شريط الأخبار

إسرائيل تهتز: ضرب «يهودية الدولة» و«عاصمتها الأبدية» ..حلمي موسى

01:13 - 19 حزيران / نوفمبر 2014

وجه مقدسيان ضربة صاعقة للوهم الذي تعيشه إسرائيل منذ احتلالها للقدس الشرقية العام 1967، وادعاء أنها موحدة تحت سيادتها، وأوصلا الرعب من العمليات الفدائية إلى الذروة باستهدافهما بسلاح أبيض المستوطنين في كنيس مقام على أرض دير ياسين. وكأن الشهيدين غسان وعدي أبو جمل من جبل المكبر، المطوق بالاستيطان، لا يواصلان غضبة وانتفاضة أهل القدس الأخيرة فقط، بل يمدان حبل الثأر إلى حرب العام 1948 حينما أقدم الصهاينة على ذبح النساء والأطفال في دير ياسين. وبمعنى ما، فإن هذه العملية في مكانها وزمانها، وبرغم محدوديتها، مقتل خمسة إسرائيليين بينهم ثلاثة من المهاجرين الأميركيين والرابع بريطاني الجنسية، وإصابة ما لا يقل عن عشرة، شكلت ما يشبه شن حرب شاملة على الفكرة الصهيونية وتجلياتها.

وليس صدفة أن وزير الاقتصاد الإسرائيلي نفتالي بينت الذي يسابق الآخرين على إثارة الغرائز الدينية والقومية لدى عموم الإسرائيليين ويحقق بذلك تفوقاً على غيره، وصف العملية بأنها إعلان حرب. ولكن هذه الحرب، الآن أكثر من أي وقت مضى، صارت تأخذ بعداً دينياً كثيراً ما خشيت الجهات الإسرائيلية إثارته: حرب بين الإسلام واليهودية. فنتيجة مثل هذه الحرب واضحة لدى غالبية الإسرائيليين، وهذا ما أثار الرعب في نفوسهم. وقد كانت بدايات ذلك واضحة في موجة الانتقادات الداخلية لمن أصروا على محاولة تغيير الوضع القائم في الحرم القدسي ولمن أشاعوا أجواء بإمكانية صلاة اليهود في الحرم، وصولاً إلى تقسيمه زمانياً أو مكانياً وأوحوا بقرب بناء «الهيكل» المزعوم.

وما موجة العمليات التي نفذها مقدسيون من دهس وطعن في القدس خلال الأسابيع الماضية، إلا تعبير عن المدى الذي بلغه التوتر في المدينة المقدسة جراء النشاطات الإسرائيلية الاستيطانية والقمعية على حد سواء. وإذا كان اختطاف وحرق الشاب محمد أبو خضير من شعفاط مطلقاً لشرارة انتفاضة القدس الحالية، فإن اغتيال سائق حافلة «إيجد»، يوسف راموني من راس العمود قبل يومين، صب الزيت على نار هذه الانتفاضة.

وإذا كانت الفكرة الصهيونية رأت طوال عقود الاحتلال بعد إعلان توحيد المدينة أن الاستيطان هو الحل لمنع إعادة تقسيمها، فإن فشل التوحيد يعني ربط الحبل على عنق الاستيطان وربما إسرائيل نفسها. فاليوم، أكثر من أي وقت آخر، وبسبب التداخل التام بين الأحياء العربية والمستوطنات اليهودية في القدس الشرقية، يبدو مستحيلاً الفصل بين اليهود والعرب من دون فرض نظام تفرقة عنصري. وقد تكون الأحداث الأخيرة مقدمة لإعادة النظر في فكرة الاستيطان ذاتها، خصوصاً مع تزايد المطالبة بإخضاع القدس بشقيها للإدارة العسكرية وليس للشرطة بغرض فرض الأمن فيها.

وكتب المعلق العسكري لصحيفة «هآرتس» عاموس هارئيل: «يتطور العنصر الديني في النزاع المتفاقم مع الفلسطينيين في القدس. والآن تتعزز المخاوف من أن موجة الإرهاب الجديدة بدأت ترتدي سمات الحرب الدينية. ويمكن الافتراض أن اختيار الهدف هذا الصباح ـ كنيس في حي هار نوف - لم يكن صدفة. ومثل منفذ عملية الدهس الثانية في القدس قبل أسبوعين التي تمت على خلفية تقارير عن صدام رجال الشرطة مع مصلين في المسجد الأقصى، يمكن ملاحظة خلفية مشابهة لعملية اليوم: هدف ديني واضح على خلفية صراع ديني».

وفي كل حال، بعد اتضاح نجاح الشابين غسان وعدي أبو جمل في اختراق الإجراءات الأمنية المشددة في القدس وتنفيذ عمليتهما في الكنيس، عاد إلى الواجهة الصراع بين أجهزة التقدير والاستخبارات. وإذا كانت الشرطة الإسرائيلي تدّعي أنها عملت بسرعة، فإن الانتقادات توجهت نحو رجال السياسة والاستخبارات.

وخلافاً لتصريحات كل من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته أفيغدور ليبرمان ووزير اقتصاده نفتالي بينت، أعلن رئيس «الشاباك» يورام كوهين في الكنيست أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس «غير معني بالإرهاب ولا يدعو إلى الإرهاب. وهو أيضاً لا يفعل ذلك تحت الطاولة».

وبحسب كوهين، فإنه ليست هناك اليوم قيادة فلسطينية تدعو إلى العنف، وأن عباس يشدد على عدم السير على طريق الانتفاضة. وأوضح أن منفذي العملية لم يتدربا عليها كما لم يعملا في إطار أي تنظيم قبل العملية.

وأشار إلى أن مركزية اغتيال الشاب أبو خضير في إشعال الأجواء وإلى سلسلة الأحداث المتصلة بالحرم وزيارات أعضاء كنيست له ومشاريع قوانين تغيير الوضع القائم في الحرم كلها عززت رد فعل القرى المحيطة في القدس الشرقية، موضحاً أن «هناك ظاهرة أفراد يسعون لتنفيذ عمليات جراء الأحداث في جبل الهيكل».

ودعا كوهين الساسة إلى عدم زيارة الحرم القدسي في هذا الوقت، مبيّناً أن «البعد الديني الذي يلبسه النزاع بالغ الخطورة والتفجير، وهو يؤثر على الفلسطينيين وعلى المسلمين في العالم بأسره. يجب فعل كل شيء لتهدئة الخواطر».

وكان نتنياهو وكبار وزرائه قد وجهوا اتهامات شديدة للرئيس عباس بالتحريض الذي قاد لعمليات القدس. وقال نتنياهو إن «هذه هي النتيجة المباشرة للتحريض الذي تقوده حماس وأبو مازن».

بدوره، اعتبر ليبرمان أن «أبو مازن أحال قصداً النزاع إلى نزاع ديني بين اليهود والمسلمين والتحريض المنهجي الذي يقوده ضد اليهود ـ حينما يتحدث عن تدنيسهم لجبل الهيكل بالصعود إليه - هو توجيه بتنفيذ عمليات حقيرة كهذه».

أما بينت فقال إن عباس «وهو من أكبر الإرهابيين الذين أنجبهم الشعب الفلسطيني، يتحمل المسؤولية المباشرة عن دماء اليهود التي أريقت في الكنيس. ففيما كنا منشغلين بأوهام العملية السياسية، أعد لنا الفلسطينيون بنية إرهاب وتحريض متداخلة. كما أن المفاهيم الأمنية لا تردع الإرهاب بل تشجعه. لقد أعلن أبو مازن الحرب على إسرائيل وعلينا التعامل معه على هذا الأساس».

ومساء أمس، عقد نتنياهو مؤتمراً صحافياً دعا فيه «قادة دول العالم المتحضر» إلى إظهار «الصدمة من المجزرة. أنا أريد رؤية اشمئزاز». واعتبر أن إدانة عباس للعملية «ليست كافية»، موضحاً أنه «ليست هناك فجوة» بين كلامه وكلام رئيس الشاباك. وشدد على «أننا في ذروة هجوم إرهابي مركز في القدس»، معتبراً من نفذوا الهجوم «حيوانات نفذوا هذه المجزرة جاؤوا مشحونين بكراهية عميقة وتحريض شديد ضد الشعب اليهودي وضد دولته».

وكان نتنياهو قد عقد مشاورات أمنية بعد العملية تقرر بعدها الزج بالمزيد من القوات واتخاذ تدابير احترازية وقمعية، بينها هدم بيوت منفذي العملية. ولكن هذه الإجراءات أشعلت القدس الشرقية، وخصوصاً جبل المكبر، بالاحتجاجات والصدام مع القوات الإسرائيلية.

ويبدو أن ما جرى الحديث فيه عن تهدئة بين قادة كل من الأردن والسلطة الفلسطينية وإسرائيل بوساطة أميركية في عمان، كان مجرد كلام، بددته حركة الشارع وأصداء العملية.


انشر عبر