شريط الأخبار

في جبل المكبر يتحدثون عن الفقر لا عن البطولة -هآرتس

01:49 - 28 تشرين أول / نوفمبر 2014

ترجمة خاصة - فلسطين اليوم

في جبل المكبر يتحدثون عن الفقر لا عن البطولة -هآرتس

بقلم: عميرة هاس

(المضمون: والد غسان ابو جمل يقول: "نحن نعمل مع اليهود ومن أجلهم"، "انا اعترف بالجميل للعلاجات التي تلقيتها في شعاريه تصيدق. نحن نعرف يهودا ذوي رحمة (وحتى "الرحمة" يقولها بالعبرية). ولكن الدولة؟ أريني معاملة احترام انسانية، كي نتمكن من العيش. لم نأتِ من كوكب آخر".- المصدر).

المطر الذي هطل أول أمس بغزارة، عبر الشادر وتجمع على ارضية خيمة العزاء في جبل المكبر لم يهرب نزلاءها. فقد تجمعوا فقط بعدة مجموعات في الاجزاء الاكثر جفافا وتحدثوا حول الكانون الذي دان يغلي عليه قمقم الشاي. بعد ثمانية ايام من قتل ابني الحي غسان وعدي ابو جمل أربعة مصلين وشرطي في الكنيس في هار نوف فقتلا في تبادل لاطلاق النار مع الشرطة – لا تزال خيمة العزاء على حالها. "هذا ليس موضوعا وطنيا أو عشائرا بل ديني"، قال د. محمد عليان، من جامعة القدس، ابن جبل المكبر، "هكذا يقول ديننا طالما لم يدفن الميت، يجب البقاء مع العائلة في بيت الميت. بعثنا للسلطات برسالة رسمية بانه طالما لم يسلم الجثماني للعائلة للدفن في مقبرة السواحرة فان الخيمة لن تفكك".

وطالما وجدت الخيمة فانها ايضا مركزا للرجال الشباب والكبار من الحي ومن الاحياء الفلسطينية الاخرى. د. عليان لا يفهم المنطق الامني في عدم تسليم الجثمانين. الخيمة، وفيها اناس يتراكم غضبهم، يمكنها  ببساطة أن تصبح ايضا مكان احتكاك مع الشرطة. والاجواء هذه الايام في الخيمة – وفي غرفة صغيرة مجاورة لمحطة السيارات العمومية، حيث يجد الرجال الكبار في السن من عائلة ابو جمل مأوى من المطر ومن الجلبة – تختلف عن الاجواء التي نقلتها وسائل الاعلام في الايام الاولى. فالاحاديث عن الابطال، عن التأييد وعن العزة للقتلة الذين قتلوا ليست ملموسة. "احد لم يقرأ ما لهما في الرأس. لو عرفت ان ابني غسان سيذهب ليعمل ما عمله، لكنت حبسته وراء باب من حديد ومنعه من الخروج والتنفيذ"، قال لي أمس محمد ابو جمل، ابن 70.

أبو جمل الاب جلس منحنيا على سرير حديدي في الغرفة الصغيرة، مع بضعة افراد آخرين من العائلة من كبار السن ومن الاصدقاء. وعندما تحدث رفع رأسه والقى بنظرة. "في حياتي لم أتصور ان يخرج من عائلتنا في يوم من الايام احد يفعل مثل هذا الامر. اخي الشاب، ابو عدي، جن مما حصل. حفيدي وليد، ابن 4 يسأل أين ابي وأنا أفقد الوعي. لا أعرف ما أجيبه. كلنا نعيش في توتر لاننا لا نعرف اذا ما ومتى سيفجرون داره، التي ضمن منزل العائلة كلها. بعض من الاحفاء ينامون في بيوت الجيران من شدة الخوف. أنا لا اعرف ماذا سيحصل لهم الان، بعد أن الغي تصريح اقامة أمهم، ناديا".

سألته اي الاقوال اصدق – اقوال الايام الاولى أم اقوال اليوم؟ هذا ليس سؤال يجاب عليه بكلمات مباشرة. في اليوم الاول للعملية تنافست المنظمات الفلسطينية الواحدة مع الاخرى على اطلاق الثناء للابنين اللذين ذهبا للتضحية بحياتهما كي يقاوما الاحتلال. المدح والفيسبوك هما ما يقرران الموقف الصحيح الذي كل من يخرج عنه يتعرض للهجوم اللفظي او يخاف لان يتعرض للهجوم بصفته رجل ابو مازن، كغير وطني أو حتى كخائن.

في اليوم الاول، عندما كان لا يزال الجميع في صدمة، والكل يعمل حسب قواعد الطقوس غير المكتوبة. شائعات تتحقق وتصبح تقريرا، الشرطة تعتقل ابناء العائلة، منظمة ما تتبنى رسميا أو شبه رسميا العملية، جماهير تأتي للمواساة وعشرات الكاميرات والميكروفونات تنتظر الاقتباس والصورة التي تصدر عناوين رئيسة. وعندها حتى من يعارض أو يتحفظ يجب أن يرى بان في النهاية اثنان قتلا، والان عائلاتاهما تتعرضان لحملة عقاب جماعي. ومن الواجب الوقوف الى جانبهم. بعض من كبار السن في العائلة وفي الحي ممن جلسوا في الخيمة قالوا لي انهم لا يقبلون مثل هذا النوع من مقاومة للاحتلال، مع كل التفهم للدوافع "التي توفرها اسرائيل".

"تقديري كأب، بان ما دفع غسان قبل كل شيء هو اليأس الذي وصل اليه بسبب الوضع الاقتصادي"، قال ابو جمل، "هم يسكنون فوقنا. وهو كان ينزل الي كي يأخذ الطعام لاولاده. غسان عمل 4 – 5 ايام في الشهر. أخذ قرضا من البنك كي يجري ترميمات ولم ينجح في التسديد وبدأت الحجوزات والفوضى. خاف أن يسير في الشارع وأنا مع مئة في المئة عجز بسبب مرض القلب، أعيش على المخصص ولا يمكنني أن اساعد حقا". ولكن 78 في المئة من السكان الفلسطينيين في القدس الشرقية يعيشون تحت خط الفقر. هذه ليست مشكلة اناس قليلين، ومثلما حللت البحوث والتقارير لمرات لا تحصى، فان السبب المباشر للفقر هي سياسة اسرائيل المتراكمة.

"سياستكم هي ان تضربونا وتحرمونا حتى من أن نقول أخ"، قال ابو جمل. "انا لست متدينا على الاطلاق". "متدين"، قال بالعبرية، "الى الاقصى ربما أذهب مرة كل أربعة اشهر". احد ما في الغرفة القى ملاحظة شكية فرضي عنها ابو جمل: "حسنا، مرة في الاربع سنوات. في المرة التي أذهب فيها، يوقفني شرطي في عمر ابني أو حفيدي ويقول لي بحزم: "هات الهوية. من أين أنت؟ لماذا جئت؟". فليتحدث بأدب على الاقل. عائلتي هنا منذ 500 سنة. شعري أبيض، وهو يريد هوية كي يفحص اذا كنت في العمر المناسب للدخول الى الاقصى؟ أنا اسكن في بيت بناه ابي في 1936، قبل أن تكون دولة اسرائيل. في كل وزارة حكومية وحاجز كل موظف وشرطي وجندي يجعلون من أنفسهم رئيس الوزراء. يهينوننا. يدوسون علينا وعلى قيمتنا".

أحد ما في الغرفة يذكر كل المخالفات الشرطية التي تصدر ضد الفلسطينيين في القدس والغرامات التي تفرض عليهم بكل حجة. قبل اسبوع تلقى أحد السكان مخالفة شرطية ودعوة الى المحكمة (او دفع غرامة بمبلغ 450 شيكل) على كومة خشب للحريق احتفظ بها في ساحة بيت. ساكن آخر تلقى تحذيرا على بضعة الواح خشب كانت في ساحة بيتهم ولم يكن حتى عالما بوجودها. وعلى المخالفات كتب "الحفاظ على النظام والنظافة". ومن أجل الحصول على ترخيص بناء ينتظرون عشرين سنة وعلى ارض القرية يقام بسرعة حي يهودي آخر. "لا يمكن الا نجن"، يلخط احد الجالسين في الغرفة.

والى أن اعتزل لاسباب صحية عمل ابو جمل في كل شيء وفي كل مكان، مع اليهود: سائق، عامل بناء، بنينا بيت صفافا وغيلو، عملت في "اشتروم" حين كانت وفي "سوليل بونيه". زوجتي كانت "خدامة". وهو يقول "خدامة" بالعبرية. عملت لعشرات السنين في بيت  قاضي العليا المتقاعد مشآل حشين. ويروي ابو جمل كم ساعده حشين حين علق في أزمة مالية. "نحن نعمل مع اليهود ومن أجلهم"، واصل. "انا اعترف بالجميل للعلاجات التي تلقيتها في شعاريه تصيدق. نحن نعرف يهودا ذوي رحمة (وحتى "الرحمة" يقولها بالعبرية). ولكن الدولة؟ أريني معاملة احترام انسانية، كي نتمكن من العيش. لم نأتِ من كوكب آخر".

انشر عبر