف من وزرائه" لكن يوسي فيرتر يكتب في هآرتس بما يشبه الاكتشاف "طوال الوقت قاموا بلي ذراعه ونحن ببساطة اعتقدنا أنه قوي قوي قوي .. وتبين لنا أن رئيس حكومتنا مهان ومضروب".
في الأسابيع الأخيرة كان يشكو من شتائم الوزراء ولسوء حظه فإن كل شركائه في الحكومة كانوا قد أصبحوا خصومه في لحظات معينة، بينيت رئيس حزب البيت اليهودي توقف عن مهاجمته بعد أن هدده بالإقالة وبعد تقديم اعتذار، أما ليبرمان الشريك اللدود فقد فرط عقد التحالف معه، وليفني المرأة الأكثر إزعاجاً أما لبيد الصحافي الماكر فقد كان بارد الأعصاب حين كان نتنياهو يتصبب عرقاً أثناء المفاوضات بينهما، وحين هاجمه نتنياهو رد لبيد "انه منفصل عن الواقع".
هكذا عملت حكومة نتنياهو في أشهرها الأخيرة، حكومة تعارضات لم تتوقف الحروب بينها ولا هدأت الصراعات، وفي كل جولة من جولاتها يخرج نتنياهو جريحا من أصغر المعارك ضعيفا لينكشف أكثر، فقد كانت خساراته بما يكفي لأن يعجل نفسه بحل الحكومة لأنها لو استمرت لعام آخر كان سيفقد ما تبقى من بريقه، ولن يضمن له مقعدا في الحياة السياسية، فسارع لحلها لأن الاستطلاعات الحالية على الأقل تضعه في الصدارة.
تلقى نتنياهو ما يكفي من الكدمات على وجهه السياسي فسقط لأنه بدأ يفقد السيطرة على كل شيء يتلقى الشتائم من الجميع .. اشتكى قبل أسبوع من أن وزراء في الحكومة يشتمون رئيس الوزراء علناً، ظهر على درجة من الضعف المثير للسخرية، وقف في وجه انتخاب رؤبين ريفلين لرئاسة الحكومة، حاول تغيير القانون كي ينتصر لكنه فشل وأصبح عدوه الحزبي رئيسه، أراد تعيين يائير غولان لرئاسة الأركان بدلاً من غادي إيزنكوت لكنه لم يستطع، بدا كأنه خسر كل معاركه.
حكومة التناقضات تلك أصيبت بالشلل واكتشفت خساراتها الهائلة في النصف الأول للولاية، وكان لا بد وأن تعجز عن الاستمرار فقد اتهمت بالإخفاق من قبل اليمين في العدوان على غزة، كان ذلك مدعاة للهجوم على رئيسها، وقد أضافت الحرب عبئا اقتصاديا على اقتصاد قد بدأ يعاني من الركود قبلها بسبب تكاليفها بعد أن امتدت لواحد وخمسين يوماً أو في تعطيل السياحة، ففي النصف الأول من عمر الحكومة دخلت إسرائيل في أزمة اقتصادية وازدادت نسبة البطالة، والنمو الاقتصادي لم يرتفع، وكانت الأزمة الأكبر في خفض مستوى تصنيف الائتمان للدولة.
وفي منتصف الولاية تعرضت إسرائيل للتسونامي السياسي الذي كان إيهود باراك قد حذر منه ذات مرة، فعلاقات إسرائيل الدبلوماسية في أزمة تبدو كدولة معزولة، وأوروبا تصوت تباعاً على الاعتراف بدولة فلسطينية وإسرائيل تنحسر ونتنياهو يتهم شركاءه والعلاقات مع الإدارة الأميركية في أسوأ حالاتها منذ إقامة إسرائيل، هذا كان مدعاة للأزمة مع ليفني ولابيد وانفراط العقد.
بدا نتنياهو عاجزاً عن الحركة والثبات، إذا ما سار نحو السلام سيخسر جزءاً من ائتلافه واليمين داخل حزبه، وإذا ما سار نحو الحرب سيخسر، وإذا ما تسمر في مكانه سيخسر وينكشف كرجل يخاف من اتخاذ القرار ليتضح ضعفه أكثر، لا زالت الاستطلاعات في بداياتها، ويبدو أن الحركة السياسية في الأسابيع القادمة ستحمل مفاجآت، ولا شيء مضمونا لنتنياهو كما أراد إذا ما تحالف خصومه خاف من الحسم، لكن يبدو أن خصومه سيحسمون أمره، ولكن يجب القول أن الوضع السياسي الفلسطيني حقق إنجازات في عهد نتنياهو، هذا ما يجعل الفلسطينيين يتمنون إعادة انتخابه أفضل من رئيس وزراء يستطيع خداع العالم ضدهم كما كان مرة ومرات.

انشر عبر