شريط الأخبار

حرب قادمة على غزة في الأفق ..د. مسعود إغبارية

02:21 - 26 حزيران / نوفمبر 2014

دلائل كثيرة تشير إلى وجود استعدادات لحرب قادمة على غزة، وقد تبدأ في القريب. يحاولون في إسرائيل وعدة دول إقليمية وعالمية الإجهاز على حركات المقاومة الفلسطينية عامة، وفي قطاع غزة تحديداً، لتخلى الساحة لهم ولمشاريعهم حتى يفرضوا حلا سياسيا في المنطقة.

من بين هذه الدلائل:

1) هناك تقييم أن قوة المقاومة العسكرية في غزة وقوة صمودها الاقتصادية والاجتماعية قد ضعفت بعد عدة أشهر من حرب غزة الثالثة في صيف 2014 (معركة العصف المأكول)، وأن العزيمة عند الفلسطينيين قد خفت على إثرها حيث ما زال الدمار وما زال عشرات الآلاف يعيشون في مدارس وكالة غوث اللاجئين، ولم تبدأ بعد عملية الإعمار، والأوضاع الاقتصادية تزداد تدهورا.

2) أزمة سياسية في إسرائيل حيث هناك تصارع على السلطة، ونتنياهو يحاول جاهدا التشبث بالحكم، وقد لا يلقى هذه المرة نجاحا كما حققه من قبل بسبب عوامل كثيرة.

3) نتنياهو يتلذذ بخلق فرص تاريخية، حرب جديدة، حتى يبقى في الحكم نفسه وحتى يحاول استغلالها، كظرف ملائم حيث تقل الضغوطات الداخلية والخارجية عليه، لزيادة الضغط على الفلسطينيين في الداخل وفي المناطق المحتلة ربما يحاول طردهم. وهذا ليس غريبا على نتنياهو. فقد صرح، وهذا يشير إلى طريقة تفكيره، أنه كان على إسرائيل استغلال الأزمة في بكين، الصين الشعبية، عام 1989، أزمة ساحة تيانانمن (Tiananmen Square) كي تطرد الفلسطينيين من الضفة الغربية. نتنياهو يعتقد، وهو بهذا يعكس عدم صلة مع التاريخ الانساني وتحديدا تاريخ هذه المنطقة، أن الفلسطينيين في البلاد ليسوا سكانا أصليين بل قدموا من الصحراء القاحلة المحيطة منذ نهاية القرن التاسع عشر كي يعملوا في "المشاريع العمرانية" التي اتت بها الحركة الصهيونية من أوروبا، وقد حان الوقت بأن يعودوا إلى حيث أتوا.

4) مطالبة نتنياهو أحزاب المعارضة، ما عدا الأحزاب العربية، في 18 تشرين الثاني 2014 للانضمام إلى الائتلاف الحاكم من أجل مواجهة ما يدور من تحديات ليست فقط لمواجهة ما يدور في القدس وإنما بالأساس استعدادا لما سيحدث في قطاع غزة.

5) السياسات التي يتبعها نتنياهو مرتكزة على الكذب وعلى ما وصفه رئيس الموساد السابق في إسرائيل شبتاي شبيط بالعماء والغباء، قد تدفع الى مثل هذه الحرب دون حسابات عقلانية. [1] ففي مقال كتبه شابيط في 22 تشرين الثاني 2014 يقول إنه لأول مرة في حياته يشعر ان سياسات نتنياهو تشكل مصدر قلق على مصير المشروع الصهيوني.[2]

6) يعتقد إسرائيليون أن الحرب التي تدار مع العرب تنسيهم كل ما يتعلق بالحرب التي سبقتها ولو قامت بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية التي لا تسقط بالتقادم. فهم بهذا يحاولون تجنب جرهم إلى المقاضاة الدولية التي تعتبر سلاح هام في خدمة القضية الفلسطينية.

7) هناك مؤشرات لوجود أزمة اقتصادية في إسرائيل حيث حيث تم تخفيض مكانة الائتمان الاقتصادي لها في شهر تشرين الثاني 2014، ويتوقع خبراء المزيد من التدهور الاقتصادي حيث وصل في أواخر عام 2014 مستوى النمو في إسرائيل إلى النمو السلبي -0.4% وانخفض عدد السياح إلى البلاد بنسبة 77% وقلت الصادرات الإسرائيلية وزادت الواردات.

8) ربما تهدف مهاجمة نتنياهو للرئيس الفلسطيني محمود عباس في الأسابيع الأخيرة، واتهامه بأنه يحرض على العنف إلى تخويف الرئيس الفلسطيني من السير نحو التوجه للأمم المتحدة، مجلس الأمن، وتوقيع بروتوكول روما بشأن محكمة الجنايات الدولية، أو زجه بالحرب المتوقعة، ربما كلاهما معا.[3]

9) استمرار الانقسام على الساحة الفلسطينية بين المجموعات الأساسية فتح وحماس. هناك من يعتقد أن التفجيرات في غزة في الثلث الأول من تشرين الثاني 2014 في بيوت وممتلكات قادة في حركة فتح والمنصة التي كانت معدة للاحتفال بذكرى استشهاد ياسر عرفات، كانت تهدف بالأساس لزيادة الخلاف بين التنظيميين الأساسيين.

10) استعدادات علمية يقوم بها نظام السيسي لإطباق الحصار على غزة حتى يجعلها، في اعتقاده، أكثر ضعفاً. بعد حرب غزة الثالثة أحكم نظام السيسي الإغلاق على قطاع غزة وفتح معبر رفح الحدودي، منفذ غزة الوحيد على العالم الخارجي، لأيام معدودة فقط، ونسف الأنفاق التي كانت شريان حياة على غزة لسنوات طويلة لإطباق الحصار، وبدأ حربا على سكان شبه جزيرة سيناء الذين تحسنت حياتهم الاقتصادية بنسب خيالية على إثر ازدهار تجارة الأنفاق.

11) إقامة شريط حدودي عازل بواسطة نظام السيسي، وتوسيع عرضه لمسافة حوالي كيلو متر واحد يشكل تسهيلا كبيرا في إطباق الحصار على غزة وجعلها، كما قال مندوب للأمم المتحدة في القطاع، "أكبر سجن في العالم".

12) لم يكن صدفة أن تم اعتقال في 20 تشرين الثاني 2014 عدة نشطاء مؤيدين للمقاومة في غزة من بينهم زكي بن رشيد، نائب المرشد العام لجبهة العمل الإسلامي (الحركة الإسلامية) في الأردن وهو تنظيم مؤيد للمقاومة في غزة، ويعمل جاهدا بوسائله المختلفة لدعمها، ومحمد علي بشر، أعلى قائد للإخوان المسلمين خارج السجون المصرية وتوجيه تهم أمنية لهم. وإحدى الرسائل المتوقعة من هذه الاعتقالات تتمحور حول توقفوا عن دعم المقاومة في فلسطين.

13) تشكل الحرب فرصة كبيرة لاستهلاك وتسويق التي تم صناعتها وبكميات كبيرة وتجريب الأسلحة التي تم ابتكارها مؤخراً. وهذا عامل لا يمكن تجاهله لأننا نتكلم عن منطقة، منطقة الشرق الأوسط، يلعب فيها تسويق السلاح من قبل مصنعيه والمتاجرين به والمحليين المنتفعين منه من رشاوى وغيرها العامل الأهم في عدم استقرارها منذ عشرات العقود وبالتحديد منذ خمسينيات القرن العشرين.

14) من المتوقع أن تحدث أزمة كبيرة بين إيران والدول الغربية عامة والولايات المتحدة خاصة على إثر ما يمكن تسميته فشل التوصل إلى اتفاق حول نشاطات إيران النووية ولأسباب أخرى، وقد تصل إلى حرب أميركية من بعيد عليها لتمنع تطور إيران التكنولوجي وتصنع بيئة ملائمة لزيادة التحكم في المنطقة عامة وفي ثرواتها الطبيعية وعلى رأسها الطاقة (البترول والغاز الطبيعي) ولخلق بيئة لاستعادة ترليونات الدولارات، وإن كان القسم الأكبر منها مرحوما، كما وصفه المفكر العربي منير شفيق، التي تكدست في جيوب مشايخ وأمراء وملوك العرب، إلى المكان الذي خرجت منه، الأمر الذي سيسهل على إسرائيل استغلال هذا التطور كي تهاجم قطاع غزة.[4]

قد تبدأ الحرب بعديد من الأسباب، من بينها أن تقوم إسرائيل باغتيال أحد القادة الكبار في قطاع غزة، كما قامت باغتيال القائد العسكري أحمد الجعبري، رئيس اركان كتائب عز الدين القسام، قبيل حرب غزة الثانية، حرب الأيام الثمانية، (معركة "حجارة السجيل") في تشرين الثاني 2012 وكان سببا في اندلاع الحرب. الأمر قد يكون سهلا من الناحية الفنية فنرى قادة المقاومة من وقت لآخر يشاركون في احتفالات رسمية وشعبية.

دروس التاريخ

لهؤلاء الذين يعتقدون أنهم باحتلال إسرائيل قطاع غزة، إن تمكنت، سيأتي هدوء وفرض حل سياسي، أذكرهم أن إسرائيل كانت تحتل قطاع غزة عدة أشهر بعد العدوان الثلاثي عام 1956، ومنذ حزيران 1967 حتى 2005 وما زالت تحاصرها من الجهات الخمس حتى اليوم وواجهت مقاومة شديدة. تلك المقاومة التي أجبرتها على الانسحاب الأحادي الجانب من غزة عام 2005 بعد أن كان له شبه إجماع إسرائيلي حيث اقترحه بالبداية عمرام متسناع في زمانه، زعيم حزب المعراخ (العمل)، ونفذه أرييل شارون زعيم حزب الليكود ورئيس وزراء إسرائيل. وقامت إسرائيل بشن حرب على لبنان في حزيران 1982 وحاصرت بيروت 80 يوما وكانت من وراء مجازر صبرا وشاتيلا التي استشهد فيها أكثر من 3000 فلسطيني بدم بارد، من أجل فرض حل سياسي على الفلسطينيين (مبادرة مؤتمر القمة العربي في مدينة فاس، مبادرة الرئيس الأميركي رونالد ريغن، ومبادرة الرئيس الروسي برجنيف) وفرض هدوء في المناطق المحتلة عام 1967 بعد أن استمرت الاحتجاجات الشعبية الفلسطينية بشكل مستمر سنوات طويلة. ماذا كانت النتيجة؟ فجر الشعب الفلسطيني الانتفاضة الفلسطينية الأولى في كانون الثاني عام 1987 وبها منح زخما قويا للقضية الفلسطينية على مختلف الساحات الوطنية والإقليمية والدولية، وانتقل مركز الثقل لإدارة الثورة الفلسطينية من خارج الوطن إلى داخله بعد أن تم انتقال القيادة الفلسطينية إلى تونس وتم توزيع القوات إلى الكثير من الدول شملت السودان واليمن والأردن وغيرها على إثر حرب لبنان عام 1982.

في الختام، في حال اعتقد أحد أن احتلال غزة من قبل إسرائيل من جديد، إن أمكن، سيأتي بالهدوء على إسرائيل وعلى أزلامها فهو واهم. هناك من يتوقع أن يكون هذا دافعا لانفجار شعبي عارم في المنطقة قد يطيح بأنظمة مؤيدة للحرب وتتخربط أوراق نتنياهو الذي اعتز في تصريحات خلال وبعد حرب غزة الثالثة (معركة العصف المأكول) أن لإسرائيل تحالفات إقليمية ضد الحرب على غزة. نحن نتحدث عن مسيرة شعب كامل يتوق إلى الحرية والتقدم والازدهار كباقي شعوب الأرض. وإن اعتقد البعض أن القضاء على مئات أو اكثر من أبناء وقادة الشعب الفلسطيني أو وضعهم في السجون سيحقق الهدوء في المنطقة، فهم واهمون أيضاً. يقولون في غزة، في وسائل الاعلام، إن كثيراً من سكان غزة الذين وقفوا في حرب غزة الثالثة صفا واحدا ولفترة 51 يوما، وهي أطول معركة مع إسرائيل منذ إقامتها حتى اليوم، لن يتخلوا عن الدرب، فهو استثمار لهم، مهما كانت النتائج.

أيضاً نُذُّكر من تساوره نفسه تجاهل الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني وعدم الاستجابة لتلبية حقوقه أن الشعب الفلسطيني أثبت عبر مسيرته النضالية عبر أجيال مختلفة، منذ بداية النشاطات الاستيطانية الصهيونية من العقد الثامن من القرن التاسع عشر حتى اليوم، إنه شعب خلاَق، مبدع، لا يتنازل عن حقوقه، ولن يقبل الضيم قصر الزمن أم طال. ويرى بعض المحللين السياسيين أن عملية دير ياسين، القدس في 18 تشرين الثاني 2014 التي قام بها شابان فلسطينيان بقتل عدة مستوطنين يهود وتبنيها من قبل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، جناح ابو علي مصطفي العسكري، تُشكل تطورا هاما يشير إلى أن الرد الفلسطيني على حرب قادمة على غزة، إن أقدمت عليها القيادة الإسرائيلية، سيكون شاملا ومتعددا.

حين يطالب نتنياهو أعضاء المعارضة في الكنيست، ما عدا الأحزاب العربية، بالانضمام إلى الائتلاف الحاكم ربما يعبر فيه عن استعداد لمثل هذا الهجوم على غزة، وربما يعبر أيضا عن خوف يغطيه من هذه الخطوة، ربما كليهما معاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1] https://dub110.mail.live.com/?tid=cmBv8Jg-5g5BGB_NidZ1ytfA2&fid=flinbox. The article was written by Uri Avnery etitled “Chickenshit” about Benjamin Natanyahoo. Natanyaho was characterized by US High Official as a chickenshit.

وحول كذب نتنياهو انظر ايضا مقال آفي شليم في صحيفة هآرتس 12 آب 2005 والى مقال غدعون ليفي، صحيفة "هآرتس" بتاريخ 25 حزيران 2010.

[2] موقع صحيفة هآرس على الأنترنيت بتاريخ 22 تشرين الثاني 2014 على الرابط التالي: http://www.haaretz.co.il/misc/article-print-page/.premium-1.2491235

[3] انظر كلمة نتنياهو في استقبال وزير خارجية المانيا في 16 تشرين الثاني 2014. وفي جلسة الحكومة في نفس اليوم.

[4] حول استعادة الاموال التي حصل عليها العرب مقابل بيع البترول والغاز الطبيعي الى المكان الذي خرجت منه، أي دول الغرب وربما دول اخرى لا تقع هناك، انظر مذكرات هنري كيسنجر حيث ذكر ان هذا كان سببا في اندلاع الحرب الاهلية في لبنان عام 1975 حيث تكدست في بنوك بيروت اموال عربية طائلة على اثر حذر البترول في حرب اكتوبر عام 1973 وارتفاع سعر البترول الى ارقام خيالية.


انشر عبر