شريط الأخبار

حرب المصطلحات في زمن الانقسام.. بقلم د. وليد القططي

01:07 - 21 تموز / نوفمبر 2014

يبدو أن زمن الانقسام لا يريد أن يُغادرنا , أو بالأحرى لا نريد أن نغادره , وكلما كتبتُ عن الانقسام يُهيئّ لي أنه الأخير , أو هكذا أوهم نفسي وأمنيّها , وربما ذلك التهيؤ وتلك الأمُنية بسبب رغبةً خفية مدفونة في العقل الباطن تطفو إلى السطح من حينٍ لآخر , فاقنع نفسي أن زمن الانقسام على وشك أن يحزم حقائبه الثقيلة ويرحل بدون رجعة غير مأسوفٍ عليه , وأن المنقسمين قد غادروا محطة الانقسام إلى واحة الوحدة , وتركوا ما يفّرقهم إلى ما يجمعهم , وتخلوا عمّا يشدهم إلى الماضي من أجل ما يدفعهم نحو المستقبل , وأخّروا أولويات الحزب ليقدموا أولويات الوطن , وأبعدوا دعاة خطاب التفسيخ , وقرّبوا دعاة خطاب التوحيد ...

ولكن سرعان ما أصحو من هذا الحلم الجميل على صلصلة كابوسٍ قبيح , وأفيق من هذا الوهم المشرق مصطدماً بواقعٍ مظلم , فإذا بي أمام زمن الانقسام بشحمة ولحمة عاد متبختراً وكأنه لم يغب إلاّ لبرهة وجيزة أشبه باستراحة المحارب الذي يأخذ قسطاً من الراحة استعداداً للجولة القادمة من المعركة , التي خمدت نارها قليلاً ولكنها لم تنطفئ بل عادت بنارٍ أشد إشتعالاً وأعلى نيراناً وأحلك سواداً , ينفخ فيها دعاة على أبواب الانقسام سلاحهم الفتنة الحزبية التي هي أخت الفتنة الطائفية , وفنونهم المناكفة السياسية والردح المتبادل والتراشق الإعلامي , وأدواتهم كل أنواع الشتم واللعن والقذف مما تجود به لغتنا العربية الجميلة .

وبما أننا نتحدث عن الإنقسام الذي لم ينتهِ , وبما أنني مواطن فلسطيني يعيش زمن الانقسام في ظل الحصار والاحتلال , فلا بد من تسليط الضوء على أحد إفرازات الانقسام وهي حرب المصطلحات التي بدأت منذ الكلمة الأولى التي افتتحت عهد الانقسام , ومنذ الطلقة الأولى التي ابتدأت زمن الانقسام , وأول افتتاح لهذه الحرب هو تسمية ما حدث بالانقلاب أو الحسم , ومما اتذكرّه في هذا المجال أن جدالاً قد دار بين زميلين في العمل حول ما حدث من سيطرة حركة حماس على مقاليد الأمور في غزة منفردة , فقال أحدهما إن ما حدث هو انقلاباً على الشرعية الممثلة في الرئيس المنتخب من الشعب السيد محمود عباس الذي هو رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية التي تمثل الشعب الفلسطيني , وقال الآخر إن ما حدث هو حسماً عسكرياً قامت به الحكومة الشرعية الممثلة في رئيس الوزراء السيد إسماعيل هنية الذي يمثل الأغلبية في المجلس التشريعي المنتخبة من الشعب الفلسطيني , وعندما حمىَ وطيس الجدل ولم يعد بالإمكان حل هذا الأشكال بجهودهما الذاتية تدخلت فيما استعصى عليهما من حل المشكلة وقلت لهما : دعنا نسمي المولود باسمه والأشياء بمسمياتها كما هي دون زيادة أو نقصان , فما حدث هو انقسام بغض النظر عن معايير الحق والباطل ان كان انقلاباً أو حسماً , فالانقسام بين الضفة وغزة حقيقة واقعية لا جدال فيها أو حولها , أما مصطلحي : الانقلاب و الحسم فكلاهما مصطلحان متحيزان قابلان للأخذ والرد ويعبران عن خلفية سياسية مختلفة , فسكت الزميلان غير مقتنعين حتى حين .

ولكن حرب المصطلحات لم يقف عن هذا الحد , فقد استمر الجدل بين الزميلين حول العديد من المصطلحات والمفاهيم التي أضيفت إلى القاموس السياسي الفلسطيني , ومن ذلك اسم حكومة السيد إسماعيل هنية في غزة , حيث أطلق عليها أحد الزميلين بأنها ( الحكومة المُقالة ) بينما أطلق الزميل الآخر عليها اسم ( الحكومة الشرعية ) على اعتبار أن حكومة السيد سلام فياض هي الحكومة غير الشرعية     فتدخلت أيضاً هذه المرة وتوصلت إلى اتفاق أن نسُمى حكومة السيد إسماعيل هنية باسم ( حكومة غزة ) وحكومة السيد سلام فياض باسم( حكومة رام الله ) ’ ومن باب حل المشكلة والتعايش السلمي قبل الزميلان بذلك على مضض    .

وهذه المرة كانت الأخيرة عندما ترك الموظفون المدنيون أماكن عملهم في غزة بناءً على تعليمات عُليا تجادل الزميلان حول تسمية ترك العمل بالإضراب أو الاستنكاف حيث يشير الإضراب إلى مضمون ايجابي بينما يشير الاستنكاف إلى مضمون سلبي , وهذه المرة لم أجد الوقت الكافي للتوفيق بينهما والبحث عن مصطلح يصف ترك العمل بحيادية قدر الإمكان لان أحدهما قد ترك العمل مضرباً أو مستنكفاً لا يهم, ومع أن الجدل المستمر بينهما على تحديد المصطلحات التي أفرزها الانقسام قد توّقفت بسبب غياب أحدهما , إلا أن حرب المصطلحات قد استمرت في كل الساحات الإعلامية والسياسية المتُاحة للفريقين ، وآخرها كان حول تسمية حكومة السيد رامي الحمد الله بحكومة التوافق أم الوحدة أم حكومة عباس ، على أمل أن تنتهي هذه الحرب بانتهاء الانقسام الذي تسبب فيها وحتى يحدث ذلك آمل ان يكون هذا المقال هو الاخير الذي يتناول موضوع الانقسام .

انشر عبر