شريط الأخبار

هل نهاية إسرائيل كنهاية الصليبين؟ ..د. عبد الحي زلوم

02:29 - 29 تشرين أول / نوفمبر 2014

في رحلة من عمان إلى نيودلهي، جلس على مقربة مني رجل أشيب ربما في نهاية الستينات من عمره، وبعد تجاذب الحديث اخبرني أنه كان السفير “الإسرائيلي” في عمّان بين 1997 -2000. قلت له بعفوية أنه ربما أيضاً من الموساد، فقال: أبداً، عملت في وزارة الخارجية أكثر من 40 سنة والآن تقاعدت. فسألته ماذا تعمل الآن فقال: في مركز الدراسات الاستراتجية في تل أبيب. فقلت مازحاً: أنت إذن أكيد من الموساد. ولكي نعرف عن نوعية الكفاءات التي ترسل إلى عواصمنا فالرجل حصل على درجة الدكتوراة من إحدى الجامعات العريقة في بريطانيا واستلم منصب سفير بلاده في الاتحاد الأوروبي ولدى الناتو. كما انه كان مساعداً لوكيل الوزارة الخارجية، وهو أيضاً مستشار لجنة الخارجية في الكنيست.

سألني: ماذا أعمل؟ أجبته: بأني لأكثر من خمسين سنة أعمل في قطاع البترول وأني بدأت بالكتابة منذ عشرين سنة وان لي 9 كتب بالعربية و5 بالانجليزية نشرت في الولايات المتحدة ويمكنه الحصول عليها على amazon.com. فسألني: هل تعلم أن لديكم بترول في الأردن فقلتُ له: طبعاً. فالصخر الزيتي يحتوي على 50 مليار برميل بترول أي ضعف احتياط قطر من البترول مما يكفي الأردن أكثر من 100 سنة من حاجتها للاستهلاك المحلي وأني منذ 1980 أدعو للاهتمام بهذا المصدر وإلا فإن فاتورة الطاقة في الأردن تصبح لا تطاق وهذا ما حصل. وأخيراً هناك مشروع لتوليد الطاقة الكهربائية من الصخر الزيتي بطاقة تزيد عن 500 ميغاوات. قلت له: أني لم اقل هذه الحقائق إلا لأني متأكد انك تعلمها جيداً. وقال: هل تعلم أن لدينا نحن أيضاً مخزون كبير من الصخر الزيتي؟ قلت: نعم وأعلم عن الأبحاث التي يقوم بها الدكتور هارولد فاينغار (Vinegar) والذي هاجر بعد تقاعده من شركة شل من الولايات المتحدة إلى فلسطين قبل سنوات قليلة وأنه يدعي بأنه بحلول سنة 2020 سيتم إنتاج ما يزيد عن استهلاكهم المحلي من البترول من الصخر الزيتي مستعملين طريقة شل للإنتاج وأنه كان مختصا بالاستخراج الغير تقليدي كالصخر الزيتي والزيت الرملي، وكان أحد اثنين من كبار الباحثين في هذا المجال في شركة شل. قال لي عندئذٍ: إني أعرف الدكتور فاينغار.

سألني ما رأيي في موضوع النزاع بين “إسرائيل وفلسطين والعالم العربي”. أجبته بأني أعتقد أن مصير “إسرائيل” عاجلاً أم آجلاً هي تماماً كمصير الصليبين الذين مكثوا في البلاد حوالي مئتي سنة وتمّ هزيمتهم بعد ذلك. وما زال لدينا الوقت الطويل.  لم يعجب قولي هذا صاحبنا حتى انه حين تصادفنا برحلة العودة من نيودلهي إلى عمان لم يتكلم أحدنا مع الآخر شيئاً.

أثار انتباهي مؤخراً مقال بالانجليزية للكاتب الإسرائيلي أوري افنيري وعضو الكنيست السابق) وعمره 90 عاماً وعنوانه ”الصليبيون والصهاينة”. وهذا الكاتب هو داعية للسلام وفي أي مقياس فهو أفضل مئة مرّة من الكتاب الصهاينة المسلمين وما أكثرهم هذه الأيام!

يقول أوري أفنيري: “خلال حرب 1948 كانت وحدة الكوماندوز التي كنت احد أفرادها تحارب في جبهة الجنوب. وعند انتهاء الحرب بقي شريط ضيق على شاطئ البحر المتوسط بأيدي المصريين أسميناه قطاع غزة وبنينا حوله التحصينات “بقول أوري أفنيري أنه بعد ذلك بسنوات قرأ كتاباً للكاتب الانجليزي ستيفين رونسيمان  Steven Runciman عنوانه “تاريخ الحروب الصليبية” ومما شد انتباه اوري افنيريأنه بعد الحرب الصليبية الأولى بقي شريط حدودي على شاطئ البحر المتوسط بقي مع المصريين. وتفاجأ اوري افنيري بأن التحصينات التي بناها الإسرائيليون كانت متطابقة تماماً مع التحصينات التي بناها الصليبيون وبقي قطع غزة أيام الصليبين مع المصريين كما بقي مع المصريين في حرب 1948!! فما كان من افنيري إلا أن كتب رسالة إلى المؤلف الانجليزي يسأله عن هذا التصادف وان كان الكاتب الانجليزي قد طرأ بباله المقارنة بين الصليبيّن وإسرائيل؟ أجابه المؤلف رونسيمان بأنه فعلاً فكر في ذلك واتفق اوري افنيري مع المؤلف باللقاء في بريطانيا.

عند زيارة اوري افنيري الى رونسيمان في بريطانيا، عملا مقارنة بأن ثيودور هيرزل يماثل دور البابا اربان (Urban) أيام الصليبين، وأنه غودفري الصليبي هو بن غوريون، وأن موشي ديان هو رينولد الصليبي، واعتبر المؤلف أن أوري افنيري بصفته داعياً للسلام هو مثل ريموند حاكم طرابلس الصليبي: كذلك جاءت الحركتين الصليبية والصهيونية من الغرب، وكان خلفها البحر وأوروبا وأمامها العرب والمسلمين في الحالتين.

ما أثار ذكريات اوري افنيري ان”الجهاديين” هذه الأيام يقرنون الحروب الصليبية والصهيونية في أكثر أحاديثهم وهو أمر له دلالاته الخطيرة فإذا لم ينسى هؤلاء الحروب الصليبية بعد أكثر من ستة  قرون من انتهائها فكيف يمكن أن يتسامحوا معنا؟ يرى أن على إسرائيل أن تتعلم من دروس الحروب الصليبية. كتب افنيري: علينا أن نعرف من نحن. هل نحن أوروبيون نجابه منطقة معادية. ام نحن جدار ضد “البربرية الآسيوية” كما قال هيرتزل؟ أم نحن قصر في غابة كما قال إيهود باراك؟ باختصار علينا أن نقرر هل نحن منتمون إلى هذه المنطقة أم أننا أوروبيون جاءوا إلى القارة نتيجة خطاً ما؟

بعد 200 عام من التواجد في فلسطين تم بعدها قذف آخرهم في البحر من ميناء عكا. مسيحيو بلاد الشام حاربوا مع صلاح الدين. متذكراً نهاية الصليبين كان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحق شامير يقول: ”البحر مازال هو نفس البحر والعرب ما زالوا نفس العرب”.

المشكلة أن البحر ما زال فعلاً هو نفس البحر ولكن العرب اليوم هم ليسو نفس العرب حينئذٍ. ما أطال أمد الصليبين في منطقة الهلال الخصيب كان فرقة الأمراء المسلمين بل وتحالف بعضهم مع الصليبين ضد أمراء مسلمين آخرين، إلى أن جاء صلاح الدين وخلص الناس من مثل هؤلاء الأمراء ثم قام بتوحيد مصر مع بلاد الشام فكانت بداية نهاية الصليبين. هل نحن بانتظار صلاح الدين الجديد؟

انشر عبر