شريط الأخبار

ما هي حقيقة الأصباغ القاتلة المنتشرة في قطاع غزة؟!

09:17 - 27 حزيران / نوفمبر 2014

نقلاً عن الحياة الجديدة - فلسطين اليوم

أثار شكل الصبغة التي يستخدمها أحد المطاعم في حي الشجاعية في قلي البطاطس لتغيير لونها حفيظة المواطن محمد مصطفى (34 عامًا)، ما دفعه لسؤال صاحب المطعم عن المادة التي يستخدمها لجعل لون البطاطس برتقاليًّا، لكنه لم يحصل على إجابة مقنعة.

واضطر مصطفى للتوجه لأكثر من مطعم يستخدم الصبغة نفسها للاستفسار عن المواد التي تحتويها ومعرفة مخاطرها على صحة الانسان.

ويستخدم أصحاب المطاعم في غزة أصباغًا متعددة لتلوين الأغذية المقدمة للزبائن بشكل جذاب، دون الالتزام بأية معايير او حتى معرفتها لغياب التوجيه والإرشاد من الجهات المختصة المتمثلة في وزارتي الصحة والاقتصاد الوطني، كما يقول صاحب احد المطاعم فضل عدم ذكر اسمه.

ويتبين من خلال جولة على المطاعم أن العاملين فيها يستخدمون تلك الأصباغ بكميات مختلفة لغياب الإرشادات واختفاء المعايير.

ورغم منع عدد من الدول الاوروبية استخدام صبغة E110لتسببها بانتشار العديد من الأمراض منها التليف الكبدي والفشل الكلوي خاصة لدى الأطفال، إلا أن وزارة الصحة ما زالت تسمح بتداول تلك الاصباغ المضرة.

ويعاني الآلاف في قطاع غزة من مرض الفشل الكلوي، أكثر من 400 منهم بحاجة الى غسيل شبه يومي في المستشفيات.

وتتكون صبغة البطاطس من ملح وماء ودقيق ويضاف إليها E110، ويقول الشاب عماد الذي يعمل في أحد مطاعم غزة: "لا نتبع أية معايير محددة في وضع مكونات خلطة الصبغة، موضحًا أنه لا توجد أي تعليمات من وزارة الصحة او الجهات المختصة الأخرى حول كيفية استخدام تلك الاصباغ".

شكل جذاب

ورغم علم أصحاب المطاعم والمحال التجارية بالأضرار الصحية لتلك الأصباغ وخاصة صبغة E110، إلا أنهم مستمرون في استخدامها متذرعين بعدم حظرها من وزارة الصحة.

ويقول كرم عطية (40 عامًا) الذي يعمل في مطعم للمأكولات الشعبية بخان يونس منذ عشر سنوات" منذ بداية عملي ونحن نستخدم صبغة خاصة في قلي البطاطس، ولم تقم أي جهة بزيارتنا او حتى مراجعتنا وإرشادنا حول الطريقة السليمة لاستخدام الاصباغ، مشيرًا إلى أن صاحب المطعم يصر على استخدام الاصباغ لأنها تضفي لونًا جذابًا على البطاطس".

وتستخدم المطاعم الأصباغ في البطاطس وأغذية أخرى دون أية معايير محددة، حيث تختلف تلك المعايير والكميات من مطعم لآخر.

ويؤكد عدد من المواطنين أنهم يتناولون وجبات شعبية من الفلافل والبطاطس دون علمهم بمحتوياتها فقط يعجبهم شكلها الجذاب.

ويقول المواطن ايهاب يوسف (32 عامًا) من رفح : "يعجبني شكل ولون البطاطس والفلافل والفول وغيرها".

وتقول الطالبة من جامعة الأقصى غادة صبحي (19 عامًا): "تعجبني الوجبات الشعبية لشكلها الجذاب، وكل ما أعرفه أنه لو بها أضرار لمنعتها وزارة الصحة".

معايير الاستخدام

وتستخدم الصبغة E110 في بعض الدول ضمن أسس ومعايير محددة، فيسمح باستخدامها بالمشروبات غير الكحولية والمربى والجيلي والحلويات مثل الكنافة النابلسية بحيث لا تتجاوز الكمية المستخدمة 50ملغم /كغم او ملغم/ لتر.

وأما الصبغة المحددة للاستخدام في قلي البطاطس والمأكولات الشعبية هي مادة E160 b بمقدار 20 ملغم/كغم لتضخيمها وتلوينها، ولكن المادة المستخدمة في مطاعم غزة هي E110 المخصصة للمربى وليس للبطاطس والجلي، ورغم ذلك حظرت بريطانيا والنرويج وفنلندا وأستراليا واليابان والأردن والنمسا استخدامها لأضرارها الصحية، فيما لم تمنع وزارة الصحة الفلسطينية تداولها، كما يقول مراقب الأغذية في وزارة الصحة د. محمود حميد.

ويؤكد حميد أنه لا يوجد علم كاف لدى قسم مراقبة الأغذية عن المادة المستخدمة في قلي البطاطس بمطاعم المأكولات الشعبية.

ورغم تطوير العديد من الدول لمواصفات المواد المسموح باستخدامها في الأغذية إلا أن مؤسسة المواصفات والمقاييس الفلسطينية لم تعمل على تطوير مواصفاتها منذ عام 2006، وما زالت اللائحة تتضمن المنتجات المسموح باستخدامها ومن ضمنها صبغة E110 والمسموح فقط باستخدامها في المربى والجيلي والمرتديلا والمخللات والألبان المتخمرة، دون أي رقابة على بيعها او استخدامها.

5 أطنان من الأصباغ تباع في غزة دون أية رقابة

وفي تقرير أعده الباحث الحقوقي د. علاء مطر وأصدره مركز الميزان لحقوق الإنسان حول "تحديات الرقابة على الأغذية في قطاع غزة وغياب الحق في الحصول على غذاء آمن صحيًّا" يؤكد أنه رغم وجود سياسات وتشريعات وجهات رقابية متعددة، يعد ضعف الرقابة من العوامل الرئيسية التي تحول دون حصول سكان قطاع غزة على غذاء آمن صحيًّا، خاصة في ظل التداعيات السلبية للانقسام وفي مقدمتها تعطل دور مؤسسة المواصفات والمقاييس الفلسطينية في القطاع وما نجم عنه من إضعاف لمنظومة الرقابة على الأغذية.

وتوضح دراسة علمية بعنوان المواد الملونة للأغذيةFOOD COLORS" " أن المواد الملونة الصناعية تصنع من القطران وهي المادة التي تتنج عن التقطير الثلاثي للفحم فيصبح مزيجًا من المركبات العضوية.

ويقول موزع أصباغ في قطاع غزة ايهاب حنونة: "يبلغ سعر الكيلو للصبغة E110 80 شيقلاً، ويؤكد أن جميع الاصباغ تدخل لقطاع غزة بعد الحصول على موافقة من وزارتي الاقتصاد الوطني والصحة".

ويعتبر الأصباغ "مجرد مادة ملونة ولا تضر بالصحة"، نافيًا وجود إرشادات حول محددات معينة لكميات ومقادير معينة لاستخدامها.

ويستورد قطاع غزة نحو خمسة اطنان من الأصباغ لاستخدامها في مجالات متعددة منها إنتاج الجيلي والنقانق وغيرها من الأغذية.

أضرار.. وأمراض

ورغم أهمية الأصباغ في إضفاء شكل جذاب على الأطعمة والأغذية، إلا أن الخبراء والمختصين يؤكدون وجود أضرار صحية جسيمة باستخدمها الخاطئ أو العشوائي.

ويؤكد الخبير بكيمياء الأطعمة د. حسن طموس أن الأصباغ الملونة تخلق العديد من المشاكل في جسم الانسان، موضحًا أن صبغةE110 تتسبب في إحمرار الجسم وحساسية خاصة للمصابين بحساسية الإسبرين ومشاكل بالهضم واحتقان الأنف، كما تؤثر على الحمل والرضع وتسبب مغص البطن والتهاب الكبد ومشاكل في المسالك البولية والفشل الكلوي وتليف الكبد والمغص الكلوي, والحكة والتقيؤ.

ويشير طموس إلى أن هذه الأمراض لا تظهر على الإنسان لا بعد مرور فترة زمنية لأن الأصباغ عبارة عن تراكمات تترسب بجسم الإنسان، ويضيف: "عندما تستخدم الأصباغ في غير منتجاتها تصبح كارثية كما يحدث في صبغة E110، ويؤكد أنه تم إجراء تجارب في دول الاتحاد الاوروبي على صبغة E110 على الحيوانات وأثبتت النتائج أن الحيوانات أصيبت بالأورام.

ويؤكد المختص في قسم حماية المستهلك بوزارة الاقتصاد د. زياد ابو الشقرة أنه يتم استخدام صبغة E110 بدافع الغش وترغيب المستهلك بأشكال مأكولات جديدة، وتبقى تلك الأصباغ مواد كيمائية تراكمية في جسم الانسان تاركة آثارها بعد فترة زمنية وتسبب أمراضًا عديدة.

ويقول رئيس قسم جودة البيئة بجامعه فلسطين أ.د شحاتة زعرب: "جميع الأصباغ مضرة بأي شكل كان، ولو تم استخدام هذه الأصباغ في منتجات غير مسموح بها سيكون الضرر أكبر".

ويؤكد زعرب أن الأصباغ تسبب أمراضًا كالحساسية والتوتر وإن تم تناولها بشكل كبير تسبب السرطان الجلدي وخلافه".

فيما يخالفه الرأي مراقب الأغذية في وزارة الصحة د. محمود حميد بقوله: "إن الصبغات المتواجدة بالسوق غير ضارة على صحة الانسان، ووزارة الصحة لم تمنع استخدامها".

نقص الأجهزة

وفي ظل تقاعس وزارة الصحة عن جلب الأجهزة والمعدات اللازمة لتشغيل مختبر الأغذية، أصبح سكان قطاع غزة يعانون من واقع خطير على صعيد حقهم بالحصول على الغذاء الآمن والصحي في ظل تدني مستويات السلامة والجودة في الأغذية التي يتناولونها، ما أدى إلى انتشار العديد من الأمراض المرتبطة بتلوث الأغذية.

وتكشف إحدى المختصات في وزارة الاقتصاد والتي فضلت عدم ذكر اسمها وجود جهاز لدى وزارة الصحة لفحص الأصباغ ولم يتم استخدامه بحجة أن التعامل معه صعب، أو لعدم توافر مستلزماته والقطع الخاصة به، وتؤكد أنه يتم التعامل مع الأصباغ في غزة دون أدنى نوع من المقاييس او المعايير والمواطن الضحية والمسؤولون غافلون.

وفي تقرير أعده الباحث الحقوقي د. علاء مطر وأصدره مركز الميزان لحقوق الإنسان حول تحديات الرقابة على الأغذية في قطاع غزة وغياب الحق في الحصول على غذاء آمن صحيًّا

وجود عجز عام في مختبر فحص الأغذية التابع لإدارة حماية المستهلك، في وزارة الصحة بسبب نقص في الأجهزة والمعدات ومواد الفحص، حيث لا توجد أجهزة الفحص المعقدة التي تعمل على فحص السموم الفطرية والبكتيرية والأحماض الأمينية والدهنية والهرمونات، كما تخلو خزائن الوزارة من أجهزة فحص المعادن الثقيلة، والفيتامينات، والمواد الحافظة، وبقايا المبيدات، والأصباغ والألوان.

ويشير إلى أن وزارة الصحة تعاني من عجز في أساسيات الفحص الميكروبيولوجي، متمثلاً في الأوساط الغذائية والمواد الداعمة والمستهلكات الطبية، وعجز في فحص الأصباغ، والألوان، والفيتامينات، والمواد الحافظة.

ويضيف: "لا يعمل الجهاز الخاص بفحص الفيتامينات، والمواد الحافظة، وبقايا المبيدات، والأصباغ، والألوان بكامل طاقته، بل يتم إجراء الفحص الخاص بالمواد الحافظة فقط. ويرجع ذلك إلى عدم القدرة على برمجة كامل التعريفات، فالمعرف التابع لوكيل الشركة مصنعة الجهاز يتواجد في الضفة ولا يتمكن من دخول قطاع غزة بسبب عدم موافقة سلطات الاحتلال على منحه تصريح دخول".

غياب الرقاية

ورغم كثرة جهات الرقابة على الأغذية وتعدد جهات الاختصاص، إلا أن ذلك لم يضمن وصول أغذية آمنة للمواطن في قطاع غزة، فما زال واقع الرقابة على الأغذية يعاني من تدهور كبير لعدم قيام الجهات الرقابية بمهامها، ما ينعكس سلبًا على حق الغزيين بالحصول على الغذاء المناسب.

ويقول مدير دائرة التثقيف والتعزيز الصحي في وزارة الصحة د. معين الكريري: "مثل هذه القضايا وخاصة الأصباغ تتطلب من القائمين والمسؤولين عنها مزيدًا من الحرص والمتابعة، لأنها قضية خطيرة تهدد الاطفال في المقام الاول كونها تخلق تراكمات في جسم الانسان تسبب الامراض".

ويكشف: "ليس لدى وزارة الصحة أدنى علم عن المادة التي يتم استخدامها في قلي البطاطس، أو المقادير التي يتم استخدامها في مثل المنتجات".

وأدى ضعف الرقابة على الأغذية إلى مواظبة التجار والحرفيين على انتهاك القواعد، التي تضمن حصول المستهلك على سلعة غذائية آمنة صحية وبجودة عالية.

وتسمح وزارة الاقتصاد باستيراد مئات الأنواع من الأصباغ دون أية رقابة فعلية كما يؤكد العاملون في المطاعم، وتشير الوزارة في نشرة الأصباغ إلى أنه يمكن استعمال المواد الملونة في المشروبات الكحولية والمثلجات والحلويات والمخبوزات الناعمة والسكاكر بكميات محددة، وتحدد ألا تتجاوز كمية أي من المواد الملونة E110، E122، E124، E155 50 ملغم/كغم او ملغم/لتر، ولكنها لا تراقب التزام المطاعم والمصانع بتلك المعايير.

ويؤكد مركز الميزان لحقوق الانسان أن الحصول على الغذاء المناسب الخالي من الأضرار كما ارتضته المعايير الدولية لحقوق الإنسان، يتطلب نظمًا رقابية فاعلة على جميع قطاعات السلسلة الغذائية، وهذا بدوره يحتاج إلى سياسات وتشريعات رقابية متطورة، كما يتطلب وجود جسم رقابي تتوفر لديه الإمكانات كافة التي تؤهله ممارسة أعمال الرقابة الفاعلة.

وفي ظل غياب الرقابة الفاعلة من قبل الوزارات المختصة يبقى المواطن ضحية الاهمال والتراخي والعجز.

انشر عبر