شريط الأخبار

هل تقف فلسطين على عتبات انتفاضة ثالثة؟

02:32 - 29 تموز / نوفمبر 2014

إزاء حالة الانسداد السياسي وتفاقم الممارسات الاحتلالية الاستيطانية في المناطق الفلسطينية المحتلة وتزايد أعمال الاحتجاج والمقاومة، تتفاوت الآراء حول احتمال نشوب انتفاضةٍ جديدةٍ في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويلاحظ ازدياد أعمال المقاومة الشعبية ذات الطابع الفردي غير المرتبطة بفصائل وأحزاب؛ إذ تتضافر مجموعة من العوامل التي تؤجّج المواجهة مع الاحتلال بسمات وأدوات جديدة. ونحاول في هذه الورقة أن نستجلي الأسباب والدوافع والخصائص المميِّزة لهذا الفعل المقاوم والسناريوهات المستقبلية المحتملة لتطوره.

أولًا: الأسباب والدوافع

1. انهيار المسار التفاوضي

بعد رفض إسرائيل الإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين البالغ عددهم 30 أسيرًا واستمرار الاستيطان الإسرائيلي وتكثيفه في الضفة الغربية، وصلت المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، والتي جرت بمبادرةٍ من وزير الخارجية الأميركي جون كيري للتوصل إلى "اتفاق إطار"، إلى حائطٍ مسدودٍ. وقد أثّر هذا الأمر في المستويين الرسمي والشعبي؛ فقد شرعت السلطة الفلسطينية في اتخاذ إجراءات تفعيل عضوية دولة فلسطين في المؤسسات الدولية، ومن بينها إعلان الانضمام إلى خمس عشرة اتفاقية ومعاهدة دولية[1]، كما قامت بإتمام المصالحة مع حركة حماس[2]. أما على المستوى الشعبي فقد قام عدد من الشبان الفلسطينيين باختطاف ثلاثة مستوطنين قرب مدينة الخليل في 12 حزيران/ يونيو 2014. وبعد العثور على جثث هؤلاء المستوطنين نهاية الشهر نفسه، شنّت إسرائيل حربًا جديدة على قطاع غزة، محمّلة حركة حماس المسؤولية عن هذه العملية. كما أقدم عدد من المستوطنين المنتمين لما يعرف بعصابات "جباية الثمن" في 2 تموز/ يوليو 2014 بإعدام الفتى الفلسطيني محمد أبو خضير (17 عامًا) في شعفاط شمالي القدس؛ إذ أحرقه المستوطنون حيًا. وقد أدت هذه الجريمة إلى اشتعال الاحتجاجات في مدينة القدس وأحيائها التي لا زالت تشهد مواجهات مستمرة حتى الآن وتشكل مركز الأحداث.

2. الحرب الإسرائيلية على غزة في صيف 2014

شنت إسرائيل في 7 تموز/ يوليو 2014 حربًا على قطاع غزة استمرت 51 يومًا، وأدت إلى استشهاد أكثر من ألفي فلسطيني، وجرح نحو أحد عشر ألفًا آخرين، إضافة إلى تدمير آلاف المنازل والمرافق الحيوية. وفي ظل الصمود الكبير لفصائل المقاومة الفلسطينية في غزة أثناء الحرب غير المتكافئة، تابع الفلسطينيون في الضفة الغربية يوميات هذه الحرب بحنقٍ شديدٍ، وجاءت ردّات فعلهم على شكل تنظيم حراكات جماهيرية ومسيرات داخل المدن الفلسطينية وعلى خطوط التماس مع قوات الاحتلال الإسرائيلي (مداخل المستعمرات والمعسكرات، والطرق الالتفافية المخصصة للمستعمرين، والحواجز العسكرية... إلخ). وقد بادرت مجموعات شبابية بالقيام بهذه النشاطات من دون الرجوع إلى قرارات حزبية مركزية تتعلق بتنظيمها. وكان يتخلل هذه المواجهات رشق الحجارة، وإلقاء الزجاجات الحارقة، كما حصل في الاحتجاجات المتكررة قرب معسكر "عوفر" بالقرب من مدينة رام الله و"مسيرة الـ 48 ألف"[3] قرب حاجز قلنديا على مداخل مدينة القدس، والتي اعتبرت الأكبر حجمًا خلال الحرب. وقد عزّز من زخم هذه المسيرة الاحتجاجية غياب أجهزة الأمن الفلسطينية التي طالما كانت تمنع مثل هذه الاحتجاجات باعتبار أن المنطقة تقع ضمن نطاق السيطرة الإسرائيلية المباشرة ويُمنع وجود قوات السلطة الفلسطينية فيها. كما نظّمت هذه المجموعات الشبابية، بالإضافة إلى بعض مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني، حملات مقاطعة للبضائع الإسرائيلية وقامت بجمع تبرعات عينية ومادية للقطاع[4].

3. اعتداءات المستوطنين المتكررة وسياسات تهويد مدينة القدس

كثفت حكومة نتنياهو نشاطاتها الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية في القدس والضفة الغربية، وكانت هذه أحد أسباب تعثّر مسار المفاوضات مع الجانب الفلسطيني؛ إذ شهد العام الجاري وحده، بحسب دائرة المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية، مخططات لإقامة أكثر من 14 ألف وحدة استيطانية في الضفة الغربية، ويقع نحو نصفها في القدس الشرقية[5].

وعملت حكومة بنيامين نتنياهو أيضًا على تنظيم اقتحامات المستوطنين المتطرفين والجنود والحاخامات اليهود شبه الأسبوعية للمسجد الأقصى وتمويلها وتشجيعها، والتي بلغت ذروتها خلال الأشهر الثلاثة الماضية؛ إذ سهّلت لجنة الداخلية التابعة "للكنيست" هذه الاقتحامات، بمساعدة شرطة الاحتلال وجيشه. وضمّت هذه الاقتحامات شخصيات متطرفة بارزة مثل وزير الأمن الداخلي إسحاق أهرنوفتش، ووزير الإسكان أوري أريئيل، ونائب رئيس "الكنيست" الإسرائيلي موشيه فيجلن. كما صعّدت الحكومة الإسرائيلية من هجماتها الاستفزازية لمشاعر الفلسطينيين بطرح اللجنة الداخلية البرلمانية الإسرائيلية مشروع قرارٍ يُتيح تقاسم المسجد الأقصى، زمانيًا ومكانيًا، بين اليهود والعرب ومحاولة فرضه كأمرٍ واقعٍ من خلال الاقتحامات المتكررة[6].

ثانيًا: السمات المميِّزة للعمليات الأخيرة

نتيجة لهذه السياسات الإسرائيلية والاعتداءات المتكرّرة وحملات الاعتقال، ظهرت مدينة القدس بوصفها مركزًا للعمليات النوعية التي نفّذها فلسطينيون بقرارات فردية شملت عمليات دهس، وطعن بالسلاح الأبيض، وإطلاق نارٍ على عددٍ من المستوطنين وجنود الاحتلال الإسرائيلي. ولا تعدّ هذه العمليات أساليب جديدة، ولكن ما يميّزها التالي:

طغيان الجانب الفردي (اشتراك شخصين كحدٍ أقصى) على العمليات تخطيطًا وتنفيذًا، وبعيدًا عن العمل الحزبي المنظّم. وعلى الرغم من مسارعة بعض الفصائل للإعلان عن مسؤوليتها عن بعض هذه العمليات، فإنه كان من الواضح أنها تجري بمبادرة فردية ومن دون معرفة الأطر القيادية؛ ما يؤكد ضعف الفصائل والأحزاب بسبب حالة الانقسام السياسي، وحالة الانفصال عن الواقع التي تعانيها، وغيابها عن ساحة الفعل الجماهيري في ظل الأحداث الأخيرة.

تمركزت هذه العمليات في العمق الإسرائيلي انطلاقًا من مكان تنفيذ العملية وهوية المنفذ (القدس، والأراضي المحتلة عام 1948[7]) نتيجة لوجود احتكاكٍ مباشرٍ مع المستوطنين وقوات الاحتلال؛ وهو الأمر الذي تفتقده مدن الضفة الغربية سوى على أطراف المدن الخارجية، فضلًا عن خضوعها للقبضة الأمنية للسلطة الفلسطينية، والتنسيق الأمني عالي المستوى الذي يمنع أي احتكاكٍ قد يحصل وفقًا للاتفاقات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي. لقد وقعت العمليات الأخيرة في مناطق خارجة عن سيطرة السلطة الفلسطينية.

يصعب السيطرة على هذه العمليات والتنبؤ بحدوثها وفقًا لمعلومات استخباراتية أو إجهاضها عبر اعتقال المخططين، كما جرت العادة في عمليات المقاومة التقليدية.

السناريوهات المستقبلية

على الرغم من صعوبة التنبؤ بمستقبل عمليات المقاومة الفردية والنتائج التي يمكن أن تحققها في ظل غياب البعد التنظيمي الضامن لاستمراريتها، تقف المقاومة الشعبية الفلسطينية أمام احتمال أن تتطور هذه الأساليب الفردية حتى إن بقيت محدودة جغرافيًا لتشكل نهجًا جديدًا في العمل المقاوم، وبخاصة في الأماكن غير الخاضعة أمنيًا لسيطرة السلطة الفلسطينية. ويصعب التكهن بذلك بسبب طبيعة هذه العمليات، ولكن الأهم هو أنها تمثّل إشارات قوية جدًا لحالة تململٍ وغليانٍ تحت السطح في المجتمع الفلسطيني.

إنّ الظروف التي يعيشها الشعب الفلسطيني في ظل تمادي الاحتلال في الاستيطان وتجاهل الدول العربية والعالم لسياسة الاحتلال هذه، فضلًا عن انسداد آفاق التسوية والمناورة السياسية نتيجة مواقف حكومة نتنياهو الواضحة في رفضها للحل السياسي، تعدّ ظروفًا مشابهةً لما ساد عشية الانتفاضات السابقة.

ولكن المتغير الرئيس الذي يصنع الفرق حاليًا مقارنة بظروف الانتفاضات السابقة هو سلوك السلطة الفلسطينية وتغيرّ العقيدة السياسية لأجهزتها الأمنية؛ مما يرشح أن تتحول أي انتفاضة فلسطينية إلى مواجهة فلسطينية - فلسطينية. وقد يتضاءل هذا الفرق مقابل حجم الغضب تجاه ممارسات الاحتلال إذا لم تجد السلطة الفلسطينية وقيادتا حركتي فتح وحماس ما تقدماه كبديلٍ نضالي للشارع الفلسطيني في هذه الظروف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1] وقَّع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس خمس عشرة اتفاقية دولية، مستفيدًا من وضعية "الدولة غير العضو" التي تحظى بها فلسطين في الأمم المتحدة. وقد أقدم على هذه الخطوة في محاولة منه للضغط على الجانب الإسرائيلي من أجل الإفراج عن الأسرى وليكون لديه مبرر لقبول الاستمرار في المفاوضات. وما يعزّز هذه الشكوك أنّه تجنَّب توقيع طلب الانضمام إلى الجهة الأكثر أهميةً، وهي محكمة الجنايات الدولية التي من شأنها أن تعرِّض مسؤولين إسرائيليين إلى الملاحقة القضائية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية. انظر: "المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية: قصة فشل حتميّ"، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 12 نيسان/ أبريل 2014، في: //www.dohainstitute.org/release/07f1e125-c7e8-4b1f-8e3d-53573c00424f

وكانت السلطة الفلسطينية قد لوحت مرارًا بإمكانية الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية، لكنها لم تقم بهذه الخطوة حتى في أكثر الأوقات حاجةً لها مثل الحرب الأخيرة على غزة في صيف 2014، وبررت ذلك بعدم وجود توافقٍ وطني تارة، ووجود ضغوط خارجية تمارس عليها متمثلة بالإدارة الأميركية تارة أخرى.

[2] أعلنت حركتا فتح وحماس في 23 نيسان/ أبريل 2014 عن إنهاء حالة الانقسام السياسي الفلسطيني، والبدء بإجراءات تشكيل حكومة وحدة وطنية، ثم الإعلان عن تشكيل حكومة الوفاق الفلسطينية في الثاني من حزيران/ يونيو 2014، وهي الحكومة السابعة عشرة للسلطة الفلسطينية. وتكمن أهمية هذه الحكومة في أنها تنهي سبع سنوات من الانقسام داخل النظام السياسي الفلسطيني، وتمهد لانتخابات جديدة للسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني الفلسطيني. ولكن ثمة تحديات كثيرة لا تزال تواجه هذه المصالحة، ليس أقلها التطبيق الفعلي لاتفاق المصالحة على الأرض. للمزيد انظر: "المصالحة الفلسطينية: دوافعها وآفاقها"، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 28 نيسان/ أبريل 2014، في:

//www.dohainstitute.org/release/592ecf3b-a636-4d4d-8812-c4c976c9c1d5

[3] "شهيدان وقرابة 200 جريح في مسيرة الـ 48 ألف قرب قلنديا بنيران الاحتلال"، موقع عرب 48، 25/7/2014، انظر: //www.arabs48.com/?mod=articles&ID=111586

[4] حول النتائج التي حققتها حملة المقاطعة بمبادرة من ناشطين فلسطينيين انظر: "حملة المقاطعة تكدس آلاف الأطنان من المنتجات الإسرائيلية في المستودعات"، موقع قدس، 24/8/2014، في:

 //www.qudsn.ps/article/47076

وانظر أيضًا: "حملات مقاطعة منتجات الاحتلال تؤتي ثمارها وتجبر شركات عالمية للاعتذار"، موقع قدس، 11/8/2014، في: //www.qudsn.ps/article/46434

[5] "منذ بداية العام.. أكثر من 14 ألف وحدة استيطانية بالقدس والضفة"، موقع رصد، 21/11/2014، انظر: //rassd.com/22-121935.htm

 [6] يسمح القانون عند صدوره بصلاة اليهود في الأقصى عبر مقترح مساواة الحق في العبادة لليهود والمسلمين في المسجد الأقصى، وتخصيص مكان ومواعيد محددة لصلواتهم وأداء شعائرهم وطقوسهم التلمودية. كما يحظر المشروع تنظيم المظاهرات والاحتجاجات المضادّة تحت طائلة العقوبة، في إشارة إلى الفلسطينيين. انظر: "مشروع قانون إسرائيلي يتيح تقسيم المسجد الأقصى"، جريدة القدس، 20/10/2014، في: //www.alquds.com/news/article/view/id/529174

[7] شهدت الأحداث الأخيرة حضورًا مميزًا لفلسطينيي الداخل (الأراضي المحتلة عام 1948)، وتمثل في نصرة غزة والتضامن معها. فقد شهدت المدن والبلدات الفلسطينية عددًا من التظاهرات المندِّدة بالعدوان، كما نقل عدد من القيادات العربية المعركة إلى داخل أروقة "الكنيست" الإسرائيلي نفسه، فاتهموا إسرائيل بارتكاب جرائم حرب في غزة، ودافعوا عن حق الشعب الفلسطيني في المقاومة، كما كان لهم حضور مميز في مواجهة اعتداءات المستوطنين في القدس والاعتداءات على المسجد الأقصى. فقد شكلت السياسات الإسرائيلية العنصرية مخزونًا أساسيًا لحالة الاحتقان التي يعانيها الفلسطينيون في الداخل، كما تراكمت خبراتهم الذاتية في مواجهة هذه السياسات الهادفة إلى تطويعهم وإلغائهم عبر فرض سياسة التجنيد الإجباري والخدمة المدنية والإقرار بيهودية الدولة... إلخ.

انشر عبر