شريط الأخبار

مأزق حماس... وضرورة المراجعة ..د. خالد الحروب

01:11 - 24 تشرين أول / نوفمبر 2014

جزء من هذه الملاحظات التي تتناولها هذه السطور جاء في إطار نقاش موسع في مؤتمر عقد في جامعة بيرزيت مؤخراً حول المكانة السياسية والاستراتيجية لقطاع غزة.

وهي ملاحظات جاءت ضمن ورقة تتناول بعض جوانب المأزق الذي تواجهه حركة حماس، على ثلاثة مستويات: داخلي ووطني وإقليمي ـ دولي، كما تناولت ضرورة إطلاق مشروع مراجعات معمق بشأن الممارسة والفكر والسياسة التي تتبعها حماس.

من الصعوبة تلخيص كل النقاش في هذه المساحة المحدودة، لهذا ربما من المفيد تخصيصها للتركيز على الآراء والمراجعات التي طرحها أحمد يوسف، أحد قيادات وأصوات حماس التي تتحلى ببعد نظر وجرأة على رفع الصوت بضرورة إجراء مراجعات جذرية، ونشرها هذه الأيام في دراسة موسعة بعنوان "في أفق المراجعات: استراتيجيات ما بعد الحرب على قطاع غزة: حماس والحاجة إلى مقاربات سياسية وأيديولوجية جديدة".

ينطلق يوسف في ورقته من تقديرات عدة من ضمنها أن "خروج حركة حماس من الحكم، ومغادرة مواقع المسؤولية، يعطيها إمكانية التفرغ لإجراء مراجعات في الفكر والأداء الحركي والدعوي ..(وأن) إن أداء الحركة في الحكم لم يكن على المستوى المطلوب والمأمول، خصوصاً لمن نعتقد فيه أنه أمل الأمة ومستقبلها الواعد. (و) إن تعاملها مع الآخر لا يدل على وجود حيوية في تفكيرها، وتجديد في وسائلها وأساليبها. (و) إن تعاطيها مع المتغيرات المحلية والعربية والدولية لا بدَّ من مراجعته.(و) إن قرار السلم والحرب لم يشارك فيه أشقاء الوطن. (و) إن القرارات الحركية لا تخضع أحياناً للشورى في المؤسسات الحركية! (و) إن الظروف المتجددة والمتغيرة التي تحياها المنطقة العربية والمحلية تتطلب من الحركة الإسلامية في فلسطين أن تراجع دائماً برامجها وخططها، وهذا يتطلب من قياداتها أن تبدأ بشكل جدي تغيير برامج الحركة، حيث إن برامجها منذ الانطلاق في كانون الأول 1987 لا يمكن أن تصلح لهذا العصر.(و) إن النظام الانتخابي الداخلي، وطريقة الترشح وشروطه، لابدَّ من مراجعتها وإعادة النظر فيها".

تشير هذه المقاربة إلى جوانب من المأزق الذي تعيشه حماس على المستويات المختلفة، ويقدم يوسف مقترحات مباشرة وجريئة لحماس برسم التفكير والمراجعة والتبني، ويؤسس لها ويناقشها بتوسع، لكن عناوينها الرئيسة يمكن إجمالها في ما يلي:

• مناقشة موقع العمل العسكري والوصول إلى طرح اقتراح تجميده لفترة زمنية محددة في حدود خمس سنوات، بهدف التقاط النفس وتوفير الفرصة لإعادة بناء قطاع غزة وبناء الإجماع الوطني.

• مواصلة نقاش فكرة التفاوض المباشر مع إسرائيل، استتباعا لما جاء من تصريحات سابقة على لسان د. موسى أبو مرزوق، نائب رئيس المكتب السياسي.

وهنا يقول يوسف: "إن ملف التفاوض هو باب يجب أن يبقى موارباً؛ لأننا سوف نحتاج إليه طالما بقي الوضع الفلسطيني هو حالة تحت الاحتلال، ولكن أي تحركاتٍ في هذا الاتجاه تستلزم الوضوح والصراحة والاتفاق، حتى لا يضيع الجهد وتستنزف الطاقات بمن يعمل على وضع العصا في الدواليب ومن يحاول تخليصها، في مراوحة لا طائل وراءها ولا مردود".

• العمل على إعادة العلاقات مع مصر وإيران ودول الخليج وخاصة السعودية والإمارات، مع مواصلة تعزيز العلاقة مع قطر وتركيا.

وفي ملف العلاقة المتدهورة مع مصر منح أمن واستقرار سيناء أولوية قصوى والانطلاق من ذلك.

• على مستوى المشروع الوطني يعيد أحمد يوسف طرح فكرة الدولة الواحدة ويرى أن أي حل مستقبلي حقيقي ودائم لن يبتعد في شكله النهائي عن هذا الحل، ويدعو، ولو بشكل غير مباشر، حماس لتبني هذا الخيار.

• وعلى المستوى الوطني السياسي يقدم يوسف طرحا مهما يقوم على خوض أي انتخابات فلسطينية تشريعية قادمة على أساس الشراكة السياسية مع القوى الأخرى وخاصة تيار فتح.

أي أن تخوض الحركتان الانتخابات ضمن قائمة انتخابية واحدة توافقية وليس تنافسية، وعلى برنامج واحد بما يضيق مجالات الكيد السياسي وإفشال الطرف الآخر في حال الاستئثار بالفوز، ومن المهم الإشارة إلى أن هذا الطرح قدم منذ سنوات من قبل ناصر الشاعر، نائب رئيس الوزراء في حكومة حماس التي تشكلت بعد انتخابات ٢٠٠٦ في الضفة الغربية وقطاع غزة، كما أن خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس يتبنى هذه الفكرة إلى حد بعيد.

• وعلى نفس المستوى أيضا، يدعو يوسف حركة حماس إلى دعم سلام فياض كرئيس قادم في أي انتخابات رئاسية (وفي حال عدم ترشح أبو مازن)، ويعدد مزايا فياض وأهليته للرئاسة وفرص توفر إجماع وطني عليه.

لكن لا يذكر ما قد يكون عليه موقف حماس في حال حصلت هذه الانتخابات (الأمر الذي يستبعده كثيرون على أي حال) وترشح لها أبو مازن مرة أخرى.

• واستطرادا حول الموقف من الرئيس عباس يدعو يوسف إلى دعم خطته الرامية إلى الانضمام للمنظمات الدولية وتعزيز موقفه وعدم تعطيله، ومنحه حرية التحرك وشرعيته بكونه رئيس كل الشعب الفلسطيني.

• يطالب يوسف حماس والإسلاميين بالخروج من شرنقة الحزب الإسلامي إلى فضاء العمل الجبهوي مع الأطراف الوطنية الأخرى اعتمادا على مبادئ الشراكة السياسية والتوافقات الوطنية، وعدم الالتصاق بالأجندات الحزبية الضيقة.

• يدعو يوسف أيضا حماس إلى النظر في تغيير ميثاقها الذي أصدرته العام ١٩٨٧ بكون ممارسة حماس وسياساتها وفكرتها قد تجاوزته، وبسبب استغلاله من قبل إسرائيل ولما فيه من طروحات "لا سامية" تحرف عدالة قضية فلسطين عن مسارها وبكونها قضية ضد احتلال واستعمار وليست موجهة لأصحاب دين معين بسبب دينهم.

مراجعات، وطموحات أحمد يوسف، ونداءاته تتسع أيضا لتشمل الخطاب الإعلامي وضرورة التزام المهنية والبعد عن الشعبوية، وإعادة صيغ العلاقة مع الغرب، والابتعاد عن كل ما له علاقة بالقاعدة وداعش فكريا وممارساتيا، وتفادي المبالغة في الاحتفاليات الحزبية المستفزة، وكثير غير ذلك.

ليس من المتوقع أن تستمع حماس لكل نصائح ومراجعات احمد يوسف، لكنها افكار في غاية الاهمية، وعلى العقلاء في الحركة تأملها والانصات لصوت العقل الذي تدعو له والاخذ بمعظمها ان لم يكن كلها.

انشر عبر